رنوة العمصي المنامة – البحرين   البدايات تشي بكل شيء، غير أننا لا نملك الوقت لاكتشاف ذلك أثناء جريان العاصفة. حين تهدأ، تسكن، يكون بإمكاننا تلمس الإشارات الأولى لكل ما

محمد عفيفي مطر.

رنوة العمصي

المنامة – البحرين

رنوة العمصي

 

البدايات تشي بكل شيء، غير أننا لا نملك الوقت لاكتشاف ذلك أثناء جريان العاصفة. حين تهدأ، تسكن، يكون بإمكاننا تلمس الإشارات الأولى لكل ما حصل. أحب أن أقرأ الشاعر محمد عفيفي مطر من بداياته، من بدايات البدايات. من “فردوس بائعة المانجو”.

أشعر أن كثيرا  مما قاله محمد عفيفي مطر لاحقًا، له جذور في تلك القصيدة. كتب الشاعر القصيدة في العام ١٩٥٨، وكان حينها في الثالثة والعشرين من عمره، شابًا يعيش في قرية زراعية هادئة وشبه منعزلة عن القاهرة المدينة والمركز والزخم، وقد بدأها بقوله “يا زمنًا قد مرّ علينا.. لو كنتَ تعود”. شابٌ في الثالثة والعشرين من عمره يأسف على الزمن، ويأمل لو أنه يعود، وهو وإن ساق هذا الحديث على حال غيره، فإنه يسوقه مستعيرًا الحالة، مستشرفًا الأسى، أو مستبقًا الوقت الذي سيمضي، وسيخلف وراءه الأسف حتمًا.

وبائعة المانجو هنا تدلنا على أكثر من مدخل لنفس الشاعر، إن صح بنا الاستدلال، أولها الأرض والصلة الوثيقة بها، القرية والإغراق في محليّة المحلية من باب أصالة بحتة، فهو إن ساق في أعماله اللاحقة استعارات من الأساطير القديمة وبدائلها الفلكلورية والدينية في الكتب المقدسة، إلا أن الأصل بقي ثابتا، والصلة الوثيقة بالقرية والأرض والطين بقيت ملمحًا أساسًا في نصه.

ثانيها أن المرأة التي أطل وجهها في قصيدة مطر الشاب من خلال فردَوس “بائعة المانجو”، كانت تلك التي غادرتها الغواية، فاختفى نور خديها، وامحى كحل عينيها، وراح صباها بفعل الزمن هباءً منثورا، وهو إذ يصف حالها، ثم يواسيها فإنه يقول “ ولا بأس إذا عشنا في التيه كطير مذبوح، ما دمنا…”، متحدًا إذًا معها في الشعور ببَدَد العمر، رغم حداثته عند مطر آنذاك ومستشرفًا لا جدوى السعي، مكتفيًا بالسعي نفسه كجدوى. وإذا قرأنا هذه البداية من نافذة النهاية، نعرف أن محمد عفيفي مطر كان يعي إلى أين يقود نفسه، أو لا يعيه، غير أنه -على الأقل- كان قد حسم أمره بألا يسير حسب هوى التيار،  وأن يذهب في الاتجاه الآخر (فكرًا وأسلوبًا)

ونجد في النص بالرغم من حضور الأرض حضورًا طاغيًا بالإشارة الصريحة، أو الرمز لونًا ورائحة وعاطفةً، إلا أنه تظهر إلى جوار هذا مفردات، تكررت كالتيه، وسوّاح، وهي الأخرى تشي، باغتراب روح، كان يعتري الشاعر، ما لبث أن صار اغتراب رأي وموقف، فاغتراب مكان دام سنوات، وحكاية ما كانت تخفى على كل قارئ ومتابع لحياة الشاعر.. الذي ختم قصيدته (الأولى) بأمل أخير، لا تراه يختلف عن ذاك الذي راوده آخر العمر..

“يا أختي

كلّ الأحزان إذا مرت ماتت

ما دمنا نضرب في التيه كي تبحث روحانا فيه

عن ثوبٍ، وبقايا ظلٍ، ورغيف

وهنيهة نومٍ في حضن أليف”

 

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 837 الثلاثاء 26 يوليو 2016