كان محمد عفيفى مطر ولما يزل بعد واحدًا من الشعراء العظماء الذين عرفتهم الشعرية العربية ويصعب تكرار حضورهم، تماما كما يصعب نسيانهم. إنه واحدٌ من الأكابر المبرزين، كيف لا ..

عفيفي

كان محمد عفيفى مطر ولما يزل بعد واحدًا من الشعراء العظماء الذين عرفتهم الشعرية العربية ويصعب تكرار حضورهم، تماما كما يصعب نسيانهم. إنه واحدٌ من الأكابر المبرزين، كيف لا .. وهو الذى كان ينتمى لسلالة كتاب الحوليات والمطولات الشعرية الذين عرفهم الشعر العربى منذ فجر شروق شمسه المهيمنة، واحدٌ من الذين يعيدون النظر فى كتابتهم قبل أن تمشى حيّةً بين الناس، وأحد المكابدين بشغف لمعايشة القصيدة التى يكتبها لأسابيع وشهور بل أحيانا ربما لسنوات.

قبل رحيله بأيام قلائل دعانى إلى حضرته ليوصينى بأعماله الشعرية التى ترك منها عددًا من القصائد لم تتأطر داخل ديوان بعد، أوصانى أن تصدر أعماله الشعرية فى طبعةٍ شعبية “بالهيئة العامة لقصور الثقافة؛ حتى يتمكن غير القادرين على امتلاكها (على حد تعبيره)”.. قلت له مبتسما وقلبى يستبعدُ ويستنكر احتمال رحيله: سأجمع القصائد الخمس الباقية فى ديوان واحد فماذا أسميه؟! فقال لي: “ديوان واحد .. ازاي؟!” ثم استتبع بعد هنيهة سكون: “القصائد (كذا وكذا وكذا) تنزل فى ديوان مستقل تحت عنوان “فخاريات تذروها الريح” والقصيدتان الأخيرتان يجمعهما ديوان هو الأخير فى الأعمال وعنوانه “يقين الرمل” وفى هامش عنوان كلا الديوانين تكتب (ديوان تنقصه قصيدة لم يسعف وقتُ الروح كتابتها)”.

هكذا كان عفيفى مطر يرى فى كل ديوان من دواوينه مشروعًا جماليًا ولغويًا وفكريًا مختلفًا، فكل ديوان عالمٌ مُستقل يعكفُ على معايشته بكل حواسه وكيانه وحركته، وهكذا تعلمتُ منه كيف يكون الشاعر الكبير وكيف يكتب، فالمتابع لمشروع مطر الشعرى المتفرّد يلحظ من تواريخ كتابة قصائده أنه كان يكتب ديوانين وربما ثلاثة فى التوقيت نفسه، هذا التوقيت الذى يمتد ربما لسنوات. والأغرب أن كل ديوان منها بعد انتهائه منه تمثل قصائده عالمًا قائما بذاته على كل المستويات عن قصائد الدواوين المُزامنة له كتابةً. فكيف كانت لحظات الكتابة تأتيه؟!

من مشاهداتى القليلة التى عايشتها فى أربع سنواتٍ هى أجملُ ما كان فى العمر من فرحٍ شجي، وكلُّ ما تبقى فى الذاكرة من إعجاز حضور، كان عفيفى مطر لا يعلن أبدًا أنه يكتبُ نصًا شعريًا جديدًا، فقط لك أن تلحظ ساعات وساعات من السكون والتأمل والرغبة فى الانعزال التام، وهو يفتح أمامه (كشكولا) لا يتركه على سطح مكتبه أبدًا خشيةً عليه، وإنما يدسُّهُ فى مكانٍ يعرفه وحده، داخل درج مكتبه الأيمن، أو تحت مجموعة كتبٍ على رفٍ من رفوف مكتبته، أو فى الجيب الداخلى لحقيبة سفره إذ يسافر، نائيا به عن احتمالات التلف أو التعرض للبلل أو الضياع. ومع الكشكول كان القلم الرصاص التقليدى الذى “يبريه بالموسى أو المبراة الحديدية” فى تأنٍ وهوادة قبل أن يشرع فى الكتابة.

طقوسٌ ظاهرية كنت أختلسُ تفاصيلها دون أن أخدش حياء عزلته التى كان يحرصُ عليها، محاولا تمويهها بتقاليد حركته اليومية، والتى تقتصر فى خلوته القاهرية على الحركة داخل شقته الشهيرة المطلة على النيل عند كوبرى الملك الصالح بمصر القديمة منعزلا عن العالم فلا تلفاز ولا صوت مذياع، اللهم إلا بعض الصحف التى يطالعها أحيانا مبتسمًا هازئا من عناوينها الرئيسية الفارغة إلا من الكذب وصناعة الطغيان. بينما تتمثل التقاليد اليومية فى عالم القرية برحلته المعتادة من المنزل إلى الحقل، أو من المنزل إلى “المنحل” الذى كان يقضى فيه وقته متأملا دأبَ النحل ونظامه، فإذا سمعت أنه خرج فى جولةٍ طويلة غير محددة الوجهة فى الحقول البعيدة؛ أيقنت أن القصيدة راودته عن نفسه فقرر التهيؤ لها وحدها.

كان محمد عفيفى مطر يبتعدُ تمامًا عن قراءة شعره السابق إذا شرع فى كتابة نصٍ جديد، وكم مرةٍ اعتذر عن المشاركة عن فعاليات أو ملتقيات شعرية، دون سببٍ واضح، وبعد فترةٍ وجيزة طالعنى بنصٍ جديد كان عاكفًا عليه. وحينما صارحته ذات مرة باكتشافى لسبب اعتذاره الحقيقي، ابتسمَ ممزحا وهو يقول: “الكتابة زى الفِرِيك.. حتى لو كنت هأقرأ حاجة من شعرى السابق”. ولعلنى أذكر فى هذا السياق أنه رفض بشدة فى احتفال أقيم لتكريمه بقصر ثقافة شبين الكوم عام 2008 قراءة قصيدته الشهيرة “هلاوس ليلة الظمأ” التى طلبها منه الجمهور بإصرار، وحينما سألته فى رحلة العودة من الاحتفالية عن سبب رفضه قال: “الناس عاوزة تسمع اللى هى عارفاه ومتعودة عليه وأنا عاوز أعرفهم اللى هم مش عارفينه.. الشعر معرفة متجددة”.

ذات مرةٍ من المرات زرته فى خلوته القاهرية لأجد الطاولةَ التى تتوسط الصالة مليئةً بكتب التاريخ القديم، ووجدته منشغلا شاردَ النظرة، ولما حاصرته بإلحاحى المرهق سكت طويلا قبل أن يجبنى “أبحثُ عن معلومةٍ منذ شهر ونصف الشهر عن (إرَم ذات العماد) لأكمل قصيدةً فى ديوانى الجديد الرعويّات عنوانها (الدخول إلى إرَم)”، فابتسمتُ مهوِّنا قائلا: “مش لازم يعنى المعلومة دى وكمِّل النَص”، فنظرَ نظرةً لا أنساها وقال: “لو أجهد النقاد والقرّاء أنفسهم 10 بالمائة من جهد ومكابدة الشعراء فى الكتابة لتغيَّرَ العالم”.

“يقين الرمل” من وحى الرحيل

ظللت لأعوام وأعوام أبحث فى كل نصٍ جديد يكتبه عفيفى مطر عن نبوءته بالرحيل .. موقنا أن للشاعر حظٌ وفير من وحى النبيين، وكلما طالعت نصًا جديدا لهثت عيناى وهى تبحث وراء مفردات “التراب والسماء والعروج والغياب والطين”، وكنت كلما لم أجد منها شيئًا يطمئن قلبى وتخمد هواجسي، لتعاود اشتعالها مرةً أخرى إذ يُجلسنى بين يديه تاليًا على مسامعى قصيدةً جديدة انتهى من كتابتها فى صورتها النهائية للتو.

كان عفيفى مطر قبل أن يدخل بساعاتٍ غيبوبته الأخيرة التى أشرَقَ منها على أفقٍ لا ينتهي، والتى رحل بعدها بأيام ثلاثة، قد أوصى أسرته وأوصانى ببناء مقبرةٍ جديدة له فى قطعةِ أرضٍ اشتراها على أولِ حقلٍ متاخم لمقابر بلدته “رملة الأنجب”، فقد كان يتمنى أن يُدفَنَ معَ والدته لولا أنها دُفنَت مع والدها، وهو أمرٌ مُستهجن فى تقاليد القرى أن يُدفَنَ أحدٌ بمدفنِ عائلةٍ غير عائلته، حتى ولو كانت أمُهُ بالمدفن نفسه. لذا اشترى مطر مدفنًا مستقلا، وشرع خال زوجى “رحمة” فى بنائه، بعد أن أسلمَ محمد عفيفى مطر روحه إلى بارئها عقب أن صلينا بجوار سريره صلاة المغرب يوم 27/ 6/ 2010، وبعد أن سلَّمنا تسليم الصلاة الثاني، التقطت أذناى أول وآخر كلمة أسمعها منه منذ دخوله الغيبوبة حيث ردد وراءنا “ورحمة الله .. ورحمة الله”.

شرَعَ الرجال فى بناء المدفن الذى يقع على أطراف مدافن القرية، وجلست بينهم وهم يرفعون حجرًا فوق حجر، وأنا أفتتحه له بقراءة سورة البقرة ويس والرحمن والملك، وأصلى فيه ما تيسر من صلاة. وفى اليوم التالى سبَقتُ مشهد المشيعين إلى القبر؛ حتى أقرأ بداخله سورة “يس”، وحينما وصلت إلى آية “وما علمناه الشعر” أطل مطر برأسه مستشرفًا مثواه الدنيوى الأخير ومفتتحًا آفاق عالمه الجديد الذى قال عنه ذات شِعر “أبصرُ موتى المضيءُ يلوّحُ لى باسما”، ورافق جسده فى الدخول صديقُ عمره المبدع الكبير “سعيد كفراوي” الذى أجهدنا حزنًا فى محاولات مضنية لإخراجه من المدفن، طالبًا إغلاق باب المدفن عليهما سويا.

هالنى أننى وجدت خال زوجى قد أوصى البنائين بأن يملئوا المدفن حتى منتصفه بـ “الرمال”، حتى لا تطاله المياه التى قد ترتفع فى حال ريٍّ الحقل المجاور، تركتُ المشيعين والضيوف والحزن الذى خيّمَ على الوجوه والقلوب، وعدت إلى منزلى ممسكًا بآخر (كشكول) ضمّنه الشاعر قصيدتيه الأخيرتين وسلّمهُ إليَّ منذ أيام وهو يوصينى بأعماله وطريقة نشرها، شغلتنى حالته الصحية ووصايا الأطباء والزوار الذين لا ينقطعون عن النظر فى «الكشكول»، وكان محمد عفيفى مطر قد اختار للقصيدتين عنوانًا جامعًا للديوان «الذى تنقصه قصيدة…» هو: “يقين الرمــل”.. وانكشف عنى غطائى وأنا أقرأُ آخر مقطعٍ كتبَهُ محمد عفيفى مطر قبل رحيله بأسابيع، والذى خبأه عنى على غير عادة، وأخذت أتلو باكيًا آخرَ ما أوحيَ إليه مرددا معهُ ما تيسر من قوله الأخير عليه رضوان الله :

“لى خيمةٌ فى كلِّ باديةٍ،

ولى كهفٌ ألــوذُ به،

ولى طللٌ وشاهدُ مدفنٍ،

وهريرُ كلبٍ حولَ نيران القِرى،

وأنا المُغنى

جامعُ الأشعار من متردَّم الشعراء

أروى ما رأيتُ لمن رأى،

وأنا ربيبُ الدمعِ

كلُّ أراملِ الشهداء أُمَّاتي،

على وترينِ أسحبُ قوسَ أغنيتى

وأضربُ نفخةَ الإيقاعِ فى عظم الرباب،

وأنا يقينُ الرملِ :

آخرُ نفخةٍ للخلقِ والتكوين،

منفردٌ وباقٍ .. ليسَ يغلبنى سواي”.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 837 الثلاثاء 26 يوليو 2016