يتكسر وجهى ولائم فى الحلم من كتاب «المنفى والمدينة» – قصيدة وقراءة   لقد كسّر وجه المرآة، وسجّرَ اللغة، محمد عفيفى مطر، الرجلُ الشاعر. هائمُ التوتّرِ بين القلاع اللغوية غامضة

محمد عفيفي مطر

يتكسر وجهى ولائم فى الحلم

من كتاب «المنفى والمدينة» – قصيدة وقراءة

 

لقد كسّر وجه المرآة، وسجّرَ اللغة، محمد عفيفى مطر، الرجلُ الشاعر. هائمُ التوتّرِ بين القلاع اللغوية غامضة السحر، والضفاف المعنوية سافرة الخيال. ولعلنى أرى وحدى أو لست وحدى فى ملامح الوجه الأمبيذوقليسي، البيان الشعرى المطرى والتدشين الهوياتى العنيف لتجربة ترمى بظلالها الفارهة على التجربة الشعرية المصرية والعربية عبر نصف قرن منذ ستينات القرن العشرين. فى هذا الوجه المكسور إلى ملامحه التى لم يلمحها سوى مطر توجد طبقات ثلاث هى خلاصةً الأحفورة الشعرية، وكوكبة الطلاسم المبينة ذات الأعباء وأخيرا القفزة الملهوبة فى فوّهة إتنا. وهنا يفضّ الشاعرُ قصدًا – وهل للشعر سوى القصد؟ – سريرة الشعر فى تحرٍ للرمز عن المعرفة وليس المجاز. ونحن إذ نستذكر معا مروية/ أسطورة الشاعر الفيلسوف الإغريقى الغابر أمبيذوقليس الذى ادّعى أنه من سلالة الآلهة وقد قصفته إلى الأرض الكراهية/ الذنب، فنحن نبئّرُ منظورنا على نهاية حياة أمبيذوقليس الذى قفز فى فوهة البركان ليتحد بالأرض ويجلب جسده إلى العالم والشعر والمعرفة. هنا يمكننا أن نقول بأن الحبّ فقط قادرٌ على دفع هكذا نيةٍ نحو مقلوب الانتحار، الاتحاد. ما نسميه مروقا أبوقا. أقول إننا إن استذكرنا هذا سنعول كثيرا على الرمز فى أسطورات مطر كسبيل تقصٍ عبر فصم عرى الوثائق الجسدية المرموزة فى اللحم والجوهر المعنوى والنصوص المجسودة فى الشجر والقلوب والأحجار.

الوجه الأمبيذوقليسى هو المحبب لمطر فى حفل العالم، وقد تلبسه تماما فيما تلا من أعباء الشعر والشعائر. واختيار هذا القناع تحديدا يبدى فيما يبديه التوتر الكامن المختلج فى التجربة المطرية حول الهوية الأصلية للشعر. فالشعر إذ يرمزُ إلى الحقيقة فإنه لا يجيزُ مجازًا بل يشير إشارةً إلى الحق، (حقّ العرّاف) والساحر والشاعر، وحتى المجنون المتجول. إننا هنا فى استعارةٍ من جاك لاكان، الرمزيّ تحديدا، يمكننا أن نقول بتأثيث مطريّ عالميّ لدنيا الرمزيّ، ولعله فى قصده هذا قد عمدَ – كإبراهيم – إلى تحطيم دلالات الرموز الأولية المتواطئة (حق السياف). فالبداية هى سؤال الحقيقة بين العارف والسيف/ السياف، وكما أن السيف التباسٌ بالسيّاف، فإن الرمزَ/ المعرفة يتقلّده الشاعر/ الرامز. فى حركةٍ عنيفة وجذرية من الشِّعر الشاعَر – بفتح العين على غرار العالَم بفتح اللام – وكيما نحيل إلى هذا يجب ابتداءً أن نستمع إلى الصرخة الأمبيذوقليسية أثناء القفزةِ المهوِلةِ إلى فوّهةِ إتنا نحو الحمم البركانية/ الطبيعة، أو محاولة إنهاء الحياة المطبوعة بالكره بطريقة الحبّ السرمديّ، الجذب، الكثافة، الارتطام المدوّى بالطبيعة الساقطة. إن المعرفة مرةٌ فى الأساس كما يبدو فإن مبدأها الجسد فى (حوار الدم فى اللحم الغريض المستباح) والروح تظنّ أيضا وهو أصل الاختيار وعليه يتربع العقل. فى إعادة تشكيل الكون أو هذا التكوين البديل/ فى البداية. الشاعِرُ هنا هو صاحب المعرفة (شعرَ عرَفَ – ابن منظور) وبها يطوف ريان البؤس بعد التجسد مباشرة (الجوّال) فلا يجد سوى الفساد والتحجّر. وفى وضح نهار (الحقيقي) يكون الدم حقيقة الإنسان بينها تتبدلّ وجوهه فى توتر عالٍ يرزح تحت ثقلٍ هويّاتيٍّ عنيف فهو إن كان شاعرًا لاختار أن يمرّ (فى مزالق الأعراف) أضيق الطرق وأوسعها نحو الحقيقة مبذولةٌ بينما العودة الأزلية المطبوع بها الكائن فى تخبطه (فى الكون والفساد) لا يمكنُ التصدّى لها إلا بجوعٍ اسمى، جوع باعث، يشير، جوعٌ لَقَب وعلامة، جوع مَجْد.

فى استباقٍ رؤيويّ لما حدث/ سيحدث، عبر سياق كوزمولوجي/ إسكاتولوجى إسلاميّ تجترّ الروح الأمبيذوقليسية الغريبة (هُنا) الخطايا الإنسانية التى خلقت العالم، الخطايا المكتوبة على القلوب المفتضّة أمام الخلق الأعلى وربهم على الأعراف/ المزالق، والصراط/ العبور ويعترف الشاعر مرة أخرى ضمنيا أن الكراهية هى الخطيئة الأساس والنيّة الأساسية فى الخلق وأن المحبّة تعيد إرادته – تلهمها العودة إلى الأرض الخراب مرة أخرى وسط خواء النوايا والمنازل.

إن شرط الجسد عند الوجه المشطور هذا هو عينان، وقدمان، وصمتٌ عميقٌ عن حقيقة ثقيلة، يحملها المسافرُ الجوّال كالجمر خلف أسنان من الجليد الصلد الذى يذوب مع انقضاء العمر. لقد لبس الشاعر (قميص الصمت) لقد التبس بالجسد الذى هو (القبو الدامي) ومقارنة بالوجود الأول، بموسيقى الأفلاك، فإن الوجود الشاعرى للعالم حتى، ليس سوى سعي ضال.

إن الهابط بالكراهيةِ إلى نتاجها العالم، إلى الشّاعَر، إلى الكون والفساد، والتقويم، إلى ساعة رملية اسمها الكون، لم يتسلح فى سفره وتجواله إلا بمضاء الشّك وحدّة التوتر. فى (رمزيّ) العالم المتواطئ، وبتأثيثه – كما أسلفنا – رمزى مغاير فإنه يحيل إشارةً إلى نفسه، عبر موشور لاكان يمكننا أن نرى طبقات الدنيا الثلاثة هنا، الرمزى المتواطأ عليه من الجمع، وهو ما يود مطر تحطيمه وتبديله رمزيا جديدا عبر عرض الحقيقي، حقيقة الدم، وحقيقة الأعباء، أن العالم أسه الكراهية، انه لولا الكراهة ما انخلق، ولو أن الحب ساده وغلبه لانكفأ على وسطه وتحطم وفسد تماما. وهو فى حركته النهائية – إذ ينشطرُ – وجوه عدّة، تتحطم مرآة، فإنه لا يشير إلا إلى تأويل أعباء الشاعر إلى ما لا نهاية الشروخ فى الهوية، من دورات العناصر. إن وجود – الشاعر – فى – العالم وجودٌ معتورٌ منذ البدء وهو غريب لا أهلٌ ولا وطنٌ وإن نزعت نفسه إلى الحبّ فإن ذلك لن يفضى إلا إلى فساد والحياة طبيعة كارهةٌ أوجدتها التخلخلات وبالكراهية حدث الوجود. عبر تلك الفانتازيا العالية يتجول مضاء محمد عفيفى مطر، وعبر هواه الفلسفى الضارب فى العتاقة، يفلقُ مطر صبح المعاني.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 837 الثلاثاء 26 يوليو 2016