كنت فى الرابعة عشر من عمرى حين دخلت السينما لأول مرة بمفردي. كنا كأسرة متوسطة نذهب للمسرح كل خميس تقريبا ونذهب للسينما مرة كل شهر. الأفلام التى شاهدتها صغيرا

زوجة-رجل-مهم
11146279_1577826335799911_4289519708615298293_n

حاتم حافظ يكتُب

 

كنت فى الرابعة عشر من عمرى حين دخلت السينما لأول مرة بمفردي. كنا كأسرة متوسطة نذهب للمسرح كل خميس تقريبا ونذهب للسينما مرة كل شهر. الأفلام التى شاهدتها صغيرا كانت كلها إما أمريكية وإما لعادل إمام. حين ذهبت السينما وحدى وجدت أفيشا يحمل صور أحمد زكى «كنت أعرفه من مسلسل الأيام» ونجلاء فتحى «وكنت أعرفها من أفلام الأبيض والأسود» وعايدة رياض التى لم أكن أعرفها. قرب نهاية الفيلم كنت قد اتخذت قراري، سوف أعمل حين أكبر بالحكي. أحد أهم أسباب اتخاذى هذا القرار فى هذا السن هو الطريقة التى كان محمد خان يحكى بها الحكاية. فى الأفلام الأمريكية وأفلام عادل إمام كنت أشاهد فيلما، فى فيلم محمد خان كنت أشاهد فيلما يُحكى بطريقة مقصودة. مشهد النهاية المبنى كقصيدة ختامية فى فيلم أحلام هند وكاميليا كان افتتاحية لتتبعى أفلام خان ثم خيرى بشارة ورأفت الميهي. محمد خان كان صاحب أكبر نصيب من الأفلام التى أحبها «خرج ولم يعد»، «مشوار عمر»، «ضربة شمس»، «زوجة رجل مهم»، «شقة مصر الجديدة»، «الحريف» وصاحب أكبر نصيب من الأفلام التى لم أستطع أن أحبها «بنات وسط البلد»، «مستر كاراتيه»، «كليفتي» «فتاة المصنع».

حتى الآن لم يسحرنى فيلم قدر ما سحرنى ضربة شمس. بالنسبة لى فيلم ضربة شمس هو فيلم محمد خان. هو فيلمه الذى استولده فى أفلامه كلها. وأكثر ما كان يسحرنى فيه شريط الصوت. لم يهتم مخرج قدر اهتمام محمد خان بالمشهد الممتلئ صوتيا. فى ضربة شمس يظل صوت الراديو مصاحبا لشمس طوال الوقت فى شوارع القاهرة. فى «خرج ولم يعد» لن يكتمل المشهد «وأنا هنا أتحدث عن المشهد باعتباره وحدة بصرية بالأساس» إلا بالصوت، صوت خشخشات الحقول صوت العصافير على الشجر حيوانات الريف وحتى أصوات ارتطام الملاعق بالأطباق المعدنية. فى أحلام هند وكامليا صوت كاسيت الميكروباص صوت راديو الجيران صوت كلاكسات السيارات. فى «زوجة رجل مهم» أغان عبد الحليم التى لا يمكن حذفها أبدا من الفيلم. فى شقة «مصر الجديدة» صوت الراديو والصوت الغامض الذى يطارد يحيى. فى فيلم الحريف صوت الأغانى الشعبية صيحات جمهور الكرة فى الساحات الشعبية ركلات الكرة. فى مشوار عمر سوف نتنقل من أصوات كاسيت سيارة عمر وأغانيه الأجنبية وبين ضجيج الشارع وصوت دوران عجل السيارات على الأسفلت والطرق المتربة.

الملاحظ ليس فحسب فى زحام الأصوات فى تلك الأفلام، ولا فى توظيفها دراميا، ولكن فى كون شريط الصوت لا يتم توظيفه تقليديا كخلفية للمشهد، بل فى رأيى يكون هو المشهد نفسه، ليس المشهد فحسب بل الحكاية نفسها. فى كل هذه الأفلام يتم زرع مفارقة الدراما/ الحكاية فى التناقض بين الضجيج الذى نسمعه طوال الفيلم وبين مشهد نهاية ما يتوقف فيه الضجيج وتنزلق الحكاية بخفة نحو الشاعرية. فى فيلم أحلام هند وكاميليا مشهد النهاية شديدة الحساسية. فى فيلم زوجة رجل مهم يتوقف الصخب كله فى لحظة فى مشهد الانتحار. فى فيلم موعد على العشاء نستسلم لشاعرية مشهد العشاء الأخير. فى فيلم خرج ولم يعد تتسرب إلينا الطمأنينة مع قرار البطل البقاء. فى فيلم مشوار عمر نأسى على عمر فى لحظة وصوله لسيارته المعطلة.

كما لو كانت الحكايات التى يحكيها محمد خان كلها هى حكاية واحدة، حكاية محاولة الإفلات من الضجيج، من الصخب، الوصول للحظة سكينة، حتى ولو كانت لحظة السكينة تلك هى لحظة لا مستقبل لها «أحلام هند وكاميليا»، حتى ولو كانت لحظة السكينة تلك هى لحظة الموت نفسها «زوجة رجل مهم»، هى لحظة اكتمال اليأس «موعد على العشاء» . هى لحظة ساخرة «مشوار عمر». المهم أن ثمة لحظة فى شريط الحياة «أو شريط الحكاية» سوف تمنح الإنسان السلام، حتى ولو كان سلاما أخيرا ونهائيا. صحيح أن أفلام محمد خان تتنوع حتى فى نهاياتها بين النهايات السعيدة «خرج ولم يعد، وأحلام هند وكاميليا» وبين النهايات غير السعيدة «زوجة رجل مهم وموعد على العشاء»، ولكن فى النهاية تبقى كل النهايات سعيدة كانت أم غير سعيدة هى نهايات السلام الأخير. هى نهايات الإفلات من الصخب الذى لا يثير أعصابنا فحسب ولكن الذى يشوش رؤيتنا طوال الوقت.