حوار: سامح فايز صديقي الروائي الشاب  قابل طلبي بالسخرية حين أعلنت عن رغبتي فى إجراء حوار مع أحمد خالد توفيق، برر ذلك أن الرجل انطوائي يعيش فى محافظة بعيدة

أحمد خالد توفيق

 

حوار: سامح فايز

صديقي الروائي الشاب  قابل طلبي بالسخرية حين أعلنت عن رغبتي فى إجراء حوار مع أحمد خالد توفيق، برر ذلك أن الرجل انطوائي يعيش فى محافظة بعيدة عن القاهرة،لا يستمد أحمد خالد توفيق شهرته من ظهوره في وسائل الاعلام،لأنه نادر الظهور لكن حضوره على الرغم من ذلك ممتد فى العديد من تفاصيل الحياة اليومية فهو سواء شئت أم أبيت كاتب فى صدارة المشهد، يستند إلى جوار تميز موهبته فى السرد وارتياد مناطق غير مطروقة على جمهور كبير منحه شعبية شبيهة بطقوس التتويج، وعن طريق صديق مشترك تمكنت من الحصول على موعد، هى المرة الأولى التى أسافر فيها إلى طنطا، لذلك قررت الذهاب باكرا عن موعد الحوار بعشرة ساعات، فور أن وضعت قدمي فيها وجدت معهد الأحمدى الأشهر الذى خرج منه رجالات الفكر فى مصر على يميني، ومسجد سيدى أحمد البدوي على يساري، والمريدين يجولون فى كل مكان، لكننى مريد فى محراب رجل آخر، كان وما زال محط أنظار الجميع، بين محب ومهاجم، وكانت الأسئلة تتسارع فى ذهني، أريد من خلالها أن أجد ترجمة لعالم هذا الكاتب، الذى يراه البعض قديسا، ويراه آخرون سببا فى انهيار ثقافة أجيال متعاقبة، بسبب كتب الجيب التى لم تعد تفارقهم، فإلى نص الحوار:

هل كان فى ذهن أحمد خالد توفيق حين توجه فى أوائل التسعينات إلى المؤسسة الحديثة بسلسلة ما وراء الطبيعة أن يكون خلفك جيل كامل من الكتاب والقراء  يرون فيك العراب الذى فتح لهم الطريق؟

طبعا لأ، أنا مجرد شخص حاول تقديم قصة مسلية لا تندم على ما أضعت من وقت في قراءتها، وكل هذه الألقاب التى يطلقونها أراها كبيرة، “أنا لما بسمع كلمة العراب دى بتخض”، وأقصى هدفي فيما أكتب هو أولا تسلية الناس مع إضافة قدر من المعلومات والقيمة الأدبية، وثانيا أسلي نفسي بما أكتب، أضف إلى ذلك أن من كانت تحركاته فى الحياة قائمة على اعتقاده أنه نبراس الجيل والمعلم فاعلم ان مثل ذلك الشخص “عكاك” ولن يذهب لأي مكان.

ظهورك كان فى فترة توهج جيل التسعينات وتمردهم على احتكار الأجيال السابقة للحركة الثقافية، لماذا لم تنضم لذلك الركب وفضلت كتب الجيب؟

الفكرة أنه فى ذلك الوقت لم تكن القراءة مثل الآن، فلم يكن أحد يقرأ فى ذلك الحين إلا لنبيل فاروق، ووجدت أن مثل ذلك الطريق غير مطروق وواعد فقررت المضي فيه قدما،  وأحب أن أطلق على هذه الفترة “عصر ما قبل عمارة يعقوبيان” أما ألآن فالقراءة أصبحت نشاطا شبابيًا مهمًا بل وجزءًا من مظهر الشاب العصري، لكن فى الفترة التى بدأت فيها الكتابة كان من يشاهد وهو يحمل كتابًا  ينظر له باستغراب “ويأخد تريقة للصبح”، لأجل هذا أردت استخدام عنصر جاذب من خلال هذه النوعية من الكتابة وفى نفس الآن تمتعني أنا أيضا ككتابة.

لماذا كتابة الرعب بالذات؟

جاوبت على ذلك السؤال كثيرا من قبل، الحكاية أن الخوف كان يتملكني وأنا صغير ووجدت أننى حين ألجأ لكتابة الرعب أرى نفسي خلف المدفع وليس أمامه، ثم بعد ذلك وجدت أن ستيفن كينج قال نفس الكلام حين قال أن كتابة الرعب تحيطه بدائرة سحرية هو وأسرته فلا تقربهم الأخطار، فالمسألة لها بعد نفسي واضح، لكننى بدأت ككاتب قصة قصيرة ومتأثر جدا بتشيكوف وجوركي كما تأثرت في الرواية بـديستويفسكي.

البعض وجه لك الشكر لأنك كنت سببا من وجهة نظرهم فى دفع جيل كامل من الشباب للقراءة، كيف ترى ذلك؟

أرى أننى لا أستحق مثل ذلك الكلام، يظن البعض من أجوبتي أننى متواضع لكن الحكاية ليست كذلك، كل ما فى المسألة أننى أعرف حجمي بالضبط لا أكثر ولا أقل، ولو تحدثنا عن المسئول عن دفع جيل كامل للقراءة فالاجابة ستكون نبيل فاروق ومن قبله محمود سالم، فقط الذى أضفته أنني عندما توجهت لمثل ذلك النوع من الكتابة حاولت أن أزيد من المحتوى الأدبي فى الكتابة.

لكن نظرة سريعة على انتشار أدب الرعب من حيث  مستوى الكتابة والقراءة تؤكد أن أحمد خالد توفيق بالفعل موجود.

أخبرتك سابقا” العرش دا مش بتاعي”، أما فيما يخص “هوجة” الرعب التى ألقت بظلالها بقوة مؤخرا فلست معجبا بها، بل قل “منرفزانى”، سابقا كانت هناك فترة توجه كل الكتاب الشباب لكتابة الجاسوسية، وأيضا قلد كثيرون من رسامي الكاريكاتير اسلوب مصطفى حسين فى الرسم، ألآن نجد كل من أراد أن يكتب يكتب الرعب، وهذه مسألة مبالغ فيها لكنها ليست ذنبي، وهل ذنب مصطفى حسين أو نبيل فاروق أن قلدهما آخرون ؟، إلى جانب ذلك فأنا لا أكف عن القول أن هناك أنواع أخرى من الأدب، ” أنا فعلا بدأت أزهق من الرعب من كتر إن الانتاج كله بقى رعب”.

هل ترى أن هذا الجيل من كتاب الرعب قدم شيئا لهذا النوع من الكتابة؟

لم أقرأ كل ما كتب فى أدب الرعب، كما قلت أصبحت الكتب كثيرة جدا، مثلا فى معرض الكتاب الأخير كان كل من أوقع له نسخة من كتابي يعطيني نسخة من كتابه حتى أصبح لدى كم هائل من الكتب وهى مسألة مرهقة فعليا قراءة كل هذا الكم. حتى أن أحدهم أرسل لى معاتبا برسالة يقول فيها:”أشكرك على اهتمامك وعدم قراءة عملي”.  لم أعرف كيف أعتذر.

هل وجد أحمد خالد توفيق فكرة  لكاتب جديد تصلح أن تكون سلسلة كتابات جيب ؟

بالفعل هناك فكرة أعجبتني لكاتب شاب واعد، وأظن أنها تصلح أن تكون سلسلة جيدة وربما بدأنا فى نشرها مع المؤسسة العربية الحديثة في معرض الكتاب القادم.

إذن من الذين ترى أنهم بالفعل لهم بصمتهم فى كتابة الرعب؟

من الكتاب الذين أعجبت بكتاباتهم جدا الكاتبة سالى عادل وهى بالفعل تقدم شغل “عالي قوى” أيضا شيرين هنائي فهى تتميز أنها تسعى لتنويع أفكارها  فى الكتابة، وبالطبع تامر ابراهيم، والذى من شدة إعجابي به كان لى معه كتاب مشترك وهو كتاب “قوس قزح”، فتجارب الكتابة كثيرة جدا لكنها فى النهاية ينتج عنها كتابة حقيقية لا تتجاوز الـ 20%.

من يكتبون أدب الخيال العلمي يملكون إلى حد ما تكنيك فى الكتابة ويهتمون بالسرد أكثر من كتاب الرعب، هل هذه الرؤية صحيحة؟

لا يمكننى أن أجزم بهذه الرؤية ، لكن كتابة الخيال العلمي تستدعي من الكاتب نظرة عميقة للانسانية ونظره لما حققه الانسان، لذلك فكاتب الخيال العلمي تكون رؤيته وثقافته أشمل من كاتب أدب الرعب، أما كتابة الرعب فتتباين .. مثلا قرأت سلسلة لكاتب رعب يقول فيها” كنت واقف فى البلكونة فنزل عليا خفاش خطفني”. وأقصد هنا أنك من الممكن أن تكتب رعب “هايف” وممكن تكتب كتابة عميقة. أجاثا كريستي مثلا تكتب قصة بوليسية لكنها راقية جدا.

النقاد يرون أن أدب الرعب نوع “هايف” من الكتابة، هل هناك مقاييس لدراسة أدب الرعب؟

لا توجد مقاييس لدى النقاد بصدد هذا النوع من الكتابة، فهم لا يملكون مسطرة يقيسون عليها نوعية هذا النوع ، مثلا قرأت مقال لكاتب كبير يتحدث عن أدب الجاسوسية ولم يذكر اسم نبيل فاروق وهذا خلل فادح، وقرآت لآخر يتحدث عن الخيال العلمي وأدب نهاد شريف وأيضا لم يذكر نبيل فاروق وهذا خطأ جسيم، وبالطبع لن يتحدث أحد عن أدب الرعب.  وتأكيدا على انعدام المقاييس من الممكن أن تقرأ مقالاً يهاجم كتاباتي وفى نفس الصفحة ستجد مقالاً آخر يقول أنها جيدة جدًا.

أيضا توجد لمسة تعال فى دراسة أدب الرعب، فهناك من  يهاجم حتى دون أن يقرأ، لكن لا أستطيع أن أدين أحدًا بالكلية لأن شكل القصص التى أصدرها يظهر عليها أنها خفيفة، ربما قريبا وجدنا مقاييس لدراسة ذلك الأدب فى المرحلة القادمة خاصة حين نعلم ان هناك دراستين للماجستير عن كتب الجيب، ومع تعدد مثل هذه الدراسات ستتضح الرؤية أكثر.

مع الوضع فى الاعتبار أن الرعب في النهاية نوع من الأدب له نفس مقاييس أى أدب آخر.

هناك من يقول أن أحمد خالد توفيق ضيع جيلا بأكلمه بسبب كتب الجيب، كيف ترى ذلك؟

لست مسئولا عن شئ، وليس ذنبي أننى كنت جيدا، لكن لا أستطيع أن أقول أن كل ما أكتبه ينفع لكل فترات العمر، فأنا أكتب لشريحة عمرية معينة ثم بعد فترة ينتقلون لقراءة نوع آخر من الأدب، ومع ذلك فقد حاولت فى كتاباتى أن أنتقل لشريحة أعلى فى مستوى الكتابة، إلى جانب أننى دائما أسعى لفتح سكك جديدة للقراءة، حيث أننى أعتبر نفسي مثل مدرس الابتدائي الذى يظل مع تلاميذه ويوجههم لنوع الدراسة اللاحقة ولا يتركهم. قرائي يعرفون أنني لم أكف لحظة عن الكلام عن يوسف ادريس وطه حسين وتشيكوف وبرادبوري وجابرييل جارثيا ماركيز.. الخ. ماذا أفعل اكثر من هذا ؟

لماذا “موت”  رفعت اسماعيل؟

موت رفعت اسماعيل عائد إلى أن الأفكار خلصت، نعم حزن القراء على وفاته لكنه لو ظل قليلا لهاجموه بقسوة، لقد اختفى رفعت في الوقت المناسب قبل أن ينقلب القراء عليه.

هل هناك النية لعودة رفعت اسماعيل مرة أخرى؟

رفعت اسماعيل مرحلة وانتهت لكن ربما ظهرت فكرة ما، حينها قد أعيده على شكل اننا وجدنا بعض مذكراته ونكتب من خلالها، لكن ذلك إن حدث فسيكون كتاب كل عامين مثلا. لا يعني عودة السلسلة.

فى تحقيق سابق نشر فى جريدة القاهرة عن أدب الرعب حدث تراشق بالألفاظ بين كتاب الرعب وكتاب رافضين لهذا النوع من الكتابة، كيف ترد على ذلك؟

ليس شرطا أن يكون الأدب كله رعب، “حتى اللعبة كده هبتقى مملة” لكنني لا أعتبر نفسي مسئولا وأكررها” ليس ذنبي أننى كنت جيدا”، لكننى أرى مثلا أنه لم يكتب أحدهم خيال علمي من فترة طويلة فلماذا ؟. لاشك أن الرعب جنى على انواع أخرى من الأدب   .

هناك بالفعل كتابات خيال علمي وتحقق مبيعات؟

أقصد بكتابة الخيال العلمي هنا أن يسبر أحدهم أغوار الجو الانساني لكتابة الخيال العلمي، ما يحدث ألآن أسميه أوبرات فضائية، حيث الحديث عن غزو الفضاء وأشعة الليزروالمريخيين، لكننى أريد مستوى إنساني معين فى الكتابة حيث التعبير عن أزمة الانسان، وذلك الجانب أراه فى كتابة رؤوف وصفي. وهنا أقول لماذا لا يستكشف الكتاب ذلك النوع من الكتابة؟.

هل ترى أن هناك جرأة على كتابة الرواية؟

بالطبع هناك جرأة على كتابة الرواية، صدرت لى رواية “يوتوبيا” وبعدها بثلاث سنوات صدرت رواية “السنجة”، يجب أن يعلم الشباب أن قرار صدور رواية مرعب، لكني أجد اليوم كاتبًا ينشر رواية 400 صفحة  ربما تكون أول محاولة ادبية له. تنشر دون أن يقرأها الناشر ثم يدشن لها صفحة على الفيس بوك دون أن يقرأها أحد ثم يكتب عنها أحد النقاد فى الصحف دون أن يقرأها الناقد، حتى أصبحت المسألة ظاهرة.

هناك ظاهرة أخرى وهى اتهام الكتاب بسرقة روايات غربية ولم يسلم أحمد خالد توفيق نفسه من هذا الاتهام، ما تفسيرك لذلك؟

قالوا أن  “نادى السيارات” مسروقة من “حفلة التيس” وأرى  ذلك كلام فارغ. وقالوا أن  “يعقوبيان” مسروقة من “ميرامار”،  وردى على ذلك ” كده هنهرج”، وواضح جدا من كثرة الاتهامات أن ذلك تصيد أخطاء والسلام. لكن هناك أعمال بالفعل مسروقة لا جدال. فقط يغير الكاتب الأسماء داخل العمل

لكن هناك حديث على أنك تشتغل على أفكار أعجبتك فى روايات أخرى وليس سرقة بالمعني الحرفي؟

هذه تهمة لا أنكرها، أن أجد فكرة فأشتغل عليها، فهناك تيمة من الممكن أن تستحوذ على اعجابي فأشتغل عليها، المهم أن تكون المعالجة خاصة بأحمد خالد توفيق، يوتوبيا مثلا خليط من تيمات خيال علمي متعددة مثل تيمة “ما بعد المحرقة” و”المسابقات التلفزيونية ما بعد المستقبل” هل معنى ذلك إنها مسروقة ؟، أما الحديث عن معالجة يوتوبيا فأتحداك أن تجد رواية تدور حول مستعمرة يخرج سكانها لاصطياد الفقراء ويضل اثنان منهما فيها، ولو فتحنا الباب لهذه التهمة فأي قضة فيها مصاص الدماء مسروقة من برام ستوكر أول من كتبها. أيضا اتهمت بسرقة فكرة من مسلسل أجنبي وعندما بحثت فى المسألة وجدت أن تاريخ انتاج المسلسل لاحق على تاريخ بداية كتابتي بخمس سنوات، ثم إن هناك تناقضا فى المسألة، فكيف نتهم بسرقة أعمال هى فى بلادها قوية ثم نتهم أيضا أن أعمالنا ضعيفة،”طب ما اللى هيسرق هيسرق العمل محكم مش مفكك”.

هل نفتقد للنقد البناء؟

نحن نفتقد للنقد الموضوعي، سواء كان بناءًا أو هدامًا المهم أن يكون نقد موضوعي يستند على أدلة وبراهين . عند الناس النقد البناء هو الذي يمتدحك فقط وهذا خطأ .

كاتب الرعب حسن الجندي يسعي لأن تكون هناك رواية رعب نابعة من الثقافة المحلية بعيدا عن الزومبي والفامبير، لماذا لم يحاول أحمد خالد توفيق أن يصدر كتاب رعب نابع من ثقافتنا؟

رفضت ذلك لأننى وجدت مثلا أن الحديث عن الجن سوف يفسر تفسيرات أخرى، ففى رواية جونتنامو للكاتب يوسف زيدان حكى أحد شخوص العمل داخل الزنزانة أنه رأى جنيا، فرد عليهم أحد المساجين نافيا مسألة ظهور الجن في الزنزانة، فوجدهم فى خطبة الجمعة يتحدثون عن أن منكر الجن يستتاب وإن لم يتب قطعت رقبته وبدأ الجميع فى السجن يتجنبوه لأنه انكر وجود الجن بينما هو أنكر وجوده في الزنزانة. فلم أرد أن اصطدم بذلك الجانب أما الكلام عن الزومبي والفامبير فهى ثقافة أخرى والتجوال بداخلها أكثر أريحية.

لماذا لم تأخذ قرار أن تعيش فى القاهرة؟

الفكرة إن القاهرة صاخبة وكبيرة جدا، لكن فى طنطا فلست فى حاجة إلا لربع ساعة كى أصل إلى أى مكان اريده،  أضف لذلك أن الاجتماعيات فى القاهرة “هتخنقك”، الكاتب رجاء النقاش له مقولة أنه كلما حضر إلى المقهى وجد الأدباء يجلسون فيتسأءل إذن متى يكتبون بل والأهم متى يقرأون، أنا مقتنع بهذه العبارة، فالقاهرة نعم ستقربني من الفرص لكنها ستزيد ضغطي العصبي أيضا وتقلل من فرص إنتاجي.

قديما قالوا أن أى مثقف كى ينجح يجب أن يحضر إلى القاهرة، هل لازالت هذه الفكرة قائمة؟

لا يزال الموضوع كما هو، فقط أنا كنت محظوظا حين وجدت ثغرة أمر منها، لكن لن ينجح كاتب إلا فى القاهرة، ففى قصر الثقافة  “قاعدين يقروا أعمال بعض، ويعملوا معارض لبعض”. تخيل أن أمل دنقل لم يترك الصعيد ويتجه إلى القاهرة، هل كان سيعرفه أحد؟.

لكن ما حدث بعد ثورة يناير من نجاح أدباء خارج القاهرة يخالف ذلك.

هؤلاء استثناء يؤكد القاعدة، ستجد فى كل محافظة كاتب واحد تمكن من المرور، لكنك طالما كنت بعيدا عن “قهاوي وسط البلد” والحديقة الخلفية لأتيليه القاهرة فاعلم أن فرصك قليلة.

ففى بداياتي كتبت القصة القصيرة وكان صديقي د.. رائف وصفي يعمل فى مجلة صباح الخير، فأرسلت له قصة جيدة ليعرضها على رئيس التحرير، وحين عرضها عليه، قال له رئيس التحرير، أريد منك أن تقراها فى ثلاث دقائق، وعندما بدأ وصفى القراءة أمسك الرجل هاتفه وبدأ فى محادثة آخر، وكلما هم وصفى أن يتوقف حتى ينتهى رئيس تحرير المجلة من مكالمته طالبه بالاستمرار، ثم بعد أن انتهى قال له الرجل” مش حلو”. سيناريو التعالى دائم التكرار، يكفى أن يعرف أحدهم أن فلان من طنطا أو من محافظة أخرى حتى يقول إنها محافظات ليست على الخريطة. وأقصى ما يمكن الوصول إليه هو أن يصدر لك كتاب عن هيئة قصور الثقافة ليجد طريقه إلى المخازن ولا يسمع عنه أحد.

هناك مثلا من الأقصر كاتب مذهل أعتقد أنه ديستويفسكي مصر بل أحسن كاتب ظهر فى آخر عشرين عاما، وقد صدرت كل مجاميعة القصصية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة لكن رغم ذلك فقد حصلت على مجد أكثر منه، إنه الكاتب أشرف الخمايسي الذى حين قرأت رائعته “منافي الرب” لم أصدق نفسي، وقلت:”الكتاب دا جاله من الفضاء الخارجي”، فهو مظلوم لأنه ليس من القاهرة، مواهب مذهلة مثل ابراهيم عبد المجيد وحمدى أبو جليل لو ظلوا فى محافظاتهم لما عرفهم أحد، وأظن أن د.يوسف زيدان بدأ التوجه إلى القاهرة هو أيضا.

قدمت شبابا لم يحققوا نجاحا وكانت أعمالهم ضعيفة، لكن تقديمك أعطاهم دفعة للأمام وجذب لهم الانتباه، هل كانت مسألة مجاملات؟

أنا معجب بكتابة سالى عادل وكتابة ميشيل حنا وتامر إبراهيم لكن فيه كتب أخرى “كانت تدبيس” وكان هناك قدر من المجاملات، لذلك لم أقدم كتبا فى آخر خمس سنوات وأعتذر لكل من يطلب منى تقديم كتابه. خاصة وان الأذواق تتباين.

على جانب آخر هناك شباب أخذوا أجزاء من محاورات بيننا على الفيس بوك ووضعوها على أغلفة كتبهم وهى محاورات شخصية. فى أحد المرات مثلا أثناء مناقشة مع كاتب شاب كتبت له على في منتدى ثقافي أنه يعرف ما يقوله. بعد فترة نشر ذلك الشاب كتاب فيه أفكار أختلف معها جذريًا ووضع في بدايته هذه الكلمة،  وكتبت بعد ذلك أن ذلك رأى فى نقاش وليس رأى فى كتاب وأن ذلك لا يعطيه صك ان يقوله فى أى مكان.

 

«أرشيف» نقلا عن العدد الورقي رقم 749 الثلاثاء 28 أكتوبر 2014