تحقيق: سامح فايز   استكمالا لحالة الفصام بين دولتي الكتابة فى مصر والتى تحدثنا عنها فى التحقيق السابق عن «امبراطورية الكتابة الأعلى مبيعا». سيجد القارئ فى جولة سريعة على مكتبات

ارشيف

تحقيق: سامح فايز

 

استكمالا لحالة الفصام بين دولتي الكتابة فى مصر والتى تحدثنا عنها فى التحقيق السابق عن «امبراطورية الكتابة الأعلى مبيعا». سيجد القارئ فى جولة سريعة على مكتبات بيع الكتب، ركنين مختلفين، أحدهما يحمل كتب يغلب عليها نوعية أدب الرعب والكتابة التى تتحدث عن الجن والسحر ومصاصي الدماء، والذي عادة ما يكون الاقبال عليه شديدا، وركن آخر يضم كتابات الشباب الخارجين من المنظومة الثقافية الكلاسيكية. والتى عادة لا يقربها أحد.  جرب أن تنظر داخل المكتبات لتتأكد بنفسك من هذا التقسيم. لكن زيادة فى التأكيد قمنا بطرح سؤال على كتاب الدولة التى لا يعرفها النقاد تضمن استفسارا عن معرفتهم بأسماء كتاب شباب يمثلون دولة الثقافة الكلاسيكية أو الرسمية، وكانت الردود متوقعة حيث جاءت أغلبها بالنفي، وكان الرد فى معظمه، “آسف، لا أعرف هذه الأسماء”، وكانت نفس الاجابة التى دائما ما يجيب بها أصحاب الدولة الكلاسيكية حين يسألون عن كتاب الرعب، أيضا.

«الزومبي» و«الفامبير»، و«المذءوب»، شخصيات روائية سيطرت على عالم الرواية فى جيل الشباب خاصة بعد ثورة يناير 2011.

سلاسل كتب الجيب، «ما وراء الطبيعة»، و«فانتازيا» التى ظل الشباب يعيشون فى ظلها لسنوات طويلة أفرزت جيل حين أراد أن يكتب لم يجد سوى هذه العوالم التى أسس لها أحمد خالد توفيق فى العدد الأول من سلسلة «ما وراء الطبيعة» التى صدرت عن «المؤسسة العربية الحديثة» عام 1993، تحت عنوان «مصاص الدماء وأسطورة الرجل الذئب» والتى كان بطلها رفعت إسماعيل.

كاتب الرعب عمرو المنوفي، ولد فى العام  1980، وتخرج في كلية التجارة، وفي محاولة لفهم سر الاقبال على هذا النوع من الكتابة يري المنوفي أن الرعب يلعب على وتر الخوف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة باستخدام تيمات مختلفة، مثل الخوف من المجهول والجن والأشباح، والموتى الأحياء، فطبقا لرؤية المنوفي فإن كاتب الرعب يقهر مخاوفه على الورق، وهكذا القارئ أيضا، ربما كان ذلك ترجمة لتطور أدب الرعب بعد الثورة، نفس المسألة  تم رصدها في الثلاثينات في أمريكا بعد فترة الكساد الكبير حيث أقبل الناس على الروايات الخيالة التي تصف الابطال الخارقين والاحداث الخيالية المروعة. استكمالا لهذه الرؤية يقول المنوفي: “إن الشعوب تبحث عن الخطر المقنن، الذي يمكن إنهائه بغلق الكتاب أو الخروج من السينما،  حيث يهربون من واقع مخيف غير متحكم فيه لواقع خيالي تم السيطرة عليه”.

ازدهار أدب الرعب بهذه الكثافة بعد الثورة يؤكد أن الكتاب والقراء يهربون لواقع أكثر ألما يخفف وطأة ما يرونه حقيقة أمامهم كل يوم.

لكن مع ذلك فإن كتابة الرعب وجدت طريقها بين الشباب قبل ثورة يناير، مثل الكاتبة الشابة سالى عادل والتى بدأت النشر على مواقع الانترنت عام 2009 .

سالى عادل وفي محاولة لتفسير إزدهار أدب الرعب تقول:”كوننا جيلاً تربى على إصدارات أحمد خالد توفيق، ونبيل فاروق، يجعل من غير المستغرب انتشار الرعب والمغامرة والفانتازيا في كتاباتنا، وكوننا جيل الثورة كذلك، الذي تمكن من كسر حاجز الخوف بداخله وأبهر نفسه والعالم كله، يجعل من غير المستبعد كذلك كتابة الأدب الذي يعالج المخاوف من أجل مواجهتها وليس تزكيته”سالى عادل، قال عنها أحمد خالد توفيق إنها: “خليفة سلسلة ما وراء الطبيعة”. وتبرر كتابتها للرعب فتقول:” أدب الرعب هو المجال الذي يشبع مساحات الكتابة لدي: مثل مساحة التجديد حين تتناول فكرة توقن أنه لم يستخدمها أحد قبلك كأن تنفذ حرفيًا وصية الأمهات المأثورة ليلة الزفاف “اذبح لها القطة”، أو ما قد يحدث حين تنام على شريط القطار من أجل أن تتحقق لك الخضّة التي تسمح بالخلفة حسب الموروثات الريفية، أو غيرها. ومساحة العمق حين تتمعن في النظر إلى الداخل الشخصية لدرجة أن تكتشف ما يرعبك. ومساحات لا نهائية من الخيال والواقع وكلاهما لا ينفصل عن الآخر”.

أيضا ممن ظهرو قبل الثورة ومثلوا رافدا مهما فى كتابة الرعب، الكاتب حسن الجندي والذي أجمع كل كتاب الرعب أنه أول الشباب الذين وضعوا حيثية لكتابة الرعب فى مصر، فى وقت كان يتعجب الناس حين يطلب أحدهم وضع كلمة أدب رعب على غلاف الرواية، لكن حسن إلى جانب ذلك فهو صاحب نظرية فى كتابة أدب الرعب، فيقول الجندى فى إحدى تدويناته على صفحته الشخصية فيس بوك عن أدب الرعب:” استيراد أدب الرعب بالذات لا يصلح، يمكنك أن تستورد أدب الخيال العلمي أو المغامرة، لكن في أدب الرعب ستفشل مع مرور الوقت، لأن الوعي الجمعي العربي يرفض تلك الأنواع، تخيل معي مصاص دماء يعيش في امبابة واسمه (تامر الشحات)، أو لنتخيل معاً سائق الميكروباص (حمامة أبو شتية) يتحول لمذؤوب فجرا، تخيل أن يحاول هذا المذؤوب عبور شارع جامعة الدول العربية ؟؟، أو لنتخيل معاً الساحرة (أم أسماء الشرنوبي) تمارس سحر الفودو في أول فيصل، لتحيي به جثة (عبد العاطي المكوجي) فيسير هائماً ليخيف المصريين. عقلياً يرفض الوعي العربي تلك الأشياء، ولو تقبلها لسنوات فسيثور عليها لأنها طبيعة. العقل العربي يميل لتراثه الثقافي مثلما العقل الغربي يميل لتراثه الثقافي، لذا على الكاتب أن يحترم العقلية العربية ويقدم الرعب مناسباً للبيئة”.

الكاتبة منال عبد الحميد  من مواليد محافظة سوهاج  فى العام 1981 والمقيمة فى نفس المحافظة تقول:” أكره تصنيف الكاتب وحصره في زاوية معينة .. ولا أحب أن يصفني أحد بكاتبة رعب أو خلافه .. لذلك أكتب كل الأنواع والأجناس الأدبية وأحب أن يدعوني الناس ( كاتبة ) فحسب “. منال حاصلة على ليسانس آداب قسم التاريخ وتعمل مدرسة بالتربية والتعليم ..بداياتها الأدبية كانت كلها من نوعية الأدب الاجتماعي أو التاريخي، وظلت لسنوات تكتب روايتها الأولى والتى  تجاوزت عدد صفحاتها الألف وحملت اسم «رومن»، وعن طريق منتديات تخصصت فى أدب الرعب وجدت الكاتبة طريقها إلى هذا النوع من الكتابة، وترجمت منال سبب اللجوء إلى كتابة الرعب قائلة:” أغلب من يكتبون أدب الرعب بحسب معرفتي بهم شديدو الخجل والمرح وبعيدين تماما عن أية ظروف مرعبة أو مثيرة للهلع .. لذلك أراه نوعا من التعبير عما نفتقده في حياتنا مثله مثل قيادة السيارة بأقصى سرعة للاستمتاع بالخطر ليس إلا”.

فى جنوب مصر يوجد أيضا الكاتب الشاب ياسين أحمد سعيد، والذى يتكبد عناء السفر 14 ساعة تقريبا كى يحضر إلى القاهرة ليوقع كتابه ثم يعود مباشرة بعد الانتهاء، فقط يستمتع بتوقيع كتبه، وحين تسأل ياسين كيف وجدت السبيل إلى أدب الرعب يقول:” من شبه المستحيل أن تسأل كاتب عربى؛ (على يد من تشربت عشق أدب الرعب)، ويجيبك باسم خلاف الدكتور أحمد خالد توفيق”.

ياسين يرفض القول أن كتابة الرعب نوع من الهروب، مؤكدا أن المسألة بالنسبه له العكس تمامًا، فيقول:” أعتبر أدب الرعب والفانتازيا نوع خاص من أنواع المواجهة”.

ياسين كان عندما يواجه مشكلة فى حياته يصيغها فى صورة مجردة فانتازية، ثم يترك رمزية المشكلة هى التي تحركه نحو الحلول عبر موج أحداث القصة. ويقول مؤكدا على ذلك: “طوال حياتى استعمل هذه الطريقة، وكم ساعدتنى فى أن أتخطى أزمات عديدة، أو على أقل الفروض، ساعدتنى فى أن اكتشف آراء ومواقف كنت أخبئها عن نفسى، خوفًا من مواجهتها بها”.

ياسين كان يملك سببا آخر لكتابة الرعب، هو انتمائه لقرية في أقصى جنوب الجنوب (أسوان)، حيث يتجسد انعدام تكافؤ الفرص، فيقول عن ذلك:”أردت أن أختار حلبة تمنح فرص عادلة ومتساوية للجميع، فلم أجد أفضل من ميدان الخيال”.

حسين السيد حسين مواليد محافظة القاهرة فى العام 1981، درس فى كلية الطب جامعة عين شمس وصدرت له رواية «الجثة الخامسة» عن دار نون، وتدور أحداثها داخل المشرحة، والتى تواجدت فى قوائم «البيست سيلر» فور صدورها.  يترجم حسين القفزة التى حدثت فى مبيعات أدب الرعب وكتابته قائلا:”في كلام قديم أن الاحساس المبهم بالخوف من المستقبل اللى اترسب في العقول بعد الثورة سبب من الاسباب, الناس خايفة والكلام عن الاشياء الغامضة المخيفة بيناسب هواها”.

حسين يملك ترجمة أخرى عن سر كتابته للرعب، فيقول:”أنا بعشق الرعب .. شايف مكان اقدر اتحرر فيه من أى قيود سواء منطقية أو غير”.

جميع ما سبق يدور فى فلك مواجهة الخوف على صفحات الورق، كيف تتمكن من تحريك مشاعر الهلع داخل نفسية القارئ، وربما ترجم حجم المبيعات الكبير أن القارئ أيضا يهرب إلى واقع أكثر غرابة من الواقع الذى عاشه بعد ثورة يناير 2011، لكن ما حدث مع الكاتب الشاب محمد عصمت بن محافظة دمياط قلب موازين الظاهرة، حيث صدر للكاتب منذ بضعة أشهر رواية رعب كوميدى بعنوان «التعويذة الخاطئة»، استخدم فيها شخصيات الزومبي والفامبير والرجل الذئب والجني فى حبك رواية كوميدية، وفى ثلاثة أشهر فقط نفذ من الرواية 9 آلاف نسخة، محققة رقما لم يتوقعه أحد، لكاتب دخل عالم الكتابة منذ عام تقريبا،  وككل هذا الجيل يقول عصمت:” أحمد خالد توفيق، ونبيل فاروق أعتقد إنهم أكتر إتنين  قرأت لهم و بحبهم في حياتي”.

ولو دققنا النظر أكثر فى تاريخ ظهور محمد عصمت (2012) سنكتشف أننا أمام جيل جديد طبقا لنظرية المجايلة، والذى تسلم الراية من جيل 2000، كل ذلك ولم ينتبه لهم أحد بعد، وربما تعثر النقاد فى نطق أسمائهم.

وفى ظل حالة الفصام حيث نتحدث عن دولتين للكتابة لا يعرف بعضهم بعضا، يظهر أيضا إلى جانب أن هناك جيل ثاني ظهر فى غفلة من النقاد حقيقة أكثر دهشة، أن هناك من يكتبون الرعب وقد تتلمذوا على يد هذا الجيل الأول، مثل حسن الجندي مثلا.

محمود خواجة طالب فى الصف الثاني الاعداد من محافظة دمنهور، والذى صدرت له رواية منشورة اليكترونيا، وفى انتظار روايته الورقية الأولى قريبا، يقول عن بودار دخوله عالم الكتابة:”قبل ان أكتب قرأت رواية أسمها “نصف ميت” للعظيم “حسن الجندى”، مروراً بـ “الجزار و مخطوطة بن إسحاق و صانع الظلام و الجُثة الخامسة، وكذلك آبى الروحى “أحمد خالد توفيق” الذى أريد أن أحادثه ولو لمرة واحدة فى عمرى، أريد أن أشكره على سلسلة “ما وراء الطبيعة” التى كانت هى شجرة عشقى لأدب الرعب”.

محمد البعلى مدير صفصافة للثقافة والنشر تحدث عن أدب الرعب ومدى قابلية موافقته على نشر هذه النوعية من الكتابة قائلا: إنه لا يمكن الحكم على تيار بأكمله في الكتابة بانه أدب أو لا؛ حيث يجب تقييم كل عمل على حده وتقدير مستواه الفني واللغوي ومدى أصالة الخيال.

البعلي يرى أن انتشار الروايات الخفيفة، مثل روايات الرعب والجريمة، وظهور كتب تتحدث عن العفاريت والأشباح في قمة قوائم المبيعات يشير إلى وجهة اخرى؛ وهي أن نسبة لا بأس بها من القراء تعتبر الكتب محاولة للهروب من الواقع إلى عالم خيالي منبت الصلة بمشاكل العالم وقضاياه الملحة، وبالتالي فإن هذه الكتب تعد تعبيرا عن رغبة عدد كبير من القراء في “عدم اتخاذ” موقف من العالم والتعامل مع القراءة على أنها مشروع قصير الأجل للتسلية والانفصال عن الواقع.

وأكد البعلى فى نهاية حديثه أن صفصافة لا تنشر هذا النوع من الاعمال لاعتقادها انه يساعد على تغييب القرّاء. موضحا أن هدف دور النشر التقدمية هو المساهمة في تنوير العقول وليس تغييبها.

الروائي محمود الغيطاني يرى أن الرعب لون من ألوان الكتابة، لكن لا يمكن أن نقول عليه أدبا؛ فالأدب حسب رؤية الغيطاني  له مواصفات تختلف عن هذا اللون التغييبي الذي لا يهتم سوى بالجن والعفاريت والأرواح، وما هو غير ذلك من الضلالات والخيالات التي يفكرون فيها، وهو يرى  أن هذا الجيل من الكتاب لا علاقة لهم بالثقافة، بل لعلهم لم يقرأوا من قبل لأحد سوى نبيل فاروق، وأحمد خالد توفيق، وغيرها من الكتابات التي لا يمكن أن تقدم ثقافة بقدر ما تقدم لهم لون من ألوان قضاء وقت الفراغ، وتضييع الملل الذي يعيش فيه قراء هذه الأعمال.

الغيطاني أحد أبناء الدولة التى يعترف بها النقاد  يرى أنه حينما فكر هؤلاء الكتاب في الكتابة لم يجدوا نمطا يكتبون فيه، ولم يروا مثلا أعلى لهم سوى هذه الكتابات التافهة التي لا معنى لها، والتي لا يمكن أن تقدم لنا من وجهة نظره أي لون أو شكل من أشكال الثقافة، فرأينا عمرو المنوفي، وتلاميذه، وأحمد مراد، وغيرهم ممن يهيمون في خيالاتهم، وأضغاث أحلامهم، وربما هلاوسهم، فكتبوا لنا قصص عن الجن، والأحلام والشعوذة التي تصلح للتسلية وإزجاء الوقت فقط، وربما بسبب التدني الثقافي وضحالته التي نلاحظها في الآونة الأخيرة، ونتيجة لحالة الفراغ الحقيقي التي يعيشها الجميع بعد فشل ثورة يناير في تحقيق ما يصبو إليه والنكوص بالمجتمع المصري بكامله مرة أخرى إلى ما هو أسوأ لعهد مبارك راجت مثل هذه الأعمال في تلك الفترة.

فى نفس الآن يؤكد الغيطاني  أن النقد ليس رافضا لهذا اللون من الكتابة الموجود أساسا في العالم كله، بل في السينما أيضا، ولكن النقد يرفض أن تُقارن مثل هذه الكتابات بالأعمال الأدبية الجادة والحقيقية التي تقدم فنا وثقافة؛ لأن هذه الأعمال من وجهة نظر الغيطاني لا تقدم سوى قنبلة فراغية لا مضمون لها، مستدلا على ذلك أنها تنسى بمجرد الانتهاء منها، وكأنها مناديل ورق من السهل إلقائها في سلة المهملات بعد استعمالها.

ويسترسل الغيطاني قائلا: “أما عما يسمونه تكنيكا فهم كاذبون ومدلسون، ومزيفون للحقائق ويحاولون أن يكونوا اتجاها ما من الفراغ؛ لأن هذه الكتابة تعتمد في المقام الأول على السينما الأمريكية وتكنيكاتها، وفي أحيان أخرى ترى هذه الكتابات هي صور مستنسخة من أفلام أمريكية بالمشهد؛ ولذلك فهم لا يمتلكون أي قدر من اللغة، فتلاحظ أن لغتهم متهافتة متناقضة، سطحية لا معنى لها، حتى أنهم أحيانا يوظفون المترادفات في غير مكانها اللغوي الصحيح، بل ويستخدمون أحيانا ألفاظا معجمية في غير مكانها مما يثير عاصفة من الضحك… لا تُطالي في النهاية من لا يمتلك شيئا يقدمه أن يقدم لك شيئا؛ فالبالون المتضخم لا يحتوي داخله سوى الهواء الذي لن يفيدك في شيء”.

 

 

«أرشيف» نقلا عن العدد الورقي رقم 748 الثلاثاء 21 أكتوبر 2014