حوار: سامح فايز   في حيثيات منح رواية «شوق الدرويش» جائزة نجيب محفوظ للأدب للكاتب السوداني حمور زيادة قالت الدكتورة شيرين أبو النجا : “تنبع أهمية رواية شوق الدرويش

حمور زيادة

 

حوار: سامح فايز

 

في حيثيات منح رواية «شوق الدرويش» جائزة نجيب محفوظ للأدب للكاتب السوداني حمور زيادة قالت الدكتورة شيرين أبو النجا : “تنبع أهمية رواية شوق الدرويش من كونها تكشف تشابك علاقات القوى على المستويين الإقليمي والمحلي منذ اندلاع الثورة المهدية «1881» وحتى سقوط الخرطوم «1885». وبالرغم من أن السردية ترتكز على التاريخي إلا أنها تنجح فى تخييل عالم روائي كامل، يموج بشخصيات تكاد تقترب من كونها نماذج فى العشق والفساد والتواطؤ والجشع.«شوق الدرويش» ليست مجرد رواية عن الثورة المهدية كما يتصور البعض، بل هى الرواية المهمشة والمعتمه عن مسار ومصير الثورة المهدية. تقوض «شوق الدرويش» الرواية الرئيسية عن الثورة المهدية عبر تصوير الحدث من خلال العبد بخيت منديل، الذي يقع في حب ثيودورا ذات الأصل اليوناني. تعيد قصة الحب بين العبد واليونانية التي كانت على وشك أن تكون راهبة التوازن النفسي إلى جو مشحون بالتعصب الديني والخلط المقيت بين الدين والسياسة، ذلك الخلط الذي يدير صراعنا الراهن فى العالم العربي. تشكل قصة الحب المحرك الأساسي للسرد التاريخي، وتجيب بعد 48 عاما على مصطفى سعيد فى «موسم الهجرة إلى الشمال» التي كتبها الطيب صالح، الأب الروحي للأدب السوداني. الحب لا يقتل، ولا يفرق، الحب يزيد من ثراء الهوية فى حين أن الجشع للسلطة هو ما يشرذمها”.

حمور زيادة الذى أعلنت الجامعة الأمريكية منحة جائزة نجيب محفوظ للأدب يوم الخميس الماضي 11 ديسمبر 2014 ولد بمدينة أم درمان فى السودان عام 1977، درس تقنية المعلومات وعلم الكمبيوتر وتخرج عام 2002، ثم عمل باحثا فى مجال المجتمع المدني وحقوق الانسان، ثم عمل في الصحافة السودانية.

انتقل للقاهرة فى نوفمبر عام 2009 بعد أن نشر مجموعته القصصة الأولى فى دار الأحمدي قبل ذلك بعام وكانت بعنوان «سيرة أم درمانية»، ورغم أنها كانت العمل الأول إلا أنها أكدت أن هناك حكاء آخر قادم من بلاد السودان ليؤكد أن الطيب صالح ليس طفرة، وأن الحكي الساحر قدر هذه البلاد.

فى العام 2010 صدر لـ زيادة رواية «الكونج» عن دار ميريت، ورغم أن الثورة المصرية أخذتنا جميعا فى عالم آخر، بعد صدور العمل بشهور، إلا أنه أحدث دويا فى الاوساط النقدية وبين القراء، ربما أقل من الذى تستحقه الرواية، لكنه أكد الحدث السابق، أننا أمام حكاء يملك أدواته. ثم غاب عنا الكاتب ثلاثة سنوات ليعود إلينا بمجموعة قصصية صدرت عن دار ميريت فى العام 2014 بعنوان «النوم عند قدمي جبل»، وفى نفس الشهر تقريبا صدرت له رواية «شوق الدرويش» عن دار العين، لتتوجه الأنظار بقوة تجاة ذلك القادم من البلاد التى أطلق عليها اليونان اسم أثيوبيا، وتعني «الرجال ذو الوجوه المحترقة»، وذلك لسواد لونهم. ثم أتى بعدهم العرب ليسموها بلاد السودان.

فى الجامعة الأمريكية جلست أترقب كلمة زيادة أمام الحضور، قام فى هدوء معتاد وتلمس طريقه إلى المنصة وأمسك بورقة فى يده حملت كلمته للحفل وقال عن بلاده:” في تلك البلاد نقدس الحكي. فبلادنا ترتمي بين غابة وصحراء. تثقلها جبال ويرطبها نيل. لا يحدث فيها شئ ويحدث فيها كل شئ. يتغير وجهها ولا تتغير. يأتيها اليونان والفرس، العرب والترك، والرحالة الفرنجة والجيوش من خلفهم. تخنقها عواصف الصحراء، ويبطش بها فيضان النيل. تبني أهرامات ومعابد، كنائس ومساجد. ثم يجتمع أهلها ليقصوا القصص ويرووا الحكايات. لولا الحاكيات لكنا أكثر عزلة وأشد وحشة”.

وحين بحثت عن كتابه مختلفة عن الحكاء القادم من بلاد الرجال ذو الوجوه المحترقة، وجدت أن الحكاية عنه هى الملاذ.

قابلت حمور زيادة للمرة الأولى فى يناير من العام 2010 فى مكتبة بدرخان الموجودة بفيلا المخرج الكبير على بدرخان فى شارع الهرم . كان ملتقي لمناقشة رواية «الخروج» للكاتب أحمد صبري أبو الفتوح، والتى كانت الجزء الأول من ملحمة خمسة أجزاء تحكي سيرة عائلته بعنوان «ملحمة السراسوة». فى تلك الليلة وقف زيادة يفند فى الرواية بشكل شد انتباه الجميع، وفى تلك الليلة أيضا قال صاحب الملحمة: إن قراءة حمور زيادة للرواية كانت الأفضل.

خرجت من ذلك الملتقي بصداقات ثلاث، أحمد شوقي علي الروائي والصحفي فى جريدة الأهرام، والكاتب الصحفي حسام محفوظ، والقاص أحمد سعيد الحاصل على ساويرس فى القصة القصيرة فى دورتها الأخيرة، لكننى فشلت فى صداقة حمور فى نفس الآن. عرفت بعد ذلك، أنه دائما يخشى الضيوف الجدد.

على مدار عام كامل كان يجمعنا المقهى فى منطقة البورصة فى محيط ميدان التحرير، وحين يتحدث زيادة ننصت جميعا، لأنه عودنا دوما ألا يقول شيئا عفويا، فكل كلمة لها مدلولها، وسببها، ويعرف متى يقولها، وأين يحط ركابها. لكنه إلى جانب ذلك كان عصيا جدا فى استقبال أصدقاء جدد، وكان من الصعب أن يضفي ثقته على أحد بسهولة، لذلك ظللت أجالسه على مدار عام كامل وسط الأصدقاء دون أن يجمعنا نقاش.

يقول حمور عن بلاده إن  المكتبات كانت موجودة فى السودان حتى من قبل إستقلالها فى 1956. مكتبة فى كل شارع، ثم مكتبة مركزية فى كل حى. حصص مكتبة فى المدارس، مكتبة ضخمة فى كل مدرسة تستطيع أن تدخلها ما بين الحصص لتقرأ.

ويستكمل حديثه أنه كان  هناك أساتذة يهتمون بالإطلاع، فيكلفون الطلاب بتحرير صحف حائطية فى المدرسة فيتنافسون عليها. يحرضونهم على كتابة بحوث من الكتب فى مكتبة المدرسة، لكنه يضيف قائلا: “كل هذا إنتهى مع وصول الحركة الإسلامية للحكم فى السودان”.

وفي هذا الوسط المتخم بحب المعرفة بدأ حمور الرحلة،  وكانت البدايات قديمة، فكانت مرتبطة بالرسم فى البداية. فيحكي حمور زيادة عنها قائلا: “بدأ الأمر معى فى المدرسة الإبتدائية عندما كنت أكتب وأرسم مجلات كومكس. ثم انتقلت الى محاولة كتابة الألغاز القصيرة تماشيا مع سلاسل المغامرون الخمسة ورجل المستحيل، ثم توقفت فتره إلى أن انتقلت إلى كتابة القصة شيئا فشيئا”.

بدأ زيادة  محاولة الكتابة الإحترافيه فى 1998، وهو فى الواحدة والعشرين من عمره، كان يكتب ويتوقف، ذلك أن الحركة الثقافية فى السودان لم تكن نشطة فى تلك الفترة، المسألة التي جعلته يتردد فى موضوع النشر. فلم يكن يعرف هل ينشر داخل السودان أم خارجه، ليستقر الرأى على أن النشر داخل السودان فيه مشاكل كبيرة، فلجأ للنشر فى مصر، وكانت البداية مع «سيرة أم درمانية».

يسترجع زيادة ذكريات ما قبل رحيله عن السودان قائلا: ” لسبب لا أعلمه، اعتبر بعض الناس من المنتمين للنظام الإسلامى فى السودان أننى شخص مزعج، رغم أننى لم أقم بذلك التأثير. لكن فى النهاية الإسلاميين فى السودان لا يقبلون بأى صوت حتى لو كان خافت لا يغنى على ليلاهم”.

زيادة يعرف أن هناك عداوة بين النظم الإسلامية والمعرفة المفتوحة. ويفسر ذلك أن النظم الإسلامية تريد معرفة محددة. هو يري أن دور الحركات الإسلامية أن يتكلموا عن الحلال والحرام، ودور غيرهم أن يتحدثوا عن العلوم ويعملوا فيها. لكنه يضع يده على المشكلة فيؤكد أن أبناء الحركات الإسلامية يعتبرون أنفسهم قيمين على بقية أنواع المعرفة سواء الأدب أو العلوم الطبيعية.

حمور يلفت الانتباه إلى أن مشكلة الجماعات الاسلامية أنهم يحاربون بقية العلوم والأداب بناء على نظرتهم الدينية. فيقول إنه لا اعتراض أن يعتبر الشيخ أن الفن فيه أشياء حرام فهذه رؤيته. لكن الكارثه حين يقود تيار كبير لمحاربة الفن.

يرى زيادة أن التيار الإسلامى لا يزدرى الأدب مطلقا هكذا. هو يزدرى الأدب الموجود. لافتا إلى أن التيار الاسلامي فى مصر يتحدث عن أدب له قيمة أخلاقية، ويضربون المثال بأدب مصطفى صادق الرافعى، أو بنقد سيد قطب، لكنه يضيف أنهم  بذلك يخرجون الكتابات الأدبية لقيمتها الأخلاقية. ويقيسونه بمقياس الأخلاق.

نفس المشكلة يؤكد حمور أنها فى السودان، حيث يحتفون بالكتابة الجهادية أو ما أسموه بالأدب الرسالى، الأدب الذى يمتدح القيم. عنده رسالة أخلاقية مباشرة بغض النظر عن قيمته الأدبية. لهذا اعتبروا كتابات الطيب صالح كتابات إباحية ومنعوها، فقد كانت كتابات الطيب صالح حتى عام 2005  ممنوعه فى السودان. وحتى بعد أن أفرج عنها النظام بشكل براجماتى لأنه يحتاج أن يسوق نفسه عالميا مع مشروع الخرطوم عاصمة الثقافة، فاضطروا عبر وساطات شخصية أن يحتفوا بالطيب صالح ويستقبلوه فى الخرطوم عبر صالة كبار الزوار، إلا أنهم ظلو على إحتقارهم لأدبه.

يحكي حمور مشكلة شخصية حدثت معه فى السودان خاصة بالأدب حين كتب قصة قصيرة عن مشكلة إغتصاب الأطفال، حينها تم توجيه تهمة إثارة الغرائز الجنسية والكتابة الإباحية. وقيل له فى أثناء التحقيقات أنهم لا يريدونه أن يكون مثل الطيب صالح، لأن الطيب صالح من وجهة نظرهم، كاتب إباحى، احتفى بكتاباته اليهود كى يهدموا القيم الإسلامية. فهذه هى نظرة الحركات الإسلامية للأدب، أنه أدب ينقسم إلى أدب إباحى وأدب أخلاقى، وهذه مشكلة، لأن المختصين بالأدب لا ينظرون إليه بهذا الشكل، فالقيمة الأدبية مختلفة عن الرسالة التى يظنها أهل الحركات الإسلامية فى الأدب. ويوجه زيادة كلمة إليهم قائلا: “أعتقد أنه يمكن أن نقول لهم بكل صراحة، أنتم لا تفهمون الأدب، ولا تحسنون قراءته، فلا تحكمون عليه .

حمور زيادة بعد أن خرج من السودان  لم يلبث كثيرا فى مصر حتى قامت الثورة فى يناير 2011، ليجد الحركات الاسلامية تتصدر المشهد هنا أيضا، لكنه لم ييأس، وقرر أن يشارك فى التظاهرات ضدهم، لأجده فى الصفوف الأولى دائما، يدافع عن هذا البلد من جراد قادم على الأخضر واليابس، محاولا الزود عن الأرض التى استقبلته، من خطر أناس دمرت أرضا من قبل طردته، وربما كان دفاعه عن الأرض الجديدة هو محاولة منه للدفاع عن بلاده السودان، التى لم تغب عنه يوما، والتى كانت حاضرة فى كل حديثه، حتى بعد أن أهدر أهلها دمه.

دائما ما يؤكد حمور على خصوصيته وتفرد تجربته، مؤكدا فى البداية أن أى كاتب يتأثر بمن سبقوة. كما تأثر هو بالطيب صالح وبغيره من الكتاب. ذلك أن الكاتب لا يبدأ كتابة الأدب من الصفر، فلابد أن يتأثر بمن سبقوه، بل ويهضمهم داخله، ليستطيع أن يخرج شئ جديد. لكنه يلفت الانتباه أن هذا لا يعنى أن يكتب أحدهم داخل عباءة أحد. فعلى صعيد الأدب السوداني يقول حمور إن الطيب صالح كمثال يمثل تحديا متفاوتا لكل الكتاب. فكل كاتب يريد أن لا يكون الطيب صالح، لأن هناك اتهاما عام للأدب السودانى أنهم جميعا أبناء الطيب صالح. فكلما ظهر كاتب تجد الناس يمدحونه أنه طيب صالح سودانى جديد. يقول حمور إن هذا يسبب مشكلة غالبا للكتاب الشباب، فيحاولون إثبات أنهم ليسوا الطيب صالح. وبعضهم يحاول أن يثبتها بشكل متعصب، فيقدح فى الطيب صالح ليثبت أنه لا يتأثر به، وبعضهم يتعامل مع الموضوع بقدرة. أن الطيب صالح من الرواد المهمين، ولابد أن نعترف بهم وبأستاذيتهم وأن نتعلم منهم . لكن هذا لا يعنى أن نستنسخ عنه تجربته.

حمور زيادة يسعي بكل جهد لإثبات ذلك التفرد، وتلك الخصوصية، فأذكر مثلا أنني ذهبت إلى دار ميريت فى شارع قصر النيل لأجد حمور زيادة وقد انزوى فى أحد أركان الدار وهو ممسك بمسودة مجموعته القصصية الأخيرة «النوم عند قدمي جبل» يعدل فيها ويضيف عليها حتى اللحظات الأخيرة قبل الدفع بها إلى المطبعة، فى ذلك اليوم أخذت أنظر إليه باهتمام وانا أرى انهماكه وانتباهه الشديد كأنه نسي من حوله، وحين انتهى اقتربت منه وأمسكت المسودة لأجد أنه فقط بدل كلمة، أو فصلة، أو عدل مكان علامة ترقيم.

ثم كانت درة أعمال حمور زيادة حين نشر رواية «شوق الدرويش»، والرواية تقع احداثها بين عامي 1881 و 1898، مع بداية ظهور دعوة المهدي ونهاية دولته بدخول الجيش المصري للسودان مرة ثانية.

يحكي حمور زيادة عن سبب اختياره لهذه الفترة حتى يكتب عنها روايته قائلا: إن هذه الفترة ثرية جداً في تاريخ السودان، بها كل ما يمكن أن يبحث عنه أي روائي. فهناك صعود لنجم رجل مغمور أعلن انه المهدي المبعوث من الله ليقيم دولة الاسلام. انتصر الرجل بقلة من الاتباع على أعظم قواد الامبراطورية البريطانية، وقضى على الجيش المصري المتبقي من أنصار عرابي باشا. بشّر انصاره بغزو مصر ومكة والشام وتركيا وبريطانيا. وأرسل الرسائل الدعوية والتحذيرية لكل هذه المناطق. مضيفا أن دولة المهدية أرسلت للملكة فكتوريا تدعوها للاسلام وتحذرها أن جند المهدي سيدخلون قصرها فاتحين. لافتا إلى أنه في هذه الفترة هناك أحداث عظام، إيمان لن ترى مثله في حقبة أخرى، انتصارات، وهزائم مرة. انكسار للحلم. شعارات العدالة ورفع الظلم التي تحولت إلى ظلم جديد.

الرواية التى لم تتردد دار النشر فى دفعها إلى المنافسة على الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، والتي حظيت بالاهتمام فور صدورها، ليكتب عنها النقاد أن رواية «شوق الدرويش» للكاتب السوداني حمور زيادة خلقت كي تحصد الجوائز.

وأعود إلى الكلمة التى ألقاها زيادة أثناء تسلمه جائزة الجامعة الأمريكية حين قال:” الأديب المصري يوسف إدريس قال لسيدي اليطب صالح “حين أقرأ إليك يا الطيب أحس بالونس”. الونس هو ما يكسر عزلتنا. تراث متراكم من الحكي، والمرويات والأساطير، والتاريخ الثقيل. نحكيه لأجل الونس. لنتجاوز الشعور بالوحدة.

إذ أقف أمامكم اليوم سيداتي وسادتي –  أزعم أن ذلك التراث هو ما لفت نظر لجنة تحكيم جائزة نجيب محفوظ للأدب. فما حاولت أن تقدمه رواية شوق الدرويش هو قبس من حكايات بلاد الرجال ذوي الوجوه المحترقة. حكايات عن معاناتهم، احلامهم، طموحاتهم، هزائمهم، تاريخهم، وأساطيرهم……” حاولت شوق الدرويش أن تكسر حاجز الوحدة. أن تقدم شيئا من الونس لقارئها. أن تلتقي بوجداننا السوداني المخضب بالأساطير مع وجدان الجماعة الانسانية”.

 

«أرشيف» نقلا عن العدد الورقي رقم 756 الثلاثاء 16 ديسمبر 2014