كياروستامى فى المشهد السينمائى الفرنسى ملف من إعداد وترجمة: صلاح هاشم   «إن كل الخيوط التى تتشكل منها سينما المخرج الإيرانى الكبير عباس كياروستامى – وهو مصور فوتوغرافى رائع أيضا

0007

كياروستامى فى المشهد السينمائى الفرنسى

ملف من إعداد وترجمة: صلاح هاشم

 

«إن كل الخيوط التى تتشكل منها سينما المخرج الإيرانى الكبير عباس كياروستامى – وهو مصور فوتوغرافى رائع أيضا – هى محصلة لذلك الجدل – «الديالكتيك» – بين «الاحترام» الموروث الذى يكنه كياروستامى للاضافات الغنية التى حققتها سينما «الواقعية الجديدة» فى إيطاليا ، وبين «التأمل» الفلسفى العميق فى طبيعة ومعنى الصورة السينمائية..»

ميشال سيمان

 

باريس: صلاح هاشم

تنظم سينما «إم كا دو» فى الحى السادس فى باريس حاليا تظاهرة سينمائية واحتفالية تكريمية تستمر لمدة شهر تعرض فيها مجموعة كبيرة من أبرز أفلام المخرج الإيرانى الكبيرعباس كياروستامى – من مواليد 1940 وتوفى يوم 4 يوليو فى باريس – الذى قال عنه المخرج والمفكر السينمائى الفرنسى الكبير جان لوك جودار.. «إن قصة الفيلم تبدأ من عند الأمريكى دافيد جريفيث وتنتهى عند الإيرانى عباس كياروستامي..» وتضم المجموعة فيلم «طعم الكرز» الذى حصل به على كياروستامى على جائزة «السعفة الذهبية» فى مهرجان «كان» 1997..

شاعرية الخطاب الصوفى

وكنت فكرت أن أكتب لـجريدة «القاهرة» عن لقاءاتى المتعددة مع كياروستامى فى المهرجانات السينمائية الفرنسية وأحاديثى معه،  فقد كنا تعارفناوتصادقنا، لكنى فضلت بعد ان كتبت كثيرا عنه وأفلامه، أن أكتب عن عباس كياروستامى فى المشهد السينمائى الفرنسي..

وفى عيون النقاد الفرنسيين الذين كتبوا عنه سواء أثناء حياته أو بعد وفاته، واجروا معه بعض الحوارات العميقة القيمة التى تكشف عن «لغز» هذا المخرج السينمائى الإيرانى الكبير، وأسرار تلك السينما التى كان يصنع، ليصبح بأفلامه – وهى أشبه ما تكون بتطريز ثوب من الدانتيلا والقطيفة بسحر الضوء كما فى لوحات رامبرانت – «أيقونة» من ايقونات فن «الاخراج السينمائي» فى عصرنا..

فلم يكن كياروستامى فى اعتقادى مجرد مخرج، وإنما كان كما بدا لى من خلال تنلك اللقاءات التى جمعتنى به ، وتعرفت فيها أيضا – بعد أن عشقت أفلامه – على إنسانيته الجمة..

كان شاعرا صوفيا «معاصرا.. سواء فى أفلامه  أو فى دواوينه الشعرية، أو صوره الفوتوغرافية، أو «المثل» التى كان يطمح الى تحقيقها – مثل كل الزاهدين الواصلين من «أهل الطريق» – فى حياته الشخصية..

ولذا كتبت عن بعض أفلامه مثل فيلم «عبر أشجار الزيتون» فى كتاب «شاعرية الخطاب الصوفى فى السينما المعاصرة» وكتبت فيه عن أفلامه التى عشقتها، وفضلت أن أنقل هنا فقط بعض ما كتب عنه بعد وفاته..

وأن أترجم ذلك الحوارالعميق الطويل القيم الذى أجراه معه الناقد ميشال سيمان – الذى يعتبر «شيخ النقاد السينمائيين الفرنسيين» ورئيس تحرير مجلة «بوزيتيف» السينمائية الفرنسية الشهيرة حاليا – ويحكى فيه كياروستامى عن مسيرته السينمائية الكبيرة..

وآمل فقط أن تتحقق لقراء «القاهرة» بعض من تلك المتعة الصوفية الطيبة التى استشعرتها دوما فى أفلام كياروستامى البديعة التى تتسامق ببساطتنا وإنسانيتنا مثل كل قصائد الشعر العظيمة لطاغور ووالت ويتمان وجاك بريفير..

 

>>>>>

 

صورة كياروستامى فى المشهد السينمائى الفرنسى

لا يمكن صنع أفلام تتواصل مع كل البشر

أفضل لقطة عندى دائما هى أول لقطة

تأثرت جدا فى شبابى بأفلام الواقعية الجديدة الإيطالية

الناس أحيانا يريدون أن يستعبدهم الديكتاتور

حوار مع عباس كياروستامى

 

 

إن كل الخيوط المتشابكة وبكل تعقيداتها التى تتشكل منها سينما المخرج الإيرانى الراحل عباس كياروستامى – وهو مصور فوتوغرافى رائع أيضا – هى نتيجة لذلك الجدل – «الديالكتيك» – بين «الاحترام» الموروث الذى يكنه كيرستامى للإضافات الغنية التى حققها مذهب سينما «الواقعية الجديدة» العظيمة التى ظهرت بعد الحرب العالمية الثانى فى إيطاليا، وبين «التأمل» الفلسفى العميق، فى طبيعة ومعنى الصورة السينمائية..

إن اهتمام كيرستامى أيضا بالتكنولوجيا الجديدة والكاميرات الصغيرة الدقيقة كما يظهر فى فيلمه «عشرة. 2002» تجعل منه أحد أهم الفنانين السينمائيين المبدعين المثيرين فى عصرنا..

ميشال سيمان

لوكارنو.. أغسطس 1990

حوار مع عباس كياروستامى

  • بدأت حياتك بدراسة الفنون الجميلة، حدثنى عن بداياتك وتكوينك؟

– بدأت أرسم أولا، ثم اخرجت عدة افلام قصيرة دعائية، ثم انجزت بالرسوم المتحركة عناوين بعض الأفلام الروائية الطويلة فى فترة الستينات، وكان ابى يعمل دهانا – مبيض حيطان – ولم أجد أثرا لأية ثقافة أو اهتمام بالثقافة لدى أسرتي، كما انى لا أتذكر أى حياة ثقافية من أى نوع فى الأسرة، كان يمكن أن تكون باعثا لى على دراسة الفنون الجميلة أو العمل فى السينما..

فى صغرى تعودت أنا وأصدقائى أن نذهب معا الى المسرح، ولا أجد سببا محددا لكونى اصبحت مخرجا، لأن اصدقائى فى تلك الفترة صاروا هم أيضا وبلا سبب مهندسين ومحامين وأطباء. كل ما أتذكره هو انى تأثرت جدا فى شبابى بأفلام « الواقعية الجديدة» الإيطالية..

  • لابد أن يكون هناك سبب فى رأيى دفعك الى ولوج عالم الإخراج، والعمل فى السينما؟

– لابد أن يكون السبب هو عملى فى بداية حياتى العملية بفن الجرافيك. اشتغلت رسام جرافيك فى وكالات الدعاية والاعلان ومصورا لكتب الأطفال، ثم اقترح علىّ أحدهم أن أخرج فيلما للأطفال، لأنى على صلة بعالمهم وعالم الصور أيضا، وكان أول فيلم اخرجته للأطفال يحكى عن طفل ذهب ليشترى الخبز ثم عاد الى بيته فوجد كلبا يقف ويسد عليه الباب. يخاف الطفل من الكلب وينتظر أن ينجده أحدهم ويخرجه من ورطة الكلب. لكن لا يصل أحد. يمر الطفل الصغير هكذا وحده بتجربة مواجهة «الخطر» لأول مرة فى حياته. يعبر الطفل من أمام الكلب ولا يحدث شيء. عندما يكون الطفل فى البيت يحاول الكلب الذى يسير خلفه الدخول أيضا، فتغلق أخت الطفل الصغير الباب فى وجهه. يستلقى الكلب على عتبة البيت وينظر الى أول الحارة ويرى طفلا صغيرا جديدا قادما ويسير فى اتجاه الكلب..

وأتذكر ان فيلمى الأول هذا شهد أول حديث لى مع مدير تصوير سينمائى فقد كنت أريد أن يصور الطفل والكلب فى لقطة واحدة، ولما كان من الصعب تصوير اللقطة بهذا الشكل اقترح على استخدام لقطة INSERTS داخل اللقطة ولم أكن أعرف ماذا يعنى هذا المصطلح التقنى، فرفضت وفضلت الانتظار..

بعدها بأربعين يوما نجحنا فى جمع الطفل والكلب فى لقطة واحدة، وفى أن ينظر الكلب الى الجهة التى أريد. والآن فقط أدرك بعد اشتغالى بالسينما أن مدير التصوير كان أيضا على حق، حيث يمكنك أيضا أثناء عملية المونتاج الحصول على ما تريد، لأن السينما أيضا هى فن المونتاج.. لكنى أثق دوما باللقطة الطويلة، وقد اعتمدت على اللقطات الطويلة فى أفلامى طوال حياتى..

  • هل تعتقد ان تكوينك الفنى الجرافيكى هو الذى مهد لعملك بالاخراج؟

– نعم.. واعتقد أن فن الجرافيك هو أصل كل الفنون، لأنك عندما تعمل على إنجاز عمل جرافى سواء كان أفيشا أو اعلانا، فانك تعمل فى حدود معينة، لا يمكنك تجاوزها، ولا تخرج عن إطار تحدده بنفسك، وبحيث يشتمل الاعلان على كل المعلومات والمعطيات الخاصة بالسلعة لتوصيل «رسالة» ما. وهنا عليك أن تبذل كل ما فى وسعك لإنجاز «الطلب»، وتحقيق رغبة الزبون، والحصول على أجرك. ولا شك أن طريقة التفكير هذه، أعنى التفكير فى كل الوسائل التى من شأنها مساعدتك فى تحقيق وإنجاز إعلان ناجح، قد ساعدتنى فى شق طريقى فى السينما، كما انى استفدت من كل الأخطاء والمعوقات التى صادفتنى فى عملى الجرافيكي، ووظفتها لكى يكتمل تحققى على مستوى الاخراج.

http://cdnm.almayadeen.net/store/archive/image/2016/7/5/eb9c1483-be45-46b5-8012-c22fce96c7c2.jpg?v=2&preset=news-largest

  • هل عملت بمهنة تصميم الاعلانات لفترة طويلة؟

– نعم عملت بمهنة تصميم الاعلانات والأفيشات فى الفترة من 1960 الى 1975.. رسمت فيها وصممت عددا كبيرا جدا من الأفيشات لأفلام السينما الإيرانية، وما زلت أقوم وإلى الآن بتصميم أفيشات الأفلام، خاصة أفيشات أفلامي..

  • حدثنا عن معهد التنمية العقلية للأطفال والمراهقين الصغار فى إيران..

– تأسس المعهد عام 1965، وبدأ بإنشاء مكتبات للأطفال فى جميع أنحاء إيران، وامتدت نشاطاته لتشمل عمل ورش للرسم، وإنشاء مدارس مسرحية، ثم بدأ ينشر كتبا وينتج افلاما للاطفال، وبدأ بانتاج الافلام القصيرة وكنا حوالى 6 أو 7 مخرجين يعملون بالمكتب قبل الثورة، ثم سافر زملائى بعدها الى أوروبا الشرقية وأمريكا، ولم يتبق فى المكتب سواي. ثم انضم الى المكتب بعض الموظفين الجدد لكن لم يتحقق ومنذ ذلك الوقت أى شيء جاد أو يستحق الذكر، وعن نفسى أخرجت 14 فيلما قصيرا للأطفال..

  • المدهش أن بعض الأفلام التى أخرجتها للمعهد، مثل فيلم «أين بيت صديقى؟» لايخاطب الأطفال فحسب، بل يخاطب أيضا الكبار؟

– أجل. أنا مدرك لمسألة أن أغلبية الأفلام التى أخرجتها للأطفال من نوع الكوميديا أو الرسوم المتحركة. فى بلادى نحاول أن نصنع أفلاما عن الأطفال.. وليس للأطفال، لأنها تكون عندئذ أنفع وأهم وأجدى. إن مثل تلك أفلام تساعد على التفاهم بشكل عام بين الكبار البالغين، وبين الأطفال ووالديهم وذويهم بشكل خاص ولهذا السبب اخرجت فيلمى «أين بيت صديقى؟» لإزالة سوء الفهم بين العالمين، عالم الأطفال وعالم الكبار..

غير انى حين أفكر مليا فى الفيلم أجد أنه لا يتحدث فقط عن كل أشكال سوء الفهم التى يحكى عنها بل يناقش أيضا سوء الفهم الذى يقع مع كبار السن العواجيز الشيوخ بل يحكى أيضا عن سوء الفهم – فى الداخل الباطن – داخل الشخصيات ذاتها..

هذا يعنى أن مسألة تقسيم الجمهور حسب السن، حتى ولو كان قانونيا يتجاهل مسألة أن الفيلم يتواصل مع كل إنسان، صغيرا كان أم كبيرا، بشكل مختلف. مسألة السن لا دخل لها بفهم الاعمال السينمائية وتذوقها، ولا يمكن فى رأيى أن يحدد المرء مسبقا نوع وسن المتفرج الذى سوف يعجب بفيلم ما، كما لا يمكن صنع أفلام أو أعمال فنية تستطيع أن تتواصل مع كل الناس والبشر..

  • هل يساعدك أحد فى كتابة السيناريو؟

– كلا، أنا أكتب وحتى هذه اللحظة كل سيناريوهات أفلامى أكتبها بنفسى..

  • ما الأفلام التى تحبها من ضمن أفلامك القصيرة؟

– كل أفلامى تحكى عن تجارب شخصية عشتها بنفسى ومن ضمن أفلامى القصيرة التى أحبها فيلم يحمل عنوانا غريبا «حلان اثنان لمشكلة واحدة فقط»..

كان الفيلم يناقش مشكلة واجهها أحد أبنائى فى طريقه الى مدرسته، فقد اقترض أحد الأطفال فى المدرسة كتابا من زميل له، وعندما رده له فى اليوم التالى، وجد صاحب الكتاب صفحة مقطوعة من الكتاب، فأصر أن ينتزع بالمثل صفحة من كتاب زميله، فرد الزميل بكسر قلمه لينتقم منه، واشتبك الاثنان فى عراك، وكاد أحدهما يهشم رأس الآخر. العراك هنا هو حل لمشكلة الصفحة المنتزعة لكن هناك حلا آخر لنفس المشكلة. أن يقوم التلميذ الذى اقترض الكتاب بشرح الموقف لزميله، ثم يقوم الاثنان معا بلصق الصفحة المنتزعة فى مكانها، وأردت أن يكشف الفيلم للأطفال عن أن هناك أكثر من «خيار» لحل مشكلة ما..

لو سمحتم، لا تصفوا أفلامنا بأنها بسيطة وساذجة، وتحكموا عليها هكذا بمعاييركم، ففى هذا الجزء من العالم، فى هذا البلد الذى أعيش فيه، ومنه جئت، ما زالت هناك حاجة الى التربية والتعليم، وأمامنا سكة طويلة..

  • هل الأطفال الذين يمثلون فى أفلامك لديهم خبرات سينمائية؟

– ليس لديهم أغلب الوقت أية خبرات سينمائية، ولا حتى خبرات فى المشاهدة كمتفرجين. مثلا الأطفال الصغار فى فيلم «أين بيت صديقى؟» لم يشاهدوا فى حياتهم إلا فيلما واحدا لشارلى شابلن، وقد شاهدوه فقط عندما سافروا الى المدينة لأول مرة فى حياتهم، وحيث انه لا توجد تليفزيونات فى قراهم فانهم لم يشاهدوا شيئا آخر، وقد مثلوا فى الفيلم بشكل طبيعى جدا لأنهم لم يتأثروا بالأعمال التليفزيونية الرديئة التى تعرض على الشاشة الصغيرة..

  • كيف تعد هؤلاء الأطفال للتمثيل قبل التصوير؟ هل تحكى لهم مثلا قصة الفيلم؟ هل تجرى معهم «بروفات» قبل تصوير مشاهد الفيلم؟

– لا احكى لهم ابدا قصة الفيلم كلها. أحكى قصة جديدة للأطفال لكل لقطة. هناك لحظة فى فيلم «أين بيت صديقى؟» يتذكر فيها الطفل انه أخذ عن طريق الخطأ كتابا لزميله وليس كتابه هو. لم أقل للطفل بطل الفيلم الآن اقعد وفكر ما العمل. كلا. قلت له لقد بدا لى انك شاطر فى الحساب. حسنا ساعطيك كم مسألة حساب لتجلس وتحلها، فجلس وراح يحاول حل المسائل ورحت أثناء ذلك أصوره. وعندما نراه فى الفيلم طبعا نراه يفكر مستغرقا فى أمر الكتاب الذى أخذه عن طريق الخطأ. جميع الأطفال الذين مثلوا فى أفلامى لم يعرفوا على الإطلاق خلال فترة تصوير الفيلم، أية تفاصيل عن القصة التى يحكيها، والتى كانوا يمثلونها فى الفيلم..

  • هل تتفادى إعادة تصوير اللقطة أكثر من مرة، لكى يحافظ الاطفال على تلقائيتهم.. براءتها وطزاجتها؟

– افضل لقطة عندى دائما من تمثيل الأطفال هى اول لقطة، لأنها تمسك بالقدر الأكبر من تلك التلقائية وطبيعية التمثيل عندهم، ولا أجد بعدها ضرورة لإعادة تصوير اللقطة، واحيانا اعيد تصوير اللقطة كنوع من الأمان فقط، خوفا من أن يفقد أو يفسد نيجاتيف اللقطة فى المعامل. مثلا أم الطفل بطل فيلم «أين بيت صديقى؟» وتدعى مدام أوارى لم تكن تفهم ابدا لماذا يتحتم علينا أن نعيد تصوير لقطة ما حتى أن مساعدى فى التصوير كان يطلق عليها مدام اليزابيث أواري، لأن الممثلة الأمريكية النجمة اليزابيث تايلور كانت تطلب دوما تصوير اللقطة مرة ثانية أثناء تصوير أفلامها. عندما كانت مدام اليزابيث اوارى تغسل قميصا ثم تعلقه على الحبل ونطلب منها إعادة تصوير اللقطة كانت تقول لنا ان القميص قد صار نظيفا الآن على الحبل، فكنت أطلب من مساعدى إسقاطه على الأرض ليتسخ من جديد دون علمها ثم نطلب منها من جديد أن تغسل القميص، فتقبل ذلك طواعية، فنروح نصور معها اللقطة مرة ثانية من جديد. كانت هذه هى الطريقة الوحيدة التى تجعلنا ننجح فى إقناعها بإعادة تصوير اللقطة..

  • معنى ذلك أنك تعتبر أن العمل فى مونتاج الفيلم يبدأ من عند تصوير مشاهده، ويبدأ فى الكاميرا؟

– اجل، هذه هى طريقتى فى العمل. أنا اختار عدسات التصوير بما يتواءم مع قدرات الممثل. عندما يتحرك الممثل كثيرا استخدم عدسات من نوع LOMGUES FOCALES العدسة المغيرة للمقاسات، بعض المخرجين يطلبون من الممثل أن يقترب أو يبتعد أو أن يتحرك الى اتجاه ما ثم يقف ويقول النص. وأنا لا أستطيع ذلك مع الممثلين فى أفلامى لأنهم لن يفهموا ذلك. لماذا أطلب منهم أن يتحركوا هكذا؟ لكن باستخدام هذا النوع من العدسات يستطيع الممثل أن يتحرك كيفما شاء ونحن نتعقبه ونسجل الصوت فى نفس الوقت. ان هذا يشبه لعبة الجولف حيث تضرب كرة الجولف أولا ثم تروح فيما بعد تركض خلفها وأنت تأمل أن تسقط فى الحفرة التى قصدتها. سألنى أحدهم مرة: كيف تختار أهدافك فى أفلامك؟ فأجبته اختار أهداف أفلامى باتجاه العدالة بما يحقق العدل..

مثلا تلك الفتاة التى حضرت وهى تحمل لنا بعض المشاريب فى الشرفة منذ قليل، لو أردت أن اصورها لاستخدمت عدسة 35 ملم، ولو أردت أن ادعوها على كأس قهوة معى لصورتها بعدسة 50، ولو أردت أن اقترب منها أكثر وأكثر، لاستخدمت عدسات تصوير من عند عدسة 85 وحتى عدسة 90. هذا هو العدل..

  • كيف انتقلت من صنع الأفلام التسجيلية القصيرة الى اخراج أول أفلامك الروائية الطويلة مثل فيلم «مسافر» وفيلم «تقرير»، هل تشعر بأن الأفلام القصيرة مثلا تعوق عن الانطلاق؟

– فى البداية لم يخطر على بالى عمل أفلام روائية طويلة، وذات يوم شجعنى البروفيسور التشيكى بروسيل، وكان تعود زيارة طهران، على عمل هذا النوع من الأفلام. فاعترفت له بأنى أخاف. قال ان عمل أفلام روائية طويلة ليس مشكلة، وان المسألة تتعلق فقط بتجميع عدد أكبر من المشاهد، واضافتها الى الفيلم. وهكذا وجدتنى عام 1975 أعثر على موضوع مناسب لاخراج فيلم روائى طويل، واخرجت فيلم «المسافر» ثم فيلم «التقرير»..

فيلم «التقرير» يحكى عن تجربة شخصية عشتها. يحكى الفيلم عن نزاع بين رجل وزوجته وعن المشاكل التى يتعرض لها بسبب ذلك النزاع فى عمله. جمعت فى الفيلم – حسب متطلبات الفيلم الروائى – بين مشاكل عائلتين، كنت تعرفت على حياتهما من قبل، لكنى حرصت على اختيار ممثلين غير محترفين للفيلم..

لذا حقق الفيلم نجاحا كبيرا. وكنت اخترت أن يكون اسم الفيلم «التقرير» لأنه يقدم تقريرا عن الحياة فى طهران، خلال تلك السنوات التى سبقت قيام الثورة الاسلامية، ويحكى عن تلك الضغوطات الغريبة التى كان أهل طهران يعيشونها ومشاكلهم المالية والعمل الأسود  – العمل السرى غير المعلن – الذى كان يمارس آنذاك فى الخفاء.

  • فيلمك الروائى الثالث بعنوان «تلاميذ الفصول الابتدائية» تأخرت كثيرا فى إخراجه. كونك لم تخرجه إلا عام 1985، أى بعد مرور 9 سنوات على نجاح فيلم « التقرير». ما سبب ذلك؟

– السبب هو أنه لم يخطر ابدا على بالى أن أستمر دوما فى اخراج الأفلام، أو أن يكون لى فيلم  جديد كل سنة. كان اخراج الأفلام عندى يخضع لأمرين: لحال بلدى إيران وأحواله، ولظروفى الخاصة والأوضاع التى أعيشها. وخلال تلك السنوات التسع التى لم أنجز فيها أى فيلم، قامت الثورة الإسلامية فى إيران، وعمليا لم يقم أحد وقتذاك بإخراج أى فيلم..

الفيلم الذى تحكى عنه هو فيلم تسجيلى يعرض لحياة أطفال المدارس الابتدائية الصغار – فى سن السادسة -فى إيران، ويشتمل على خيط درامى سردي، يظل ممتدا من أول الى آخر لقطة فى الفيلم، ويضم الفيلم كذلك مجموعة من الحوارت والريبورتاجات من داخل المدرسة الابتدائية التى عرضنا لها..

http://www.alarab.co.uk/empictures/slide/_84715_kig.jpg

  • كيف تنظر الى «دور» المونتاج فى أفلامك التسجيلية؟

– بداية يجب أن تعرف اننا فى إيران لا نعمل 8 ساعات فى اليوم. عندما نشتغل على مونتاج – تقطيع وتركيب – فيلم ما، فإننا نشتغل أمام طاولة المونتاج 24 ساعة فى اليوم، و7 أيام فى الاسبوع، ولا نتوقف عن العمل إلا عند الانتهاء من مونتاج الفيلم، ولذا ننجز مونتاج الأفلام فى وقت قصير نسبيا..

  • هل هناك «فريق عمل» يشتغل معك بشكل منتظم؟

– أنا أشتغل دوما مع نفس الفريق من المساعدين والمتعاونين لأنهم تعودوا على وعرفوا طريقتى فى العمل. لا أريد مدير تصوير يقترح على دائما أبسط الحلول لتصوير لقطة ما..

  • كيف حققت فيلمك التالي، فيلم «أين بيت صديقى؟»

– قصة الفيلم مستوحاة من مصدرين: من قصة كتبها مدرس، وحادث تعرض له ابنى وهو فى سن بطل الفيلم. كان أحد اصدقائى استقبلناه للغداء عندى فى البيت وأحتاج أن يدخن فأرسلت ابنى لشراء سجائر له، فخرج ابنى وغاب لفترة طويلة، واكتشفنا انه دار فى مسافة 6 كيلومترات فى ليل طهران، بحثا عن سجائر، وكان قد قرر ألا يعود إلا بعد أن يكون اشترى السجائر لضيفنا، وجعلنا ننتظر عودته، ونحن على أحر من الجمر..

هذا الإحساس بالمسئولية هو الذى جعلنى أفكر فى عمل هذا الفيلم وهو أيضا موضوع الفيلم، أما القصة التى كتبها المدرس فهى عن فتاة قامت بعمل واجب زميلها المدرسي..

  • أين صورت الفيلم؟

– صورته فى قرية «مازندران» التى تقع على بعد 400 كيلومتر من طهران بالقرب من بحر قزوين الذى كان مركزا لسلسلة من الزلازل التى وقعت فى المنطقة. معظم أفلامى تدور أحداثها خارج العاصمة طهران ولا يقتصر الأمر من بين المخرجين الإيرانيين على وحدي. نحن نصور افلامنا خارج طهران أغلب الوقت لأنه يمنحنا الفرصة للهروب من التلوث وزحام المواصلات واختناقات حركة المرور والعلاقات السيئة مع أهلها وكلها أشياء تتميز بها العاصمة طهران.. كما أن التصوير خارج العاصمة يتيح لنا فرصة الجمع بين العمل والاجازة، وقد اخترت تلك القرية التى صورنا فيها الفيلم بالذات لأنها تقع فى عمق أحد الأودية ولذا لا يصلها البث التليفزيوني، كما أن اللهجة التى يتحدث بها سكان القرية يسهل على معظم الإيرانيين فهمها..

  • كيف عثرت على هذا الطفل الذى يحتل الشاشة طوال مدة عرض الفيلم تقريبا؟

– كان يلزم أن تظهر شخصية الطفل فى الفيلم مهمومة وقلقة طوال الوقت، وأن ينعكس ذلك القلق فى نظراتها، واتذكر أنه أثناء الاستعداد لتصوير الفيلم انى شاهدت بعض الأشخاص فى القرية يحملون نعشا فيما يشبه فاترينة، وكانوا فى طريقهم لوضعها على مقبرة. كان النعش ثقيلا جدا، وكانوا يحاولون وقد استجمعوا كل قواهم وضع ذلك العبء الثقيل على الأرض. وكان هناك حولهم جمع من الأطفال يلعبون ولا يهتمون أو يعبئون بما يحدث فيماعدا طفل واحد فقط ظهرت فجأة على وجهه مشاعر القلق، فوجدت أن هذا الطفل هو بالضبط الطفل الذى أبحث عنه واحتاجه ليضطلع ببطولة الفيلم..

  • فى فيلمك التالى «واجب المساء» عدت من جديد الى الأفلام التسجيلية. لماذا؟

– هذا الفيلم يعالج أيضا مشكلة شخصية، فقد كنت انفصلت عن زوجتى وأعيش مع ابنىّ منذ عدة سنوات. وكان على أن اقوم بخدمتهما فى المنزل واساعدهما فى دروسهما، لكن كان هذا الأمر تزداد صعوبته على يوما بعد آخر بسبب المناهج الدراسية الجديدة التى تم اعتمادها حديثا فى المدارس، بخاصة فى علم الرياضيات.. كنت أعود الى البيت تعبا منهكا، ولا استطيع أن استجيب لطلباتهما، وكنت أحيانا أضربهما، وأريد أن أعرف كيف يتصرف الآباء حيال تلك المشكلة الصعبة وشرعت بالفعل فى عمل تحقيق بالكاميرا عن الواجبات المنزلية..

فى البداية نرى الأطفال فى طريقهم الى المدرسة ويقترب أحدهم منى ويسألنى لماذا أصور هذا الفيلم. ثم انى أكشف بعد ذلك من خلال المشاهد التالية عن الاطفال وهم يذاكرون فى بيوتهم وعلاقتهم بأهاليهم وكيف يحاول الأهالى مساعدتهم فى واجباتهم، واعتقد ان هذا الفيلم يعد شهادة مأسوية مريرة على فشل البيت الإيرانى فى مساعدة الابناء فى دراستهم.. ولأن الآباء لم يتلقوا دروسا أو تعليما يساعدهم فى تلك المهمة، كما أن عدد التلاميذ فى ارتفاع مستمر بينما ينخفض عدد المعلمين، ولا توجد أماكن بقدر كاف، كما أن المدرسين لايجدون وقتا للاهتمام بالتلاميذ كما ينبغى وهكذا يقع جزء من مهمة المعلمين على عاتق الآباء من غير المؤهلين لمساعدة ابنائهم فى دراستهم. ولذا تجد آلاف المشاكل التى يعانيها الكبار عبر ذلك الحاجز الذى يفصل بين معسكرين: معسكر المعلمين ومعسكر الآباء. والنتيجة أن الأطفال هم الذين يقعون ضحية لقسوة الكبار، وهم الذين يعاقبون فى المعسكرين معسكر المدرسة ومعسكر البيت، وكل كبير هنا يتنصل من مسئوليته ومشاكله ويضعها على ظهر الأطفال، وقد اتبعت فى اخراج هذا الفيلم نفس المنهج والأسلوب الذى اتبعته فى فيلم «تلاميذ المدارس الابتدائية»، ولذلك تجد أن الأطفال يمثلون براحتهم أمام الكاميرا وهم يشعرون بعزة وكرامة ويتكلمون بصدق وصراحة ولايفشون ابدا أسرار عائلاتهم، والدليل على ذلك انى شجعت ابنى على أن يعترف مثلا فى الفيلم بأنى ضربته، لكنه رفض ولم يرغب مطلقا فى أن إفشاء سر عائلى كهذا..

  • فيلمك الطويل التالى «كلوز آب» يجمع بين الفيلم الوثائقى والفيلم الروائي، ويقدم مزيجا من النوعين؟

-عندما انتهيت من فيلم «واجب المساء» كنت على وشك إخراج فيلم بعنوان «مصروف الجيب» عن موضوع يخص الأطفال أيضا، وتقع أحداث الفيلم فى نفس المدرسة التى صورت فيها «واجب المساء». بعد قيام الثورة الإسلامية صارت المدارس تستقبل تلاميذ من كل الطبقات الاجتماعية المختلفة، واصبحنا نجد ان مصروف جيب تلميذ ما فى أسبوع يمكن ان يكون مصروف جيب تلميذ آخر فى سنة كاملة وفكرت ان هذا الأمر يصلح لأن يكون موضوعا لفيلم مثير للاهتمام.. وكنت على وشك البدء فى تصوير هذا الفيلم حين قرأت فى باب الحوادث فى جريدة عن تلك الحادثة التى أصبحت موضوعا لفيلم «كلوز آب» وقد كان الكاتب الكولومبى الكبير جابرييل جارثيا ماركيز على حق حين قال «إن العمل هو الذى يختار الكاتب وليس الكاتب هو الذى يختار العمل» فاتصلت بمنتج فيلم «مصروف الجيب على الفور» وحدثته عن رغبتى فى تغيير موضوع الفيلم وعن تلك الحادثة التى استحوذت على كل كيانى وكانت تقع فى نفس اللحظة ومستمرة ولم تنته بعد، ولذا يجب أن نشرع فورا فى التصوير اثناء وقوعها وليس بعد، ولا نتأخر..

ثم ذهبت واخذت طاقم العمل فى الفيلم من المدرسة التى كنا نصور فيها فيلم «واجب المساء» وتوجهنا الى السجن وصورت هذا المشهد الأول الذى يصور اللقاء مع المتهم فى السجن بكاميرا  خفية، وكانت مشاهد المحاكمة أيضل تسجيلية، لكنى غيرت فيها بعض الأشياء للاقتراب أكثر من شخصية المتهم، فقد كانت لديه أشياء لا يمكن أن تقال ولم تذكر أثناء المحاكمة، لذلك كان على استخراج هذه الأشياء من داخله لكى تقال وتصاغ فى كلمات، وأن تسجل أيضا فى مشاهد، على شكل أقوال للمتهم ثم يتم ضمها لمشاهد المحاكمة فى الفيلم..

احيانا قد يدعو الوصول الى الحقيقة خيانة الواقع، وكنت تحدثت بشأن هذا الأمر مع المتهم والقاضى أثناء فترة الاستراحة من المحاكمة وشرحت لهما قصدي، ولذا استغرقت تلك المحاكمة ست ساعات بدلا من ساعة فقط كالمعتاد..

 

 

  • ألم تجد صعوبة فى أن توافق مؤسسة القضاء المختصة فى إيران على التعاون معك لإنجاز الفيلم؟

– لقد حدث وقتذاك شيء إيجابى للغاية فى إيران الا وهو اكتشاف السينما. اكتشاف السينما بواسطة من كانوا يجهلون دورها ويتجاهلونها، ويهملونها ولا يحبونها أو يترددون على قاعاتها. كانت السينما فى الماضى ممنوعة باسم الدين، واليوم يبدو الأمر كما لو أن السينما تعود الى أصلها ونشأتها وجذورها الأولى. ولذا عندما قلنا وقتها اننا سنصور فيلما يحكى عن السينما، وجدنا لدى المسئولين بما فى ذلك الجهات القضائية آذانا صاغية. وصرحوا لنا بأن نصور أينما شئنا. واتذكر اننى كنت اتناقش مع القاضى الذى يظهر فى الفيلم اثناء المحاكمة فى تقنيات اللقطة القريبة واللقطة البعيدة واللقطة الكلوز آب المكبرة وكان يبدو واعيا ومتفهما لمصطلحات اللغة السينمائية أثناء مداخلاته..

  • ما الذى جذبك فى شخصية المتهم سابزيان الذى انتحل شخصية المخرج السينمائى الإيرانى محسن مخملباف؟

– اتذكر انه قال بعد القبض عليه: «أنا مثل قطعة من اللحم خذونى الى الجزار واطلبوا منه أن يصنعه منها ماشئتم».. وقد خيل الى انه يتحدث الى.. ويخاطبنى بكلامه كما لو كنت الجمهور ويجب أن أصنع شيئا ما. وقد اكتشفت انه لم يكن مجرما، وأردت بالفعل أن أعرف من يكون، وعرفت انه عاطل عن الأمل ومفلس ويائس، واردت الاقتراب منه والتعرف أكثر على شخصيته. و هكذا كنت مع كل يوم اثناء التصوير اقترب منه أكثر واتعرف على ملامح جديدة فى شخصيته، وفهمت اثناء سير المحاكمة انه كذب بالفعل على أفراد الأسرة، لكنى أدركت أيضا انه كانت لدى تلك الأسرة الرغبة فى أن يكذب عليها. وهى مسألة قد تدعونا الى استنباط النتيجة التالية: أن الحاكم الديكتاتور لا يريد فقط أن يمارس سلطته على الناس، بل ان الناس أحيانا يريدون أن يستعبدهم الديكتاتور ويمارس عليهم سلطته. وقد توصلت ايضا الى ملاحظة مهمة فى بحثى عن العلاقة بين الواقع والحقيقة فى الفيلم التى تحثت عنها آنفا، فعندما توجهت الى بيت العائلة الثرية لاعادة تمثيل واقعة القبض على سابزيان، قال لابن العائلة انه لم يكذب عليهم حين ذكر أنه سيعود الى البيت مع فريق تصوير وهذ ما حدث الفعل. وقد تأثرت بذلك الأمر جدا، فقد كان يكذب عليهم، لكنها كانت الحقيقة فى نفس الوقت، حيث وصلت مع فريق تصوير سينمائى بالفعل بعد اربعين يوما من تعرفه على العائلة، وحضرت مع الكاميرات ومعدات الاضاءة وافراد طاقم العمل فى الفيلم وكنا بالفعل فى خدمته، وكان هذا أيضا، ليس فيلمنا، بل فيلمه..

مع سابزيان عرفت بالفعل مدى سلطة الحب، فعندما يحب المرء شيئا ما كما أحب  سابزيان السينما – يمنحه الحب شجاعة خرافية وقدرات لا تصدق، ويؤكد الفيلم أيضا حقائق اخرى من ضمنها أن أكثر ما يحتاجه المرء بعد الاكسجين الذى نتنفسه هو الكرامة واحترام الناس له.. هذا الانسان الذى كان يعرف انه يمكن القبض على بنسبة 80 فى المائة، لم يلجأ الى الفرار، بل واجه أمر اعتقاله بشجاعة محافظا على كرامته، وسلم نفسه عند حضور الشرطة..

  • هل أنت صديق المخرج مخملباف الذى انتحل سابزيان شخصيته؟

– كلا، لقد التقيته للمرة الأولى بمناسبة تصوير الفيلم، وطلبت منه أن يلعب دوره الحقيقى فى الفيلم فوافق، وعندما خرج سابزيان من السجن صورنا المشهد بكاميرا خفية، ولم يكن سابزيان يعلم انه سيجد عند الافراج عنه وخروجه من السجن سيجد مخملباف أمامه..

  • هل لك علاقة ببعض المخرجين السينمائيين الإيرانيين؟

– أنا بطبعى أحب الوحدة والفردية وأميل الى حياة العزلة، لكن هذا لا يعنى انى لا أرغب فى الاتصال بزملائى من السينمائيين الذين تربطنى بهم صداقة، وتجدنى أسعد بوجودهم عندما التقيهم فى مناسبة ما أو سهرة، واعتقد بأن الفنان هو انسان منفرد وحيد، كما تجدنى لا احب المشاركة فى الحياة الاجتماعية بسبب مشاكل عائلية خاصة جدا..

  • ماذا عن مشروع فيلمك القادم؟

– شاهدت بعد وقوع زلزال ان الخريطة التى تظهر للمكان فى التليفزيون هى خريطة للمكان الذى صورت فيه فيلمى «أين بيت صديقى؟» وكانت القرية التى صورت فيها الفيلم تقع على سطح مركز بؤرة الزلزال الذى راح ضحيته أكثر من 90 فى المائة من أهالى القرية، فقررت أن أسافر الى هناك للاطمئنان على الأطفال الذين صورتهم فى الفيلم، وكانت كل الطرق مسدودة للوصول الى القرية التى وصلتها بصعوبة، وكان لدى الاحساس فى اليوم الذى وصلت فيه بأن القرية قد دمرت عن آخرها وصارت اطلالا ولم ينج أحد من أهلها، وشعرت بالحزن العميق لكن حدثت أشياء غريبة فى نفس الوقت فقد وجدت اناسا يغسلون ملاءات وسجاجيد ويضعونها على الأشجار كى تجف، وشعرت بغريزة حب البقاء تتسامق وبشكل رائع فوق الانقاض. كان هناك عجوز تحاول وحدها أن تسحب سجادة من تحت أربعة أمتار من تراب الأنقاض، وعندما قلت لها ان احدا لا يستطيع أن يساعدها قالت إن زوجها وابنها دفنا تحت الانقاض، ثم انى توجهت للبحث عن فريق انقاذ لمساعدتها، ولما عدت وجدتها قد اشعلت نارا وشرعت تعد لى كوبا من الشاي، ولما أدرت النظر فى أنحاء المكان كان هناك تفاصيل تدل على الرغبة فى الحياة ومقاومة الفناء والموت، واردت أن اصنع فيلما روائيا يحكى عن هذا: ان الرغبة فى الحياة أقوى من الخوف والموت، وأن يكون الزلزال هو القاعدة التى يتأسس عليها أساس الفيلم، وفى نهاية الفيلم نرى أشجار الزيتون والنهر الذى تجرى مياهه، والجبال وغروب الشمس والاهالى الذين رفضوا أن يستسلموا..

  • هل واجهت مشاكل خاصة مع الرقابة اثناء فترة الثورة الاسلامية؟

– اعتقد انه يجب ان نضع الرقابة فى الاعتبار وأن نقبل بها. نحن ننتمى الى طبقة المثقفين ويجب أن يكون لدينا علم بنوع الحكومة التى تحكمنا ونوع الجمهور الذى نعمل له، ولا يمكن أن تقارن مايحدث فى بلدنا بما يحدث فى بلدك. نحن فى الشرق الأوسط فى العالم الثالث، وربما صرنا الى نفس الظروف التى تعيشونها الآن بعد خمسمائة عام. نحن نريد أن نتقدم خطوة خطوة، ومن العبث أن يفكر المرء فى أنه يستطيع أن يغير العالم بفيلم، ومن العبث ايضا أن يصنع المرء فيلما وهو يعلم مسبقا بأن الرقابة سوف ترفضه وتمنع عرضه. يجب ان يعمل الفنان فى حدود المساحة التى يسمح بها له مجتمعه. ان الفيلم الذى يمنع من العرض هو فيلم لا وجود له وكأنه لم يصنع. ولذا يجب أن يعرف المرء مدى وحدود سلطة الحكومة، ولهذا تجدنى اؤمن بالافلام البسيطة التى أصنع، لأنى اعرف انها تعمل شيئا فشيئا على خلق مستقبل أفضل فى هذا الوطن..

 

أجرى الحوار: ميشال سيمان

ترجمه عن الفرنسية: صلاح هاشم