حوار: سامح فايز   فى دعاية جائزة كتارا  للرواية العربية التى أعلنتها قطر مؤخرا وضعت صورة  الكاتب أحمد مراد ضمن متحف لتاريخ الرواية، ما تقوله هذه  الصورة  يؤكد  حضور مؤلف

أحمد مراد

حوار: سامح فايز

 

فى دعاية جائزة كتارا  للرواية العربية التى أعلنتها قطر مؤخرا وضعت صورة  الكاتب أحمد مراد ضمن متحف لتاريخ الرواية، ما تقوله هذه  الصورة  يؤكد  حضور مؤلف « الفيل الأزرق» الذى ينكره بعض النقاد وقبل ذلك نافس مراد بقوة على جائزة البوكر  ما يؤكد أنه  حالة  فريدة فى السرد العربى على مدار عام كامل شغلتنى حالة مراد، عكفت على أعماله أقرؤها، كانت بصحبتى دائما فى كل مكان، وشاهدت الفيلم المأخوذ عن رويته والمسلسل الذى نقل اجواء من روايته الاولى ثم تتبعت كل ما يكتب عنه، وسعيت لمقابلته لفهم  تعقيدات الحالة، التى كانت سببا فى  شغف جيل كامل من الشباب  بالقراءة  وفى الطريق إلى مكان اللقاء بمنطقة المقطم حاولت أن أرتب أفكارى فعجزت عن ذلك، لم أضع أسئلة، مسبقة وانما أردت أن يكون حوارا  مفتوحا فى محاولة لفهم حالة اسمها «أحمد مراد».

**بداية كيف تستطيع  أن تكتب -وسط  تحفظى- نقدى على ما تنشره ؟

أهتم عادة بالنقد المفيد، لكن من يكتب لأنه يريد أن «يشتمني»  أقرأ مقالاته لأعرف حدود الكراهية وصلت إلى أين.  عندما بدأت كانت المسألة تسبب  لى ألما نفسيا،  خاصة عندما يكون النقد شخصيا ويبتعد عن النص،  وبالتالى يصبح مجرد تجريح،  فهناك اتهامات بأننى دخيل على عالم الأدب، وأن  ما أكتبه  نص شعبي، وهدف كتابتى كثرة المبيعات، وكأن «البيست سيلر» من اختراعى .  لاشك اننى سعيد لبدايتى فى دار ميريت،  وهى مختبر مهم للادب الجديد فى مصر ودار يعلم الجميع حسها الطليعي.

**لكن ليس كل ما يكتب نوع من الكره ؟

النقد الذى أستفيد منه مادة مشبعة جدا كى أتحرك للأمام،  بالتأكيد وجدت  أعمالى نقدا  مفيدا ناقش بناء الجملة، واللفظ، والأسلوب، والايقاع، وكل ذلك أفادني، وهناك أدباء أفضل منى فى مجال الكتابة، أستفيد بتجاربهم، أنظر  الى ما يعجبنى عندهم ، وأسأل، لماذا لم أفعل مثله، فأنا لا أدعى أن ما أقدمه أفضل شىء، لكن فى النهاية يجب التفرقة  بين نوعين من النقد.

**هل قصدت تطوير شكل الكتابة الذى قدمته بداية من روايتك الأولى فيرتيجو؟

أكتب ما أحب، إذا كان المكتوب جديدا فهو جديد، إذا كان ما أحببته عاديا فسيكون نتاج الكتابة عاديا. المسألة أننى أحببت اطارا معينا فى الكتابة،   وسمات فى اللغة،  وخلقت لها إيقاعا معينا، وأشير هنا الى أننى لا أدعى أبدا أننى أكتب أدبا بوليسيا،  فهذا النوع  من الكتابة البوليسية يعتمد على بطل بهيئة معينة، وذلك البطل غير موجود فى رواياتي، «معنديش شارلوك هولمز» مثلا  الجريمة فيما أكتب تعرف من ارتكبها من المشهد الثاني، وليس معنى ذلك أننى ارفض هذا الشكل من الكتابة، فقط أرد  ان يراجع  من يصنف كتابتى  على أنها أدب بوليسى هذا الحكم ، أما فيما يخص قصد التجديد فكل الناس فى مجالاتهم يسعون للتجديد.

**عادة يتطور شكل الكتابة تباعا بعد العمل الأول، لكن أعمالك أخذت نفس الشكل منذ إصدارك الأول، هل كان ذلك تأثرا  بكتابات أخرى؟

لم أكتب حرفا قبل «فيرتيجو»، لا مقالا، أو قصة، ولا أيا من أنواع الكتابة المختلفة، لكننى  قارئ  نهم،  وأمى تملك مكتبة فى حجم مكتبة دار الشروق مرتين، فالقراءة فى منزلنا مسألة عادية.

**هل أثرت دراستك للسينما على شكل السرد فى أعمالك؟

أكيد، لكن ليست الدراسة فقط، أى موقف عايشته منذ طفولتى تأثرت به، فأنا مصور،  ووالدى مصور، ونحن خمسة أعمام، ثلاثة منهم مصورين، أبناء عمى أغلبهم مصورين، فكرة الصورة والاحساس بها مسألة مترسخة فينا جدا، ودخولى معهد السينما زاد على الأصل الموجود من البداية، دراستى للسيناريو، قراءة الأدب فى العام مؤكد لها تأثير، فى النهاية نحن توليفة من مسائل مختلفة، لا أدعى أبدا عدم التأثر، لأن نفيه يعنى أننى مولود فى الصحراء لا أرى أحدا.

**أحمد مراد يواجه باتهام أنه أضر جيلا بأكلمه بمستوى الكتابة الذى روجه وهذا الاتهام يراه البعض ميزة فى أن مراد جذب جيلا للقراءة.

سأحكى لك قصة عن التصوير، أيام الطفولة حين كنا نمسك كاميرا ونحمض الفيلم ونصنع  الصورة  كان ذلك بالنسبة لأصدقائى  اقرب الى  سحر، ولم يكن هناك من يصنع ذلك مثلنا، لا أحد يجرؤ على عمل ذلك فى بيته، لأنه يتطلب مسائل لا تتوافر للجميع، ثم ظهرت الكاميرا الديجيتال، فأصبح شراؤها سهلا، «أى واحد ينجح فى الثانوية العامة  والده يشتريله كاميرا ويعمل صفحة يكتب عليها إبراهيم فوتجرافر، خلاص بقى مصور»، السؤال هنا؛ من بداية الديجيتال لغاية النهاردة دخل عالم التصوير، الالاف، فجأة سوق التصوير اختل، فهل  صانع الديجيتال  دمر التصوير لأن الكل  أصبح مصورا. ما الذى سيحدث فى المستقبل؟  ستنحسر هذه الموجة ويظل صاحب الموهبة، لأن المصور لو تميزت له صورة أو اثنتان لن يحدث ذلك للأبد، ولو أن المسألة «موضة  لطيفة بتعجب البنات» بعد فترة هتروح سينتقل لصاحبها لمسألة أخرى، كذلك موجة الكتابات الموجودة، بعد فترة ستنحسر، ولن يبقى سوى أسماء معينة نستطيع أن نشير إليهم أن هؤلاء ميزو الجيل، وهؤلاء قد لا يكون منهم أحمد مراد، إذن لنترك الحكم للزمن، وفى النهاية  أنت غير مسئول تماما  أنك كتبت فبدأت الناس تولع بالكتابة وتتبع  نفس الشكل  الذى تكتبه.

**هل تستمتع بحالة الكتابة؟

جدا .. إذا  لم أستمتع بالكتابة لن أكتب، لست كاتبا، أنا مصور ولدى مكتبي، فأنا أكتب لـ«مزاجي»، «يعنى لو كتبت عشان المدارس آخر الشهر ولازم اخلص عشان الكتاب يطلع مش هيطلع اللى أنا بحبه». لذلك أنا كاتب هاو،  لم احترف الى الان ،  ومتعتى فى مشاهدة  فيلم سينما من تأليفي، «مش عاوز فلوس»،  وكذلك فى مشاهدة قارئ يمسك بكتابى على كافيه فى الطريق يقرؤه.

**نجحت  فى مجال التصوير والتصميم والرواية والسيناريو، لماذا تميزت فى كل مجال يطرقه؟

لا أبدأ فى مجال إلا وأنا مدرك أننى أستطيع ان أتقدم خلاله، طبعا الاخفاق والنجاح مسألة فى يد الله، لكننى أضع الأسباب، مثلا حين كنت أعمل على بحث خاص برواية، أظل أبحث  حتى يظن المختص من كثرة إلمامى بالمسألة أننى دارس مثله لها، أقول اننا يجب أن نتقن ما نعمل سواء البحث فى الكتابة، فى اللغة.

**كيف تعاملت مع اتهامك بسرقة رواية الفيل الأزرق من فيلم أجنبي؟

عندما اتهمت بالسرقة، التزمت الصمت مدة أسبوع،  فضلت أن أشاهد من بعيد لأرى ما الذى سيحدث، لغاية ما بدأت أفتح  الفيس بوك لأجد رسائل من عينة «صباح الخير ياحرامي»، «صباح الخير يابن الكذا»،«كنا فاكرينك محترم وطلعت مش محترم واحنا اتخدعنا فيك». ثم انتابتنى حالة من الضحك لسبب، أننى ذكرت فى الرواية مصدرها من كتاب الجبرتي، والجبرتى طبعا موجود من قبل الفيلم الأجنبي. وأصدرت بيانا وضحت فيه ذلك، فرد الشخص الذى شتم قائلا:«أهو رد  أهو، ودا دليل إنه سرق»، حينها شعرت أن متابعتى لذلك ابتذال، ثم حدث أن كتبت احدى الصحف مانشيت «أحمد مراد حرامى روايات» فلما  وصلت المسألة لجرائد تقرأ قدمت دعوى فى المحكمة، نتيجة لذلك اعتذرت الجريدة، «وطبعا محدش خد باله ابدا من الاعتذار لانه بيجرسك فى الفرح ويعتذرلك فى حارة».

**لماذا قل تواصلك مع الصحافة والاعلام؟

وجدت أننى وصلت لمستوى من بعده سأبدأ فى الانزعاج، وبالفعل بدأت فى الانزعاج، «أنا فى الآخر عاوز أمشى فى الشارع، مش عاوز أكون نجم، مبتقش عارف أقعد على القهوة، لأ أنا عاوز أقعد على القهوة لأن دا هو اللى خلانى أكتب»، ثانيا من الأفضل للأديب أن يعرفه الناس من خلال كتابته ليس شخصيته، لأنه من الممكن أن يحب أحدهم ما أكتب لكنه حين يجالسنى لا تظل هذه المحبة على حالها، من الأفضل فى هذه الحالة ألا يعرفنى سوى من خلال كتابتي، السبب الثالث أنه لم تعد توجد مهنية فى الصحافة أو الإعلام، «هو النهاردة عاوزك يستفيد بيك، عاوز يتكلم معاك أكتر منك، عاوز ينكشك فتقول كلمة فتتحط ستاتس فيرميها على تويتر فياخد لايكات»، كنت أظن الشهرة لطيفة حتى وصل بى الحال أننى أجد صعوبة فى الجلوس داخل الأماكن العامة،  مؤخرا شاركت فى بعض اللقاءات الفضائية بسبب الفيلم، لكن المشاركة فى جريدة متخصصة فى الأدب ذلك حق لكم لا أستطيع التأخير فيه.

**ترشحك لجائزة البوكر ومنافستك فى القائمة القصيرة هل اعتبرته انتصارا لشكل كتابتك فى الخارج بعد مهاجمته داخل مصر؟

ليس انتصارا، لكنه رد على الناس التى بدأت تتحدث أن كتابتى ليست أدبا، كان الرد أنها لجنة تحكيم مهمة، تضم عددا من النقاد المهمين، وصولها إلى القائمة القصيرة شرف أسعد به، وحين جالست محكمى البوكر  كان أول سؤال؛ «أنا ليه؟» كان الكلام الذى وجه لى من عضوة اللجنة وهى ناقدة مغربية، أن كتابتى أحدثت شيئا جديدا فى السرد على عالم الادب العربي، شيئا لم تره اللجنة من قبل، ولاقى استحسانها، وأضافت الناقدة أننى أحدثت تجديدا فى المجال الأدبي، أملك لغة جديدة،  وحوارا جديدا، وتركيبا لم تعرف اللجنة له تصنيف بعد  لكنه أعجبهم، وكانت نتيجة ذلك وصول رواية الفيل الأزق إلى القائمة القصيرة، والفرق  بينى والأول ليس فرقا بالمعنى ولكن كان على اللجنة اختيار أول، لن أقول أن ذلك انتصارا لأننى لست فى معركة، لكن أقول انها شهادة جيدة من الممكن أن تدفع الناس للتكفير، ذلك أن بعض الأعمال حين تنجح ينتج عنها حالة نفور ذاتى أن تقرأها أصلا، ومن الممكن أن ما حدث  يدفع الناس لفهم أن الأدب  مطاط،  لغاية الآن أعطنى تعريفا للرواية، لا يستطيع أحد أن  يقول ان الرواية واحد اتنين ثلاثة، فمهما حاول أحدنا فنحن فى النهاية نسعى للكتابة والتجديد.

**هل توقعت أن تصل إلى قوائم البوكر يوما ما؟

أبدا، يومها هاتفنى سيف سلماوى صباحا، قائلا:«مبروك القائمة الطويلة»، ولما وصلت القائمة القصيرة كنت أطمح بالفوز، مؤكد كل واحد فينا يرجو أن يكون رقم واحد.

**استخدام وسائط السوشيال ميديا فى الدعاية للروايات عمل يرفضه البعض ويراه آخرون ابتذال للكاتب،  كيف تراه انت والبعض يعتبرك ابنا  من ابناء زمن الفيس بوك؟

يجب أن نستوعب الجيل الذى نعيشه جيدا، ابنتى فى التاسعة، تتعامل بحرفية مع الهواتف الذكية، تفعل أشياء لا أعرفها، عدم احترام هذا الجيل ووسائل الاتصال به كان أول طريق ابتعاده عن الأدب، حين أصبح الكاتب فى جانب والناس تقرأ فى جانب، أو لا تقرأ من الأساس، حتى ظهرت «عمارة يعقوبيان»  لـ«علاء الاسواني» وكشفت أن كان هناك خيط مقطوع تم وصله،  هذا من ناحية ومن ناحية أخرى كان لابد ان نعرف ان الادب بحاجة الى دعاية ايضا  فللأفلام دعاية، شرائط الكاسيت لها دعاية، فلماذا ننظر لدعاية الأدب على انها عيب، « كان من المؤسف ان طرق بيع الكتب لم تتغير منذ الستينات.

والآن بات واضحا أن الوسائط الجديدة تضيف معطيات جديدة، ففيلم «الفيل الازرق» كمثال هو أول فيلم سينمائى مصرى لا توضع له دعاية فى الشارع، جميع  وسائل الدعاية كانت عبر السوشيال ميديا، التصفح أداة جديدة «تيجى انت تقول مش هستخدمها، عيب».

**هل التسويق للعمل مسئولية الكاتب أم الناشر؟

دور النشر المصرية تهتم بخروج الكتاب من المطبعة، ومن ثم يوضع فى المكتبات، من الممكن إقامة بعض حفلات التوقيع، لكن الكاتب أكبر من ذلك بكثير من ناحية حجم الشغل المطلوب حوله، يجب أن توجد دعاية، انتقاء للأماكن التى يذهب إليها، دار الشروق تقوم بذلك بشكل ما، لكن من جهتى فأنا مسئول تماما عن خيار الذهاب لحفلة أم لا، الظهور فى مكان وعدم الظهور فى آخر، التواجد على شاشات الفضائيات أو عدم التواجد، البحث عن الترجمة، مثل هذه المسائل خارج مصر يخصص لها ما يطلق عليه «الوكيل الأدبى»، أضف إلى ذلك أن الوكيل الأدبى يعمل معك على النص ذاته، دار النشر مفترض أن توفر لك من يتابع معك النص،  يتابع معك الايقاع، يعطى  ملحوظات، وأنا  لست من الناس التى تعتبر النص مقدسا، لذلك فى أعمالى دائما تجد قائمة من الناس أشكرهم فى كل عمل، تجد فيهم أمى وزوجتى ومخرج مثل مروان حامد، ومنهم أيضا الأستاذ صنع الله ابراهيم، آخذ نصيحتهم لو توافقت مع الذى أريده للنص، وذلك  للأسف يجب أن يكون عمل  دور النشر، لكن ذلك غير موجود.

**وضع أحمد مراد يسمح بتكليف وكيل أدبي، لماذا لم تفكر فى ذلك؟

الفكرة أنه حتى الآن غير موجود، لا يوجد من أستطيع إسناد المهمة إليه،  لو وجدت ذلك الشخص بالطبع سأكلفه بذلك.

 

«أرشيف» نقلا عن العدد الورقي رقم 779 الثلاثاء 26 مايو 2015