أجرى الحوارات: سامح فايز   أُعلنت الاثنين الماضي القائمة الطويلة للروايات المرشّحة لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية للعام 2015. والتى اشتملت القائمة على 16 رواية صدرت خلال الاثنى عشر

بوكر

 

أجرى الحوارات: سامح فايز

 

أُعلنت الاثنين الماضي القائمة الطويلة للروايات المرشّحة لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية للعام 2015. والتى اشتملت القائمة على 16 رواية صدرت خلال الاثنى عشر شهرا الماضية، واختيرت من بين 180 رواية ينتمى كتابها إلى 15 دولة عربية.

اُختيرت الروايات من قبل لجنة مكوّنة من خمسة محكّمين، سيُعلن عن أسمائهم فى الدار البيضاء، المغرب، يوم الجمعة الموافق 13 فبراير، والذى تحدّد للإعلان عن القائمة القصيرة، بالتزامن مع معرض الدار البيضاء الدولى للكتاب.

ينتمي كتّاب القائمة الطويلة لعام 2015 إلى 9 بلدان، بينهم ثلاثة من مصر وثلاثة من لبنان. فيما يلى عناوين الروايات المرشّحة على القائمة الطويلة للجائزة للعام 2015، وفقا للترتيب الألفبائى لأسماء الكتاب:

رواية «حياة معلقة» للكاتب الفلسطينى عاطف أبو سيف، عن دار الأهلية، ورواية «بعيدًا من الضوضاء، قريبًا من السكات» للمغربى محمد برادة عن دار الفنك، رواية «طابق 99» للكاتبة اللبنانية جنى فواز الحسن، عن منشورات ضفاف والاختلاف، رواية «ألماس ونساء» للكاتبة السورية لينا هويان الحسن، عن دار الآداب، ورواية «الروايات» للكاتبة السورية مها حسن، والصادرة عن دار التنوير، ورواية «ريام وكفى» للكاتبة العراقية هدية حسين، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ورواية «لا تقصص رؤياك» للكاتب الكويتى عبد الوهاب الحمادى، عن المركز الثقافى العربى، رواية «جرافيت» للكاتب المصرى هشام الخشن، عن مكتبة الدار العربية للكتاب، ورواية «انحراف حاد» للكاتب المصرى أشرف الخمايسى، والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، ورواية «غريقة بحيرة موريه» للكاتب اللبنانى أنطوان الدويهى عن دار المراد، ورواية «حى الأمريكان» للكاتب اللبنانى جبور الدويهى عن دار الساقى، ورواية «شوق الدرويش» للكاتب السودانى حمور زيادة عن دار العين، ورواية «ابنة سوسلوف» للكاتب اليمنى حبيب عبد الرب السرورى عن دار الساقى، ورواية «بحجم حبة عنب، للكاتبة المصرية منى الشيمى الصادرة عن دار الحضارة، ورواية «الطليانى» للكاتب التونسى شكرى المبخوت عن دار التنوير، ورواية «ممر الصفصاف» للكاتب المغربى أحمد المدينى عن المركز الثقافى العربى.

«القاهرة» التقت مع أربعة كتاب من بين المرشحين ،بينهم الكاتب السوداني المقيم بالقاهرة حمور زيادة الذي فاز قبل نحو شهر بجائزة نجيب محفوظ كما التقت بثلاثة كتاب مصريين تم ترشيحهم للجائزة وهم أشرف الخمايسي وهشام الخشن والكاتبة مني الشيمي التي فازت قبل عشرة أيام بجائزة ساويرس الادبية لهذا العام وقدموا شهادات حول رحلتهم مع الكتابة وحتى بلوغ الجائزة.

هشام الخشن

هشام الخشن

هشام الخشن: أنا كاتب بالصدفة.

 

الثلاثاء 13 يناير 2015

الساعة العاشرة صباحا

بيراميدز هايتس / محافظة الجيزة.

مجمع إدارى على طريق مصر إسكندرية الصحراوى، على جانبيه حديقة ويتوسطه مكتب حراسة لتأمين المكان. استوقفنى موظف الأمن طالبا رؤية البطاقة الشخصية، حدثته متلعثما ربما من دهشة اعترتني. فحين حصلت على العنوان من الكاتب فى مكالمة سابقة توقعت مكتبا هندسيا وليس «كومباوند» إدرايا.

  • مكتب المهندس هشام الخشن، فين؟
  • حضرتك هتمشى لآخر الطريق هتلاقى مكتبة فى مبنى على يمينك.

مشيت طريقا طويلا فى حين الجميع يستقلون عرباتهم الفاخرة، مساحة شاسعة تضم فقط شركات ومكاتب إدارية. على باب المبنى صحبنى موظف أمن حتى الطابق الثانى، ثم أخبر مكتب السكرتارية أن صحفيا يريد مقابلة المهندس، دقائق معدودة وظهر أمامى صاحب رواية جرافيت.

كان سؤال يلح فى البداية، كيف يوازن هشام الخشن بين الكتابة وأنه العضو المنتدب لشركة هندسية؟ عادة ما يرفض الكاتب العمل موظفا لأن ذلك يقيد حريته كمبدع يتسم بالقلق الدائم والرغبة فى التجديد، فما بالك إن كان يترأس عملا؟

كتب الخشن عمله الاول وهو على مشارف الخمسين من عمره بعنوان حكايات مصرية جدا فى العام 2009 والذى صدر عن الدار المصرية اللبنانية. يقول الكاتب عن العمل: «كتبته بالصدفة، وأعتبر أننى ما زلت كاتبا بالصدفة». ويستكمل: «تعرفت على شاب مصرى فى ألمانيا، وتخيلت قصته وأنا عائد فى الطائرة، فكتبتها، ثم قرأتها زوجتى، فشجعتنى أن أكتب. وقرأها صديقى الروائى عصام يوسف فطلب منى العمل لعرضه على الناشر، الذى وافق عليه بدوره فصار كتابا يقرأ، وهكذا صرت كاتبا».

إلا أن الكاتب جلال أمين رئيس لجنة تحكيم جائزة «البوكر» فى العام 2012 كان له رأى آخر، حين كتب فى مقال نشر على صفحات جريدة الأهرام بعنوان «ربيع عربى ولكن فى الأدب» أنه كان يود اختيار رواية «آدم المصري» للكاتب ضمن قائمة البوكر الطويلة لنفس العام، لكنه يضيف أنه اختلفت عليها آراء لجنة التحكيم. آمين رأى أنها الأنسب، على عكس ما يتصور الخشن أنه كاتب بالصدفة.

مؤلف رواية جرافيت أثبت أنه يملك روحا قلقة تبحث عن شئ مختلف حين قرر ترك العمل فى مجال الهندسة عام 2003، ليفسر ذلك قائلا: «مكنتش قادر أعيش حياة ميكانيكية كل يوم بعمل نفس الحاجات».

أسس الخشن على إثر ذلك شركة للتسويق الرياضى كانت هى التى نظمت مبارة مصر وبرشلونة ونظمت فعاليات كروية دولية فى مصر والوطن العربى إلى جانب أن الشركة تضم أكاديمية لتعليم الكرة بالتنسيق مع نادى برشلونة، الخشن أيضا يعتبر من أشهر وكلاء اللاعبين وكان الوسيط فى انتقال اللاعب أحمد حسن إلى نادى اندر لخت البلجيكي. ثم بدأ الكتابة عام 2009 ثم قرر العودة مرة أخرى إلى الهندسة ليصبح عضوا منتدبا فى شركة هندسية كبيرة إلى جانب ترؤسه مجلس إدارة شركة التسويق الرياضى، وعن ذلك التنوع يقول الخشن: «ناس تعرفنى رياضيا وآخرون يعرفوننى كاتبا والبعض لا يعرفنى إلا مهندسا».

يكرر الخشن كثيرا أنه لولا اصرار صاحب الدار المصرية اللبنانية على أنه كاتب، ومطالبته دائما بالجديد لما استمر فى الكتابة، ليكتفى بعمله الأول وفقط، إلا أنه تبع «حكايات مصرية جدا» رواية «ما وراء الأبواب» ثم «7 أيام فى التحرير» ثم «آدم المصري» والمجموعة القصصية «دويتو» وأخيرا «جرافيت».

يضيف الخشن قائلا: «حين كتبت رواية آدم المصرى، أصبحت أملك طموحا أكبر فى الكتابة». ربما كان ذلك سببا فى اصراره على أن تكون رواية جرافيت حالة مختلفة عن بقية أعماله، حيث استلزمت منه عامين لكتابتها، واعتمد فى كتابة أحداثها على 5 آلاف وثيقة، جمعها من أرشيفات مختلفة، وايضا مقابلات شخصية لأناس لهم علاقة ببعض أبطال العمل الحقيقيين.

من الصعب أن نطبق على الخشن فكرة أن الكتابة تخرج من رحم الألم، فالسير الذاتية للأدباء تسرد مجالات الوجع وقسوة الحياة وليالى الجوع والتشرد التى سبقت تفجر إبداعهم الادبى، إلا أن الخشن جاء من منطقة مختلفة تماما، ليقرر فجأة حين دخل إلى منزله الفاخر، فى المدينة الراقية أن يجلس على مكتبه ليمارس فعل الكتابة، ليحكى عما يعرفه.

الخشن يقول إنه تعود دائما أن يكون الأول، لذلك فهو يطمح أن يفوز بجائزة البوكر، تلك الجائزة التى جعلته ينظر إلى الكتابة من منظور مختلف، أجبره على تقطيع رواية كان قد كتب صفحاتها الأولى ليعيد كتابتها من جديد، مفسرا ذلك أن هناك مسئولية أكبر وقعت على عاتقه بعد اعلان القائمة الطويلة.

خرجت من مكتب الخشن فأذنته فى صورة تجمعنا، فأشار إلى سكرتيرته الحسناء لتلتقط لنا صورة تذكارية، وحين كان ينتبه للكاميرا كنت أتأمل الحسناء ، متعجبا من غواية الكتابة.

حمور زيادة

حمور زيادة

حمور زيادة: جئت لأحكى حكاية ممتعة وأذهب

 

الثلاثاء 13 يناير 2015

الساعة الرابعة عصرا

مقهى ركن الجنوب/ محافظة القاهرة.

على مقهى ركن الجنوب فى محيط ميدان التحرير، قضى الروائى السودانى حمور زيادة سنوات مضت، كان المار بجوار المقهى يميزه بين الجلوس، وهو يمسك ورقاته جالسا بالساعات يعدل فى روايته أو ربما مجموعة قصصية قبل أن يدفع بها إلى المطبعة.

حين حضر إلى القاهرة فى العام 2009، لم يكن يعرف ماذا يخبئ له الغد؟ وحين رحل عن السودان وفى الخلف أصدقاؤه وأحباؤه وحكاياته، ليعيش فى بلد لا يعرفه فيها أحد، لم يكن يتخيل أنه سيأتى يوم يكون فيه حديث الناس فى ذلك البلد.

يقول عن نفسه: «عملت فى منظمات المجتمع المدنى حوالى عشر سنوات، وموظفا فى وكالة سفر وسياحة، بقطع تذاكر، وفى مراكز خدمات كمبيوتر، واشتغلت مزارعا، وبائعا فى محل، وعاملا فى مصنع، ومترجما مع بعثة أثرية، عملت فى أشياء كثيرة جدا، لم أعد أتذكرها».

بدأ زيادة حياته طفلا يرسم الكوميكس فى مرحلة التعليم الابتدائي، ثم كانت له محاولات بدائية لكتابة الشعر أثناء مرحلة التعليم الاعدادي، ثم توقف تماما حتى عام 1997، فى ذلك العام فكر زيادة فى الكتابة، ويفسر رغبته تلك قائلا: «حسيت إنى شفت كتير، ولقيت نفسى عاوز أحكى حكاية، فابتديت أكتب»

يستكمل زيادة حديثة مع رحلة الكتابة، مؤكدا أن النشر لم يكن يشغله فى السنوات الأولى للكتابة، حتى كان العام 2005 حين اختيرت الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، فى ذلك العام رأى أن الوقت مناسب للنشر، فقدم أوراقه التى كتبها لإحدى الجهات المسئولة عن النشر فى السودان، إلا أنها تجاهلته، فقدمها لثانية، وثالثة، فلم يجد إجابة، فعاد ليغلق الباب على فكرة النشر مرة أخرى، حتى دخل العام 2008.

يقول صاحب رواية شوق الدرويش: «مكنش فى دماغى نشر لغاية ما نشرت فى 2008، والموضوع كان بالصدفة».

فى ذلك العام حضر زيادة إلى القاهرة لظروف أسرية، فنصحه ابن خالته الذى شاركه شغفه بالقراءة ورحلة الكتابة بطبع مجموعته القصصية فى مصر، وعن تلك التجربة يقول زيادة:»ما اهتمتش إنى آخد نسخة معايا، لكن فى القاهرة راودتنى الفكرة، ومن حسن الحظ وجدت نسخة على الميل الشخصى فعرضتها على دور النشر الكبيرة فى القاهرة، فاستغربوا أننى اطلب ردا فى خلال اسبوع، نظرا لأن فترة إجازتى قاربت على الانتهاء، ثم نشرت فى دار نشر جاء ردها فى خلال يومين، مقابل دفع تكاليف النشر». بعد ثلاثة أسابيع من ذلك التاريخ استلم حمور كتابه القصصى الأول فى السودان، لكنه يضيف ساخرا: «ما اعتقدش إنى بعت من المجموعة دى غير أربع نسخ، الباقى وزعته هدايا».

فى العام 2008 أيضا قرر الكاتب السودانى التفرغ للكتابة، ولتحقيق تلك الرغبة صحبها قرار آخر بالسفر إلى القاهرة، ويفسر الكاتب رحلة انتقاله أنها محاولة لتحقيق نفسه أدبيا، ويضيف قائلا: «كانت هناك عدة عوامل لذلك القرار، منها أن الوضع فى السودان أصبح غير مريح وغير آمن، فأين الوضع الافضل؟ وبالنسبة لى كانت القاهرة هى المكان الذى أعرفه تماما، بالتالى كانت هى الخيار المنطقى».

ويستكمل زيادة حديثه عن القاهرة قائلا: «نزلت هنا لا أعرف أحدا، وبعد خمس سنين، فزت بجائزة نجيب محفوظ، وبالصدفة، كانت احتفالية الجائزة السنوية هى الفعالية الأولى التى حضرتها فى القاهرة».

نشر حمور روايته الأولى قبل ثورة يناير بشهور، وصدرت عن دار ميريت بعنوان «الكونج».

ثم بعد ذلك بثلاث سنوات نشر رواية «شوق الدرويش» والصادرة عن دار العين، والتى قال البعض إن زيادة كتب عن الثورة المهدية فى ذلك الوقت لتشابه حالتها مع تنظيم داعش، لكنه يرفض هذه الرؤية، ويفسر ذلك التشابه قائلا: «اكتب عن أى حاجة سيئة فى القرن الثامن عشر أو التاسع عشر فى المنطقة، ستجد إما أنها تكررت فى السبعينات أو الثمانينات، أو ستتكرر بعد شهرين، نحن فى منطقة علقنا فيها فى فخ الماضى، وبالتالى سؤالات الماضى إذا أعدت طرحها فى الوقت الحالى ستوافق اشكالات الحاضر».

ومع علمه بخبر الجائزة والشهرة التى حققها فى الوطن العربى يقول حمور: «نفسى أبقى كاتب مقروء، لكن أما أمشى فى الشارع محدش يعرفنى».

يفسر حمور رغبته تلك بأن الشهرة مسألة مرهقة جدا. تنتهك خصوصية صاحبها، ومرهقة أيضا فى اجبارك على التعامل مع من لا تعرفهم ولكنهم يعرفونك بشكل حسن، لأن ذلك حقهم عليك، بغض النظر عن إحساسك تجاههم لحظتها، ويضيف حمور مسألة ثانية، حيث يعتقد أن هذه المعرفة تؤثر على القارئ سلبا أو ايجابا، فلو استلطف شخص الكاتب سيحب كتابته، والعكس بالعكس.

حمور يصنف نفسه أنه من أنصار مدرسة الحكائين، يقول عن نفسه: «جئت لأحكى حكاية ممتعة وأذهب، أعتقد أن الكتابة خلود، وأتمنى أن أنجح فأخلد، ولما أخلد يقال عنى، إنه حكى حكايات ممتعة».

أشرف الخمايسي

أشرف الخمايسي

أشرف الخمايسي: الأقصر تمثل الخلفية المظلمة فى حياتي.

 

الأربعاء 14 يناير 2015

الساعة الخامسة مساء

معبد الكرنك / محافظة الأقصر

«الأقصر إذا كان ليها دور فى تكوينى فهى الخلفية المظلمة فى حياتي» هكذا أجاب أشرف الخمايسى على استفساري. إذ اعتقدت أن اختياره ضمن قائمة البوكر الطويلة وهو فى زيارته للأقصر ربما يمثل له شيئا، لكنه أصر على تأكيد أنه قاهرى، وأنا الأقصر تمثل ذكريات الماضى، التى كانت قسوتها سببا فى الكتابة.

720 كيلو متر، وتسع ساعات قضيتها فى الطريق من الأقصر إلى القاهرة، كنت أود من السفر كل هذه المسافة لو وجدت شيئا مختلفا أكتبه، عن الروائى الذى وصل لقائمة البوكر لعامين على التوالى، وظهر فى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد عن نفس العام. حين هاتفته من القاهرة لم يقل سوى كلمة واحدة وكان يرددها طول المكالمة: «مش هعمل حوارات تانى للصحف». هنا لم أجد سبيلا إلا أن أخبره بقدومى للأقصر لمقابلته، وقررت الا أنتظر عودته للقاهرة فى خلال أيام.

يثق صاحب انحراف حاد أن رحلة الكتابة مسألة أعمق من لحظة الكتابة نفسها، فيقول إن الحكاية التى ترويها والدته عن ولادته ربما كانت بداية الرحلة.

ولد الخمايسى فى أعقاب الحرب بين مصر واسرائيل فى العام 1967، يحكى عن ذلك اليوم: «تقول أمى أنى ولدت وصفارات انذار هجوم طائرات اسرائيل على مطار الاقصر تدق، وكأنى أتخيل المشهد، هل اندمجت مع حكاية أمى لدرجة احساسى بالرؤية؟»

يقول الخمايسى إنه يلزم لكل مبدع تفجيرا للحظة إبداعه، والتى تكون دائما فى الطفولة، وهذه اللحظة يمثلها الألم، ويرفض الكاتب ارتباط الألم بالفقر، فالغنى أيضا يشعر بلحظة الألم تلك.

وعن الألم يحكى الخمايسي: «أنا نتاج تربية قاسية من أب قاس، وكسرتنى هذه القسوة فى طفولتى . لذلك نشأت منطويا، أحب العيش بعيدا عن الناس، دائما كنت أشعر أن أولاد القرية أفضل منى، فتحولت للتعامل مع كل ما هو صامت، مثل الشجر والحيوانات».

الألم لم يكن فقط فى قسوة الأب، لكن أيضا فى الحياة الزاخرة بالتجارب منذ الكاتب طفلا، فقد عمل الخمايسى فى صحراء العامرية وهو طالب فى المرحلة الاعدادية، . ثم انضم لعمال الفاعل وهو فى الثانوية العامة فى نقل الطوب والرملة، ورعى الغنم لفترة فى نجع الخمايسة بمحافظة سوهاج. أعمال كثيرة لا يتذكرها، اشتركت جميعها فى القسوة التى أعطته خيط الحكايات، ليرويها بعد ذلك بسنوات».

نشأة الخمايسى فى الأقصر أعطته بدائل أخرى للعزلة، ومحادثة الصمت، فيقول عن معابد الأقصر: «لم أكن أحضر للمعابد أو معبد آمون بالتحديد أو الكرنك أو البر الغربى حتى أتأمل الأحجار، فقط كنت أشعر أنها أماكن عزلة صالحة، تأخذك لعالم آخر».

لكن الخمايسى لم يكن يدرك حينها أن هذه العزلة ستكون سببا فى لحظة الكتابة.

فى ذلك النهار بعد أن أنهى دراسته فى المعهد الفنى الصناعى، عاد الخمايسى إلى الأقصر، أو بالأحرى إلى عزلته، وجلس فى الحديقة المقابلة لمسجد «أبو الحجاج» الذى ينتصف معبد آمون، هناك قابل رجلا أحال صمته كلمات مكتوبة، يقول الخمايسى عن ذلك اللقاء: «وأنا جالس أمام مسجد الحجاج عند معبد آمون إذا برجل كبير السن حضر تجاهى واستفسر عن سر جلوسى وحدى، فأخبرته أنه ليس لى أصدقاء فى الأقصر، فسألنى إن كنت أكتب. فأجبت أننى أملك محاولات فى الكتابة، فطلب منى أن أحضر إلى نادى الادب فى قصر ثقافة الاقصر، وعرفنى بنفسه أنه محمود منصور رئيس النادي. وهذه كانت البداية».

يقول الخمايسى عن هذه الفترة: «لمدة خمس سنين كنت أروح نادى الأدب أندبح وأطلع، وكل اسبوع أروحلهم بقصة جديدة، لغاية ما أخدت كلمة رأيتها حسنة من المرحوم حسين خليفة، قال: يا أشرف انت بتكتب حاجة يا هتحسب ليك يا هتحسب عليك. وكانت كلماته محفز بعد سنوات خمس من نقد ما أكتب».

أثناء حديثى مع الكاتب داخل معبد آمون صمت قليلا ثم قال بنبرة من تذكر شيئا مهما: «اللى يعتقد إنى بتكلم الكلام دا بمرارة أو إن تصرفاتى نابعة كانعكاس نفسى أو تفريغ كبت يبقى ما فهمنيش صح، لأن أنا إنسان بحب الحياة، ورغم كلامى عن أبويا فأنا واثق إن الحياة من غيره لا يمكن هتبقى جميلة».

ثم أضاف بثقة العارف: «أنا عاوز أثبت إن كل بنى آدم ينوح فى زمن قادم ويقول أنا ما نجحتش لان العالم كان مظلما فأنا بقوله الفشل فشلك أو إنت عشان فاشل فتفضل الارتكان لعمق الطفولة أو قسوة المجتمع».

الخمايسى يعتبر أنه لولا قسوة الأب لم يكن لينطوى ولولا الانطواء لم يكن ليتأمل ولولا التأمل لم يكن ليكتب، والكتابة هى التى جعلته ما هو عليها الآن»

IMG_8395

منى الشيمي:الكتابة تمثل لى حربا صامتة ضد تجاهل المجتمع

 

الجمعة 16 يناير

الساعة الواحدة ظهرا

الغردقة/ محافظة البحر الأحمر

قرأت عن الجبال، لكن الرؤيا تختلف، على مدار 4 ساعات قطع بنا الميكروباص الطريق، تخلله ساعة تقريبا بين صفين من الجبال فى المسافة من محافظة قنا الى الغردقة، أعرف أن الحضور إلى هذا المكان سببه مشاهدة البحر، لكن سؤالا دار بذهنى، لماذا لا تكون الجبال هى المقصد؟ ربما كان ذلك المنظر الذى لن تجده إلا فى محافظات قليلة جدا فى مصر هو السبب فى أن تكتب منى الشيمى روايتها «بحجم حبة عنب».

فى نجع حمادى كان مولدها بمحافظة قنا، نعرف أن المرأة فى الوطن العربى عامة وضعها حرج، وفى مدن الصعيد لا حديث من الأصل عن وضع يذكر. فحين نتحدث عن امرأة ولدت فى قنا ثم قررت أن تخوض غمار رحلة الكتابة لتصل إلى المنافسة على الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر فإن المسألة فى ذلك الوقت تحتاج منا لحظة تأمل.

قصة حب نشأت فى الجامعة لم تكتمل، لأن والدة الحبيب رأتها فتاة متحررة أكثر من اللازم لفتاة جنوبية، ورحلة زواج كانت محاولة لمداواة الجرح لكنه لم يندمل، لأن الزوج هو أيضا كان مشغولا بقلب آخر لم يستطع الفوز به، فكان زواجهما صورة أمام المجتمع، يخفيان خلفها شوقا ألم بكليهما. وبعد سنوات من السبات المجتمعى جاءتها الاجابة فى الحروف. حين سألتها عن لحظة الكتابة تذكرت شخصا شجعها على التقدم لوظيفة بالقناة الثامنة المصرية، والتى كانت تبحت عن معد لحلقات أحد برامجها، فى تلك اللحظة تحركت الشيمى من سبات الكرسى الذى تجلس عليه، والتى لا تختلف حياتها كامرأة تعيش فى جنوب مصر عنه.

لما راودتها تلك اللحظة ونحن نتحدث ابتسمت فقالت: «وأنا بكتب أفكار البرامج حسيت إنى بعمل حاجة تسعدنى».

تجربة العمل معدة فى التليفزيون لم تكتمل، لكن رحلتها مع الكتابة قد بدأت، فاتجهت لكتابة القصة القصيرة، وبعد نصيحة من الأصدقاء بدأت فى ارسال خطاباتها إلى صحف القاهرة محملة بما كتبته، ثم قرأت أعمالها منشورة، ثم هاتفها المعارف والأهل فى نجع حمادى معبرين عن دهشتهم طارحين سؤالا مهما: «إنت اللى بتكتبى القصص دي؟». ردها بكلمة «أيوة أنا» كان اللحظة الأولى منذ سنوات طويلة التى تشعر فيها أنها أصبحت ذات كيان، يستحق أن تسبق تعريفه بكلمة أنا، ولما سألها زوجها ردت بنفس الرد: «أيوة أنا». كلمتان من سبعة حروف، لكن الحروف كانت تخرج من شفتيها مبتسمة، «أيوة أنا».

كنا نجلس على البحر فى مكان منعزل تفضل أن تأتيه بعيدا عن الناس، صمتت قليلا ثم قالت بعفوية من يعرف الاجابة مسبقا: «الكتابة بالنسبة ليا كانت حرب صامتة، لأن بها كنت بنتقم من كل اللى تجاهلونى، الست فى الصعيد مهمشة، فكون انى اسمى يطلع فى الجرنال دى حاجة ليها صدى عندنا».

عادت للصمت مرة أخرى ثم ابتسمت وهى تتذكر جارها فى النجع والذى لا يعرف عن الصحف سوى أنها تسرد مشاكل الناس، تذكرته وهو يصرخ بها فى الشارع قائلا: «ياست منى، اكتبلنا فى الجرنال عن مشكلة المجاري».

لكن فى الخلفية كان صحفيا من قنا يتعجب ذلك الصعود لفتاة يقولون أنها تكتب كتابة جميلة، لأن المرأة فى الصعيد لا يجب أن تفعل شيئا سوى الجلوس تحت قدمى الرجل، فقرر الصحفى الجنوبى أن يكتب مقالا نشر على صفحات جريدة القاهرة منذ سنوات، سأل فيه سؤالا حمل خبثا حين سأل، لماذا تنشر الصحف قصصا لفتاة؟ كأن الفتاة لا يحق لها أن تبدع، وإن أبدعت فمن المؤكد هناك مقابل، المقال طال كل كاتبات قنا فى تلك الفترة، فتوقفن جميعا عن الكتابة بضغوط من الأهل، وتوقفت منى الشيمى أيضا، لكنه توقف لم يطل، عادت لتبحث عن نفسها من جديد، ضاربة بعرض الحائط أضغاث أحلام رجال الجنوب.

لكنها رغم ذلك لا تخجل تعبر عن حبها إلى قنا، فتقول عن أرضها: «فيه حاجة كده بتخص قنا، أرض قنا صلبة، حتى إن نهر النيل التف حولها ومقدرش ينحتها نهائيا، وناسها كده فى منتها الصلابة».

ربما كانت رؤيتها عن قنا فى نظر البعض مجرد كلمات، لكن حروفها صدقها ما حدث مع زوجها ووليدها ذى السبعة عشرة ربيعا. إذ مرض الاب بالكبد، وأصاب الابن سرطانا فى الدماغ، فكانت صلبة تداويهم، دون أن تسقط على مدار سنوات، تحكى عن تلك الفترة قائلة: «كنت أنزل من شقتى فى الدور الرابع مسندة جوزى على كتفى أروح بيه المستشفى عشان العلاج، أرجع بيه وبعد دقايق أنزل بابنى هو كمان، كنت لما بعدى فى الشارع كانت الناس بتقف، محدش كان يقدر يقعد وأنا ماشية، الكل مستغرب، لكن محدش فكر مرة يمد إيده ويساعد».

بعد وفاة الابن لحقه الأب سريعا، فتركت الشيمى محافظة قنا فى زيارة لأخيها فى مدينة الغردقة منذ عامين، وطالت الزيارة ومن ساعتها لم ترجع، حتى ملابسها تركتها، لا تود أن تتذكر ما كان، لكنها كتبته فى روايتها «بحجم حبة عنب» التى استوحت قصتها من جزء صغير من رحلتها الطويلة مع الوجع.

 

«أرشيف» نقلا عن العدد الورقي رقم 761 الثلاثاء 20 يناير 2015