عشرة مشاهد لا تنسى في سينما محمد خان أحمد شوقى   هذه المشاهد وليدة استطلاع رأى بسيط قمت به قبل أعوام على موقع فيس بوك عندما كنت أعد دراسة لتكريم

2016_7_26_16_57_29_794

عشرة مشاهد لا تنسى في سينما محمد خان

أحمد شوقى

 

هذه المشاهد وليدة استطلاع رأى بسيط قمت به قبل أعوام على موقع فيس بوك عندما كنت أعد دراسة لتكريم محمد خان فى مهرجان الاسكندرية، مجرد سؤال بسيط عن مشهد لخان لا يُمحى من الذاكرة، انهالت بسببه مئات التعليقات، من سينمائيين ونقاد ومحبين للسينما. عدد مشاهد وعدد معلقين مذهل جعلنى أدرك قدر هذا الرجل فى قلوب الجميع كل على طريقته وحسب ذوقه. هذه هى القائمة التى اختارها أكثر من 25 شخصا، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر المخرجون نادين خان وأمير رمسيس ومحمد العدل ويوسف هشام، المؤلفون محمد أمين راضى وتامر حبيب ومحمد سليمان عبد الملك، الممثل وليد فواز، والنقاد رامى عبد الرازق ومحمد عاطف وأسامة عبد الفتاح ورامى المتولي.

 

 

1

(1) حوار بالعيون وطائران – طائر على الطريق

بعد أن تحمل سخافات زوجها الإقطاعى العصبي، واستمع لتحذيرات السائق العجوز وهو يصر على الذهاب مجددا ليحضرها بسبب قوة تدفعه لا يمكنه فهمها، وبعد أن حاولت هى التملص من الذهاب معه لعلمها بأن شيئا ما يتحرك داخلها تجاهه، وبعد أن تم حجز الزوج للعلاج فى القاهرة، يجد فارس نفسه لأول مرة وحيدا مع فوزية فى سيارته. يمد يديه ليستخدم الأداة الدرامية الأهم فى المشهد وفى الفيلم ككل: المرآة، يعدل من وضع مرآة السيارة الجانبية والداخلية، ليوجه الاثنين نحو عينى الزوجة الجميلة والحزينة، ليدور بينهما حوار بالعيون، ليصله عذابها وحياتها التعيسة، فما يكون منه إلا أن يبدأ حديثه معها بأغرب جملة ممكنة: أنا آسف.

فارس تأسف لفوزية على حزنها، على الهم الذى تحمله رغما عنها، وعن حياتها مع رجل متسلط عسير المعاشرة كزوجها، ليتزامن الأمر مع تخطى فارس لجنديين يشيران له بالوقوف، معتبرا الأمر احتراما للسيدة، ولكن هذا التصرف يثير فيها الذكريات، لتبدأ مع تصاعد موسيقى كمال بكير الحزينة فى إلقاء تساؤلات تخيلية، لا يمكن إلا أن تكون عن حبيب قديم حُرمت منه لصالح زيجتها التعيسة، لتخرج الكاميرا وترصد السيارة من الخارج، تقطع الطريق قطعا، وداخلها طائران: أحدهما الطائر على الطريق الذى وجد حبه أخيرا، وثانيهما طائر حبيس فى قفص ذهبي، دفعته الظروف للتعاسة، ودفعه الحب للثورة.

 

2

(2) قتل وانتحار ومسقعة – موعد على العشاء

انتهى كل شيء لدى نوال بموت حبيبها وزوجها الثانى شكرى بأوامر زوجها الأول عزت، هى الوحيدة التى تملك اليقين بأنه القاتل، لكنه أمّن موقفه جيدا. تطلب نوال من السكرتيرة أن تجعله يتصل بها فور عودته. الطلب يشعر الرجل المهووس بالامتلاك أنه قد انتصر، كيف لا وقد حصل على كل شيء من قبل بالقوة دون حساب؟

تحدد نوال موعدا للقاء فى منزل الزوجية، وتذهب للتسوق فتشترى باذنجان وخضراوات، وعلبة من السم! ليبدأ التتابع البديع الذى يستمر لاثنتى عشرة دقيقة كاملة. بهدوء ممزوج بالحسرة واللذة تعد نوال المسقعة التى يحبها عزت، مرتدية فستانا داكنا يوحى بحداد مكتوم، تخلط كل شيء وترش السم ثم تضعه بالفرن، ودقات البيانو المتثاقلة تنقل لنا شعور الترقب. تغير ملابسها لترتدى تاييرا يعطى انطباعا باستقبال شخص عزيز، وتخرج لعزت الذى فتح الشقة بمفتاحه ودخلها بأريحية. التايير يسعد عزت فهو من اشتراه لها، ولونه الأزرق الصاخب يجعل صاحبته لامعة داخل المشهد وهى تعترف لزوجها السابق بأنها قد استسلمت له، لتأخذه الجلالة ويظهر ما يبطنه من استحالة استغنائه عن ملكية زوجته الجميلة، وعندما يرغب فى تقبيلها بشغف من لا يعرف مصيره، لكنها تصر على العشاء قبل أى شيء.

الثقة والغرور يجعلانه يأكل باطمئنان، ولكن ذكره لشكرى يصيبها بالاضطراب فيبدو عليها القلق، يتسرب قليل من الشك لعزت فيصر على أن تأكل أمامه من المسقعة، تتردد للحظة واحدة قبل أن تمد يدها لتغترف من الأكل وعينيها فى عينيه، ثم تصعد الكاميرا بهدوء لتتابعها وهى تأكل دون تردد، الصمت يخيم على كل شيء ويجعل المشاهد جالسا على أعصابه، أما نوال نفسها فلم تعد بنفس القلق، قد حسمت أمرها وانتهى الأمر: حياتها ثمن بخس مقابل الانتقام ممن دمر هذه الحياة. تأكل بنهم يدفع عزت للاطمئنان فيأكل هو الآخر مبديا إعجابه بالطعم، وعندما تتأكد نوال من أنه أكل كمية كافية لتحقيق هدفها، تخبره بهدوء شديد بوجود السم فى الطعام.

عبقرية المشهد تنبع فى الحفاظ من اللحظة الأولى وحتى النهاية على هذه الشحنة العاطفية المركبة، والتى تجمع بين منتهى التوتر ومنتهى الهدوء، والتى تتوج بعد اعتراف نوال بثبوت وضع البطلين، ثم القطع على زاوية ترصدهما من مكان أبعد، ثم أبعد، ثم ترصد صورة زواجهما على الحائط بعدما صارا بالفعل مجرد ذكرى.

 

3

(3) المباراة الأخيرة – الحريف

لم يعد من الممكن أن يبقى الحال كما هو عليه، فارس تمكن أخيرا من كسر جبل الجليد بينه وبين دلال بقبلة المطبخ التى لا تنسى، ويستعد لوظيفة انفتاحية ستغير حياته للأبد، شاهد ماضيه فى الحريف الجديد الذى يستعد لتدشين موهبته، وشاهد مستقبله لو استمرت حياته على وضعها السابق فى الكابتن القديم مورو وحكاية يرويها له عن حريف آخر تحول لمدمن. فيقرر أن يكون اليوم التالى هو يوم التغيير.

يأخذ دلال وبكر ووالده وزوجته لرحلة للاسكندرية، ولكن قبلها يجب أن يلعب مباراة الوداع. يسخر منه سمسار المباريات الأعرج متحدثا عن الحريف (القديم والجديد)، وفارس يقرر ألا يترك الساحة مهزوما فى الملعب، ولا يترك الحياة مهزوما بالاستسلام لمصير الكباتن السابقين. يعلى من قيمة التحدى عندما يصر على اللعب مع الفريق الخاسر ضد الحريف الجديد، وصيحات المشجعين تتصاعد لتملأ ميدان عبد المنعم رياض، بينما تتنقل الكاميرا لرصد أطفال يأكلون فى الشارع، ربما يصير أحدهم بعد سنوات حريف المستقبل الذى يستلم الراية. يبدأ فارس اللعب وفى الخلفية موسيقى «الشوارع حواديت»، ليسجل هدفا تلو الآخر حتى يدرك التعادل.

السمسار يصرخ مطالبا الحكم بإنهاء المباراة، ولكن الحكم يتواطأ بمنح الحريف فرصته الأخيرة، نسمع صوت لهاثه يتصاعد، لننتقل من موقع الراصد لنصبح داخل فارس نفسه، نشعر بأنفاسه وهو مقدم على آخر تسديدة فى حياته، يمر من لاعب تلو الآخر حتى يسجل الهدف الأكثر إهانة للخصم: يدخل المرمى بالكرة، يحتضنه بكر ويسأله عما إذا كان سيلعب من جديد، فيرد فارس «خلاص يا بكر.. زمن اللعب راح»، فمن هذه اللحظة لم يعد فارس الحريف، ولكنه نضج أخيرا وقرر خوض لعبة الحياة بقواعدها الجديد.

 

4

(4) هذه ليست أمريكا – مشوار عمر

فى منتصف الفيلم بالضبط، وبعد أن تمكن عامل البنزينة القروى الساذج من إنقاذ عمر الثرى الذى لم يعتد أن يرى العالم إلا من وراء زجاج سيارته الفارهة، ليكتشف أن هناك من هم مستعدون لقطع أطرافه فقط ليسرقوا خاتما ذهبيا من اصبعه. عمر يكتشف أنه هش رغم كل مظاهر القوة البادية عليه، أنه معدوم الخبرة يحتاج لمن يحمى ظهره فى هذه البيئة القروية الموحشة، ولكنه يحتاج أيضا وهو الأهم لشخص كعامل البنزينة، واسمه عمر أيضا، ليمارس عليه ألاعيبه البرجوازية. عمر بحاجة فى ضعفه النفسى لشخص يجلس بجواره منبهرا بكل ما يفعله، شخص ترتفع حواجبه للسماء عندما يفتح الثرى سقف سيارته، ولهذا يعرض عليه أن يعمل معه، مساعدا أو سكرتيرا أو أيا كان المسمى، المهم هو تواجد هذا الإنسان ليلعب دوره فى إنقاذ البقية الباقية من انضباط عمر النفسي.

خلال عرض الوظيفة على العامل يتصاعد صوت راديو مونت كارلو بأغنية دافيد بوى الشهيرة «هذه ليست أمريكا»، موسيقى دالة على تكوين البطل النفسي، وكلماتها التى تقول «جزء صغير منك وسلام صغير بداخلي.. سيموتان»، تعبر بأفضل صورة ممكنة عن حال عمر وعمر. يصلان للبنزينة فينزل العامل لمواجهة رئيسه الغبي، الذى لا ينتبه ويكيل له السباب، فيرد عليه عمر برمى دراجة العمل فى وجهة والرحيل، بينما يتصاعد من راديو محطة البنزين صوت سعاد حسنى يغنى «الدنيا ربيع والجو بديع»، وبتطابق لالالالالا التى تقولها سعاد مع Sha-la-la-la-la التى يقولها دافيد بوي، نعرف أن طريق العمرين قد أصبح واحدا، ولو بشكل مؤقت.

 

5

(5) سيارة معطلة وثمرة يوسفى – خرج ولم يعد

ماذا تفعل لو كنت سائرا بسيارتك وتعطلت فجأة؟ هناك العديد من الاحتمالات الممكنة، لكم ما لا يمكن تصوره هو أن تقوم بهدوء بفتح باب السيارة واستخدامه ككرسى تجلس عليه تأكل ثمرة شهية من اليوسفي. التصرف الذى قام به كمال بك بتلقائية وخفة ظل يعكس بهدوء طبيعة العالم الذى وجد عطية نفسه واقعا فيه، قبل أن يصبح واقعا فى هواه. عطية الذى تعلم فى المدينة أن تكون كل التصرفات منطقية بشكل براجماتى لا يتخيل مثل هذا التصرف، وعندما يأتى ليسأل البك عما حدث يأمره الأخير بأن يفتح الباب الخلفى ويجلس ليتحدث معه.

لا مكان هنا لحسابات الوقت التقليدية، ولا لتبديل السيارة العتيقة بأخرى أحدث لن تفيد صاحبها بشيء سوى التظاهر، وليس البك بحاجة لطلب المساعدة لأنه يعلم أن أحدهم سيمر بالتأكيد خلال دقائق بجرار ليسحب العربة، لذلك فبينما يفكر عطية فى عمر السيارة وكيفية إصلاحها، وفى موعد بيع الأرض وقبض المال ليعود للقاهرة التى لم يعش خارجها، يحدثه كمال بك عن أمور أخرى، عن السعادة فى الريف التى لا تقارن حتى بالعيش فى أوروبا، وعن رغبته فى وجود صديق بجواره، ليطلب من عطية البقاء ليومين أو ثلاثة فقط، ولكنه يختم حديثه بأنه سيجعله يتذوق أفضل خوخ فى مصر خلال الصيف القادم، فهو يعلم جيدا أن اليومين اللذين سيوافق عطية على قضائهما مجبرا، سيتحولان لفترة أكبر بكثير مما يعتقد!

 

6

(6) غرف خاوية – عودة مواطن

بعد أعوام من الغياب فى الخليج عاد شاكر إلى أشقائه الأربعة حاملا الكثير من الأحلام، واهما أنه لا يزال مؤثرا فى حياتهم كما كان قبل أن يهجر البلاد، دون أن يتصور أن الغياب الجسدى يصاحبه غياب معنوي، وأنه صار فى أذهانهم مجرد غريب أتى لحياتهم ليس من حقه التدخل فيها، أو مصدر للمال اللازم لبدء مشروع ما، أو رفيق ثرثرة لتفريغ بعض الإحباطات والرغبات المكبوتة. الأمر لا يقتصر على المنزل، بل يجد شاكر نفسه منتزعا من كل شيء، عمله السابق تحول لكباريه، وحبيبته السابقة تزوجت بصاحب الكباريه، والمقاول الذى اشترى منه شقة اتضح كونه نصابا أخذ منه المال وهرب.

شاكر المصدوم فى كل من حوله يحاول أن يلوذ بفكرة الصحبة، يتمسك بمنزل العائلة ويرغب فى مشاهدة شقيقيه وشقيقتيه حوله، ولكنه حلم مستحيل فى ظل امتلاك كل منهم لحياته الخاصة التى اكتشف الأخ الأكبر أنه لا يعلم عنها شيئا. فوزية تأخذ منه المال لتؤسس مشروعها وتستقل بحياتها، ونجوى تتزوج بحبيبها بعد أن أجرا معا شقة وقاما بتأثيثها دون أن يضعا موافقة شاكر أو عدمها فى اعتبارهما، وابراهيم يدخل مصحة للعلاج من الإدمان الذى تحول إليه بسبب البطالة والإحباط، وحتى مهدى الذى كان يراه مصدرا للأمل والتفاؤل، يدخل السجن بعد اكتشاف عضويته فى تنظيم سياسى سري.

الضربات المتتالية لتصور شاكر عن العالم تنهى حتى الصحبة المزعومة فى منزل العائلة، ليجد نفسه لأول مرة منذ عودته وحده تماما فى المنزل الكبير. يدخل شاكر المنزل الخالى الذى يسيطر عليه الظلام على العكس من حالته السابقة، ينير شاكر الردهة ثم يفتح باب غرفة الفتيات، يمسحها بعينيه ليمر على صورة فوزية ونجوى فى الطفولة المعلقة على الحائط، يتجه لغرفة الأولاد فيمسحها من جديد ليشاهد لوحات مهدى ورقعة شطرنج ابراهيم والسرير الذى كان يقضى جل وقته نائما عليه. ثم تبدأ الكاميرا عملية مسح ثالثة لغرفة الوالدين التى صارت غرفة الابن الأكبر، التليفزيون العتيق وصورة الزفاف الآتية من زمنٍ ماض وكل ما فى الغرفة يؤكد أن الوقت قد فات. ليلقى شاكر نفسه على السرير فى استسلام للوحدة التى لم يكن يتوقعها.

 

7

 

(7) الخروج الأخير – زوجة رجل مهم

كل الأقنعة سقطت عن بكرة أبيها، ولم تعد هناك أى مساحة للخداع أو للتواطؤ أو حتى للتعاطف بين منى وزوجها هشام الذى كان رجلا مهما. العالم كله صار يعلم أن هشام تم فصله من الخدمة بسبب تعامله الوحشى مع انتفاضة يناير، ومحاولاته اليائسة للتظاهر بأن أمرا لم يكن فشلت بجدارة، وحتى الحد الأدنى من احترام الموقف الذى حاولت منى أن تتمسك به، انتهى أمره عندما وقف هشام يتظاهر بالغضب لأن زوجته تأخذ مالا من والدها، لتصدمه بالحقيقة التى ينكرها، وهى أن معاشه الشهرى لا يكفى احتياجات المنزل وأنها تستدين لتطعمه، ثم تقرأ له الجريدة بحيثيات الحكم التى تؤكد تورطه فى تلفيق التهم وتنهى فرص عودته للعمل، وعندما يبدأ فى ضربها لا تجد ما تفعله إلا اللجوء لجارتها.

التتابع يبدأ بهشام مهندما يرتدى حلة أنيقة ويصفف شعره، يدق باب الجارة ويطلب منها إبلاغ منى باعتذاره ودعوته لها على العشاء، يأخذها ليشترى لها حذاءً جديدا ثم لمطعم يتناولان فيه وجبة من اللحم تعيد ذكريات خطوبتهما عندما كان يحاول إبهارها بقدراته. الموسيقى تنذر بوقوع شيء ما خاصة وأنهما لا يتبادلان أى جملة حوار فى الخروج الذى يفترض أن يرآب الصدع بينهما. تطفئ منى سيجارتها لنرى انعكاسها فى زجاج نظارة هشام الذى ينظر لها نظرة من يقوم بالانتقام، فشهوة الشعور بالسطوة أصبحت مرضا يفوق أى تعاطف إنساني. تكتشف منى ما حدث عندما يعودان للمنزل لتجد شقة جارتها وقد أغلقت بالشمع الأحمر، لتعلم أن دعوة هشام لها كانت لإبعادها عن الشقة التى أبلغ عن كونها وكرا للقمار، فقط لينتقم من المرأة التى فتحت بابها لتنقذ زوجته من براثنه.

التتابع المصنوع بعناية وظفت فيها أحجام اللقطات وتكوينها والموسيقى التصويرية بأفضل صورة ممكنة لبناء شحنة من الترقب والقلق تتناقض مع مضمون المشاهد نفسها التى تبدو كخروجة عادية، يعد بمثابة تمهيدا مثاليا لمشهد النهاية الذى يليه، والذى يقوم فيه هشام بإنهاء حياته منتحرا بعدما قاده جنونه للمزيد من الجرائم.

 

8

(8) سيجارة للماضى – أحلام هند وكاميليا

بعد أن قضى عمره بالكامل صعلوكا بلا جذور ولا التزام وقف عيد لأول مرة على أرض صلبة، لأول مرة يشعر بالالتزام وأن حياته يجب أن تتغير فعليا بعدما صارت الرضيعة أحلام مسئولة منه، فلم يعد من الممكن أن يظل هائما يعيش اللحظة بلحظتها ولا يكترث لأى شخص آخر كما اعتاد طوال السنوات الماضية، وعليه أن يحاول العيش بصورة أو بأخرى مثل البشر الطبيعيين، وهو ما يظهر عندما يتنازل لأول مرة عن أحد مكتسباته الشخصية لغيره طواعية، فيصر أن تبقى كاميليا لتقضى الليلة فى غرفة الزوجية مع هند لترعاها بعد الولادة، متطوعا بالنوم فوق سطح المنزل.

الدهشة التى ظهرت فى عينى عيد منذ أن شاهد ابنته الرضيعة واستمرت خلال وجوده فى مشهد القهوة، والذى أظهر فيه أول ملامح رغبة فى تأمين المستقبل، تستمر بادية عليه وهو صاعد للسطح المظلم، والذى يستخدم المخرج دلالته المكانية لتوضيح موقف عيد الذى انتقل أخيرا من العيش كالفأر الذى يتحرك فى المتاهة بلا بوصلة، إلى النظر للعالم من أعلى والتفكير فى نمط جديد للحياة، شريط الصوت يمزج بعبقرية كالعادة أغنية «الدور الدور موعودة ياللى عليكى الدور» مع سارينة سيارة شرطة مع أصوات الشارع والحديث بين الجيران. ابتسامة مشفقة ترسم على وجه عيد عندما يرصد شابا يشير لحبيبته التى تقف له خلسة فى الشباك ليضرب لها موعدا، تم تتسع ابتسامته عندما يلمح طفلا مشاغبا يسرق بطة ويهرب بها فتهبط البطة على رأس العاشق المنتظر.

اللص الصغير يختبئ وراء سيارة تقف أمام عيد بالضبط، يخرج سيجارة من جيبه ليشربها، يبحث يمينا ويسارا عن عود ثقاب ليشعلها فلا يجد، وبمنتهى التلقائية يلقى عيد سيجارته المشتعلة للصبى الذى وجد النجدة آتية من السماء، وعندما ينظر الصبى لأعلى ليرى صاحب السيجارة يسرع عيد بالتراجع حتى لا يراه، مرددا بصوت خفيض عبارته الأثيرة «مسيرها تروق وتحلى».

عيد رأى ماضيه متجسدا فى هذا اللص الصغير الوحيد، فألقى له السيجارة وكأنه يرسلها للماضى كمساعدة تحنو عليه وتغير من مساره، لكنه رفض أن يراه الفتى ويشعر بأن لأحد فضل عليه. علاقة كثيفة ومعقدة بالماضى والحاضر ينقلها خان دون أى حديث أو صوت عال، وموقف كامل من الحياة تعلنه سيجارة مشتعلة ملقاة من سطح بناية قديمة.

 

9

(9) صدمة بمائة دولار – سوبر ماركت

وجود أميرة فى حياة رمزى لم يكن مجرد صداقة أو جيرة قديمة، ولكنه كان دافعا يجعله يؤمن أنه ليس وحيدا أو مجنونا، وأن هناك من هم مثله، لديهم ما يتمسكون به ويؤمنون بأنه أهم وأكثر قيمة من سحر المال وبريق الاستهلاك. وفى لحظات يأسه كان رمزى مستعدا للتنازل أخلاقيا كما أخبره الدكتور عزمى حالما بالثروة، لكنه رفض بشكل قاطع أن يصل هذا التنازل إلى تسهيل وصول الطبيب العجوز إلى أميرة، مؤكدا أنه لا يمكن أن (يجلب له عصافير) كما أخبره عزمى أيضا. ولكن يبقى السؤال الصادم: ماذا لو صار العصفور نفسه مستعدا للذهاب طواعية للصياد العجوز؟

رمزى الذى رأى أميرة بالصدفة تركب سيارة فارهة وضع فى ذهنه عشرات الاحتمالات الممكنة للأمر، لكن الاحتمال الوحيد الذى لم يفكر فيه هو أن تكون قد ذهبت لعزمي. وعندما تلقى دعوة كى يعزف فى الفندق الفاخر مجددا، وافق على العودة حتى لو قابل عزمى من جديد، فصداقتهما انتهت ولكن بقى ود قديم لن يمنع تواجدهما فى مكان واحد، بل ان رمزى فى بداية المشهد أخذ يدور بعينيه بحثا عن رفيقه القديم، فى لقطات يستغل فيها المخرج مستوى نظر العازف المنخفض ليخفى عنه الحقيقة، والتى تبدأ فى الاتضاح عندما ترتفع من وراء الرءوس يد عجوز، ليرسل عزمى ورقة بمائة دولار كتحية لرمزي، الذى يبتسم ويغير النغمة الكلاسيكية ويعزف «تعاليلى يا بطة» كمداعبة للطبيب.

أصابع رمزى تتثاقل على البيانو عندما يهم بالقيام ليغير مستوى بصره فيكتشف المفاجأة: أميرة التى أصبحت سيدة مجتمع ثرية أنيقة، تجلس بجوار عزمى الذى تركه العازف حتى لا ينزل لمستوى إخبار صديقته بأنه يريدها. الصدمة تظهر على عينى رمزي، بينما يخفى المخرج باقى وجهه وراء البيانو. تقوم أميرة فينكسر كعب حذائها، فتسير وهى تحجل بجوار الرجل الذى اشتراها، يدخلان المصعد ويستديران ليجدا رمزى جالسا على السلم ينظر لهما والصدمة لا تزال مسيطرة عليه، عزمى ينفث دخان سيجاره فى فخر الزاهى بانتصار، وباب المصعد يغلق فى وجه الفنان الشاب معلنا هدم حصنه الأخير فى مواجهة عالم السوبر ماركت.

 

10

(10) نهاية بطعم البداية – فى شقة مصر الجديدة

واحدة من أكثر نهايات أفلام محمد خان تفاؤلا، ربما لأنها الأكثر إشباعا، أو لأنها أقرب للبداية منها للنهاية، بداية تأجلت كثيرا بسبب اختلاف الثقافات وسوء الفهم والحظ السيء، سوء الحظ يلعب لعبته الكلاسيكية أثناء بحث يحيى ونجوى عن بعضهما البعض، حتى تفقد هى الأمل وتقرر اللحاق بالقطار الذى سيعيدها لمدينتها لتعيش على أمل اللقاء بالحبيب، تماما مثل أستاذتها ووالدتها الروحية أبلة تهانى التى قضت حياتها فى انتظار. ولكن المخرج قرر أن يكون أحن عليها من هذا الانتظار الطويل، بل وأحن على تهانى كذلك، لتأتيها مكالمة من صديقة تخبرها بوصول خطاب من تهاني، وتقرأ لها لتعرف أن معلمتها وصلت أخيرا لحبيب عمرها، خبر سعيد يتأتى بعد مداعبة صوتية معتادة من المخرج الذى جعل السائق العجوز يفتح راديو السيارة على وردة تدعو الفتاة «خليك هنا خليك بلاش تفارق».

الخبر يتزامن أيضا مع مشهد أكثر سعادة، يحيى وقد تمكن أخيرا من اللحاق بالتاكسي، لنراه فوق دراجته البخارية يحاول اللحاق بنجوي، فهو من يحاول فى هذه اللحظة أن يكون (جنبها.. مش وراها)، حتى لا تضيع الفرصة منه للأبد. الحوار الذى يدور بينهما يشبه الكلمات الأولى بين أى محبين: متردد، متلعثم، مبتور، لكنه ملىء بالمشاعر. يمهد للمشهد التالى فى محطة القطار، والذى تترك فيه نجوى القاهرة مرددة رقم هاتف يحيى الذى حصلت عليه أخيرا، لينتهى الفيلم وهو يبشر الجميع ببداية قصة جديدة أكثر بهجة.