خان.. صانع الوجدان بقلم : أسامة عبد الفتاح   فى عام 1997، أصدرنا العدد التجريبى الأول من مجلة «الفن السابع» بتمويل من النجم محمود حميده، وكنا سعداء متحمسين، نريد معرفة

7777

أسامة عبد الفتاح

خان.. صانع الوجدان

بقلم : أسامة عبد الفتاح

 

فى عام 1997، أصدرنا العدد التجريبى الأول من مجلة «الفن السابع» بتمويل من النجم محمود حميده، وكنا سعداء متحمسين، نريد معرفة مختلف الآراء فيما صنعنا.. وفى أحد العروض الخاصة، لمحت الصحفى والسيناريست الراحل أحمد صالح، فاتجهت إليه لأعطيه نسخة، وكان يجلس بجواره مخرج من المفترض أنه كبير، فكان من الطبيعى أن أعطيه نسخة هو الآخر.. تصفحها بسرعة، ثم أعادها لى غاضبا وقائلا: «خلاص كده بانت.. متشكرين»!

نظرت إليه مندهشا ومستفسرا، فأكمل: «انتوا بقى من بتوع سينما الصراصير، وبالنسبة لكم احنا خلاص راحت علينا، احنا ما بنعرفش نعمل سينما، مش كده؟».. طلبت منه ألا يقول هذا الكلام، وأكدت له أننا نحترم أفلامه لأننا تربينا عليها وتعلمنا من بعضها، وأننا لا ننفى ولا نستبعد أحدا، فأنهى الحوار بحسم قائلا: «لا.. لا.. خليكم فى الصراصير والبلاعات»!!

لم أفهم إلا بعد أن رجعت إلى العدد وأعدت قراءته، وقدّرت أن موضوعا محددا عن الجماليات فى سينما محمد خان هو الذى أثار غضب «الأستاذ»، حيث يتناول بالتحليل فيلم «أحلام هند وكاميليا» الذى يتضمن مشهدا يتكرر يوميا فى آلاف البيوت المصرية، وهو قتل صرصار بالشبشب، ويبدو أن «الأستاذ» يعيش فى بيئة معقمة وليس معنا، وينتمى إلى من يغسلون – ويريدون أن يغسل غيرهم – كل شيء بالماء والصابون قبل تصويره فى أفلامهم.

khan(7)

لم أتوقف عند عدوانية وصلف الرجل ومنطقه الخاطئ بقدر ما شغلنى البون الشاسع بيننا، فمن يعتبره هو رائدا لسينما الصراصير ويشمئز منه، أعتبره أنا «صانع وجدان» من الطراز الأول لم يكن ارتباط جيلى بمبدعين مثله كباقى المتلقين، فقد ساهمت أعماله – وغيره من الفنانين الذين بدءوا مسيرة التألق فى النصف الثانى من سبعينات القرن الماضى والأول من ثمانيناته – فى تشكيل وجداننا حين تفتح وعينا فى تلك الفترة المعقدة التى تلونت فيها مصر بأصباغ الانفتاح الاقتصادي، وعانت احتقاناته، وكان خلالها خان أحد الذين «أخرجوا» حياتنا، وأحد الذين أضاءوا لنا الطريق طوال المشوار.. ليس رحيله إذن مجرد غياب لمبدع كبير، بل افتقاد لجزء لا يتجزأ منا، ومن الوطن ذاته.

عندما بدأ مشواره السينمائى فى أواخر السبعينات، ووجد غيره يكتفى بالكلاسيكيات الرومانسية وقصص التأثيريين والانطباعيين، أو بأفلام المقاولات البائسة، قرر – ومعه جيله من المخرجين والمؤلفين والفنيين – النزول إلى الشارع للتعبير عنه، وعن المصريين الحقيقيين الذين لا تشغلهم قصص الحب والهزل عن صراعهم اليومى مع حياة قاسية قررت وضعهم فى المرتبة الثانية بعد قيم المادة والاستهلاك والانفتاح على غرب لا يراهم سوى سوق لبضائعه.

من 1979 إلى 2015، مسيرة طويلة من النضال الوطنى السينمائى لم يشغله خلالها سوى الإنسان البسيط بأحلامه وطموحاته، وهذا البلد بهمومه وآماله، لذلك كان من المدهش – قبل أن يكون من المؤسف – ألا يحصل على الجنسية المصرية إلا قبل رحيله بعامين فقط، رغم أنه وُلد فى مصر لأم مصرية، لمجرد أن والده باكستاني.

IMG_3430

من المؤكد أن آراء ومواقف أناس وفنانين مثل المخرج المذكور فى بداية هذه السطور، كانت وراء تأخر قرار منحه الجنسية إلى عام 2014، وهو فى الثانية والسبعين، بعد سنوات طويلة جاهد خلالها الوسط الثقافى بشكل عام، والسينمائى بشكل خاص، من أجل حصوله عليها، فيما كان هو هادئا وواثقا ومتأكدا من مصريته أكثر من أى مصرى آخر.

لم يقدم نفسه أبدا – داخل وخارج مصر – على أساس أنه أجنبي، رغم أنه يحمل الجنسية البريطانية التى يتكالب عليها كثير من المصريين ويفعلون أى شيء للحصول عليها وعلى غيرها من الجنسيات الغربية، وكان يمكنه أن يعيش فى بريطانيا حيث الحياة بشكل عام أفضل وصناعة الأفلام بشكل خاص أيسر وأكثر تحقيقا للربح، لكنه اختار أن يعيش فى مصر، ويصنع أفلامه فيها، ويجعل منها توثيقا للمجتمع المصرى فى النصف الثانى من القرن العشرين والأول من القرن الحادى والعشرين، ويحوِّلها إلى أدوات لتشريح هذا المجتمع وتحليله وبيان أسباب ومظاهر أوجاعه ومعاناة من يعيشون فيه.

من يعرفون قيمة خان كمخرج لن يشعروا بالفقد، لأن أفلامه موجودة، وستبقى، ولأن مثله يموت بجسده فقط.. ظنى أن من سيفقد، من سيبكي، من سيتألم، هو من اقترب من الإنسان الساحر الآسر وعرفه كطاقة حب، ومصدر سعادة لكل من حوله، الإنسان الذى عاش يشيع البهجة فى كل مكان يحل فيه، ونال مكافأته – التى يستحقها – بالرحيل الكريم السريع، قبل أن يتمكن منه المرض، فقد كان آخر شخص يصلح لمصاحبته.. غيابه انتقاص من بهجة الحياة، وإضافة على كآبتها، فقد كان عاشقا من عشاقها، ومرادفا لها، ورمزا من رموزها.

 

 

 

أحمد شوقي يكتُب.. عشرة مشاهد لا تنسى #ملف_محمد_خان