رحلة «البطلة» فى سينما محمد خان ___________________ بقلم : جايلان صلاح سليمان   عالم محمد خان شديد الخصوصية والاحتفاء بالمرأة والحب والجسد، تم وطؤه كثيرا من أقدام الرجال؛ ناقدين ومفحصين

CoSezOvW8AAhrY1

رحلة «البطلة» فى سينما محمد خان

___________________

بقلم : جايلان صلاح سليمان

 

عالم محمد خان شديد الخصوصية والاحتفاء بالمرأة والحب والجسد، تم وطؤه كثيرا من أقدام الرجال؛ ناقدين ومفحصين ومدققين فى تفاصيله الثرية، والتى لم يبخل هو على مشاهديه بها؛ حلق منى فى «زوجة رجل مهم»، لقطات القبلات المقربة فى «بنات وسط البلد» و«فتاة المصنع»، مشاهد الحسية ما بين هند وكاميليا، والتى تكاد تقترب من المثلية فى تدفق مشاعرها فى «أحلام هند وكاميليا»، كعب حذاء أميرة فى «سوبر ماركت» ونوال فى كل مشهد تظهر فيه؛ دموعها بينما يصفف شكرى شعرها، ملامحها الميتة وهى أسفل عزت الذى يغتصبها بعنف، ومشهد التهامها للطعام المسموم، وكأنما تلهتم نفسها فى «موعد على العشاء».

بعيدا عن الشعارات الرنانة، ودون أن يعلنها بأعلى صوته، كان محمد خان نصيرا للمرأة، نسويا أكثر من نسويات كثيرات مبدعات تشدقن بالحرية والجرأة بينما لم يساهمن ولو بمشهد أو لوحة فى التعبير عن هذه المعاناة الجسدية الروحية التى تعانيها المرأة المصرية، أو حتى فى علاقتها المعقدة بجسدها. ومن براعته، تكاد تشك بأن امرأة حبيسة روح خان هى التى تبدع هذه التفاصيل. يعرف جيدا كيف يكون المشهد كتالوج كاملا من المشاعر؛ فمن ينسى ياسمين وهى تركب الدراجة وراء والدها فى «بنات وسط البلد» وتسأله عن زوجته الجديدة، أو رقصة هيام (سالومي) على شرف رأس يوحنا المعمدان المقطوعة (فرح المهندس الذى بنى على روح هيام المذبوحة) فكأنما وهب خان الحياة لرأس يوحنا المعمدان، وهو جسد هيام الذى حاولت هى تدميره، ومنحه حق الرقص على أنغام الموسيقى، تاركا هيرودس (المهندس) مذهولا من فشل خطته فى قتل الصدق والنبوة. هذا المشهد الختامى العظيم أفضل من مائة خطبة عن الفيمينزم وحرية المرأة.

التفاصيل التى عذبت خان طوال حياته، هى سر عبقريته، هى ما جعلته يتسلل إلى مخادع النساء، متلصصا لا بشهوانية لكن بفضول طفل يستكشف جنسانيته لأول مرة؛ خاصة عند نساء الطبقة المتوسطة المنسيات دوما وسط سباق اللهاث وراء النساء المعدومات، والنساء اللاتى يرتدين نظارات ماركة جوتشي. فى صراع نوال «موعد على العشاء» وأميرة «سوبر ماركت» ومنى «زوجة رجل مهم» ونجوى «شقة مصر الجديدة» هو يعرف جيدا من أى زوايا ينقل هذا الصراع، وباختلاف تام عن خوخة ابنة الفلاحين ذوى الأملاك فى «خرج ولم يعد» وهالة ابنة المجتمع المخملى فى «قبل زحمة الصيف»، وباختلاف جذرى عن هند وكاميليا فى «أحلام هند وكاميليا»، أو نجاح فى «مشوار عمر».

على اختلاف تأثير العنصر النسائى فى السرد، نجد براعة محمد خان فى العبث بمفهوم البطل؛ ففيلم مثل «زوجة رجل مهم» يمكن رؤية السرد من منظور منى البطلة وكون زوجها هشام أحد العناصر المؤثرة فى الحكي، وشخصية مساعدة للبطل – وأحيانا مضادة – ويمكن رؤية الفيلم على أنه تجسيد لرحلة البطل الذكر المعتادة، والمرأة هنا هى عامل مساعد ومؤثر فى سرد الأحداث، أو عامل ضد فى بعض الأحيان. ويختلف هذا عن فيلم مثل «موعد على العشاء» حيث الرحلة الدون كيشوتية لامرأة، والبطولة بمراحلها المختلفة يدخل فيها عامل الذكر من حبيب – شكرى – وعدو – عزت – كأحد عناصر ومكونات رحلة البطلة المنفردة، الباحثة عما هو أكثر من تلك الحياة التى وجدت نفسها فيها، وعندما تقرر البطلة التمرد على هذه الحياة، وكسر نهر النمطية الراكد، تتغير حياتها رأسا على عقب، وتقابل ما يقابله البطل الذكر التقليدى عندما يقرر تغيير إيقاع السرد والشروع فى الرحلة، فيُقتل حبيبها وتنتهى حياتها وحياة الفيللين بيدها.

الحسّيّة فى التعامل مع المرأة والتخلص من عقدة الجسد سمتان ملازمتان لسينما خان، فبالرجوع لمقالة لورا ملفى السردية «المتعة البصرية والسرد» عن حامل النظرة المخرج الذكر والطريقة التى تصوَّر بها المرأة على الشاشة، نجد خان تخلص كليا منها فى تناوله للشخصيات النسائية من منظور حسّيّ وليس احتفائيّ ذكوري، تختلف بطلاته عمريا وشكليا واجتماعيا، ومع هذا لا يخجل خان من تمثيلهن على الشاشة بحرية، ودون التفات لمنظومة عقدة الجسد التى أخذت تتسلل للسينما المصرية رويدا رويدا مع دخول الألفية الجديدة. فى طريقة إدارته للممثلات، تكتشف إمساكه بالتفاصيل حتى أصغر واحدة منهن؛ تأمل معى طريقة تدخين هالة الواثقة المغرية فى «قبل زحمة الصيف»، وطريقة تدخين منى بتعاسة واستسلام للأشباح الداخلية فى «زوجة رجل مهم»، وطريقة تدخين ياسمين المتحدية قليلا، الناتجة عن القلق من نظرة المجتمع الممزوجة بالرغبة فى التمرد فى «بنات وسط البلد». هذا الوعى الكامل باختلاف نفسية المرأة حسب طبقتها الاجتماعية فى تفصيلة بسيطة كتدخين سيجارة، تكشف عن نفاذ فى قلب المرأة ليس ككيان آخر autre غامض وملتو، لكن كانسان له دوافع مختلفة ومكبَّل بعقد اجتماعية وانسانية وشعورية كثيرة.

لن تجد المرأة فى سينما محمد خان تفصيلة زائدة أو وردة جميلة فى عروة جاكتة البطل، كل دور نسائى له وجوده وأهميته فى السرد، فاعليته تكمن من كونه شخصية مكتوبة من لحم ودم ووعى بالأبعاد النفسية والاجتماعية، وليس مجرد «شخصية نسائية» صُنعت لجذب مزيد من الذكور لقاعة السينما، العاهرة نجاح فى «مشوار عمر» لم تتكرر فى فيلم آخر، والزوجة التعيسة منى فى «زوجة رجل مهم» ليست هى نفسها فوزية بطلة «طائر على الطريق»، والفتاة الصغيرة ياسمين التى يتفتح قلبها بالحب والرغبة فى «بنات وسط البلد» أبعد ما تكون عن نجوى «فى شقة مصر الجديدة» أو هيام «فتاة المصنع».

من نساء محمد خان، تبرز نوال «موعد على العشاء»، ربما لهذا أهدى لها الفارس الراحل الفيلم، وهى تفصيلة لم تتكرر فى أى من أفلامه الأخرى، لكن هالة فى «قبل زحمة الصيف» تبرز أيضا كأيقونة للجمال والشبق والكبت، كما تلمع ياسمين الثرثارة المتمردة فى «بنات وسط البلد» ونجوى الحالمة المتحفظة «فى شقة مصر الجديدة»، بينما تظل العلاقة الحسّيّة الشاعرية بين هند وكاميليا فى «أحلام هند وكاميليا» أكثر علاقات بطلاته تعقيدا وعمقا، يتخللها فهم عميق لتعلق النساء ببعضهن البعض فى عالم الرجال فيه غائبين أو أشباه غائبين.

ما يقدمه محمد خان للمرأة هى عصا سحرية، تلمس أوتارها فتجعلها تنظر للعالم بطريقة أخرى، حتى نظرتها لنفسها تتغير، هناك لحظة ما تجعلها تقف أمام نفسها وتقرر التغيير؛ ياسمين تقص شعرها فى «بنات وسط البلد» وكأنما تحسم جدل علاقتها المعقدة مع أنوثتها ومحاولتها فهمها لنفسها؛ هى ليست تلك الفتاة الصايعة كما يصفها الجميع، ونجوى تحل رباط شعرها «فى شقة مصر الجديدة» وتكتشف أنوثة مختفية وراء تربية محافظة ورومانسية يوتوبية زرعتها فيها مدرستها تهاني، ونوال تقرر الزواج بشكرى فى «موعد على العشاء» معاندة القدر والدنيا المرسومة لها حتى وإن كان الثمن حياتها.

محمد خان فيمينست أكثر من جلوريا ستاينم نفسها، وعلى روحه الطاهرة السلام.