واقعية رجل حالم! أمجد جمال   لعل الخطيئة الأساسية، التى تمّ توارثها، فى حق المخرج «محمد خان» كانت احتسابه على ما عُرف فى مطلع ثمانينات القرن الماضى بتيار الواقعية الجديدة،

88111

واقعية رجل حالم!

أمجد جمال

 

لعل الخطيئة الأساسية، التى تمّ توارثها، فى حق المخرج «محمد خان» كانت احتسابه على ما عُرف فى مطلع ثمانينات القرن الماضى بتيار الواقعية الجديدة، نفس التيار الذى نُسب إليه باقى أبناء جيله أمثال داود عبد السيد وخيرى بشارة وعاطف الطيب وغيرهم. وهو تيار مثير للجدل والالتباس فى تعريفه ويضعنا أمام كثير من الأسئلة، منها مثلا: السبب الذى يجعل من تلك الواقعية «جديدة»، هل لأنها قدمت الواقع من منظور جديد عمن سبقوها؟ وما هو إذن؟ أم لأنها قدمت الواقع الجديد؟ أليس الواقع دائما جديدا وإلا فهو تاريخ أو مستقبل؟ أم فقط لأنها تبعت واقعية صلاح أبو سيف «القديمة»؟ وهنا فالكلمة تتحول لمجرد توصيف تزامنى لا يضيف. والأهم هل هى بالفعل واقعية؟ باستثناء أفلام الطيب التى أراها أكثر قُربا لتوصيف واقعية عن باقى زملائه، فأفلام مثل «البحث عن سيد مرزوق» لداود أو «أيس كريم فى جليم» لخيرى أو «موعد على العشاء» لخان، لا تنتمى بصلة للواقعية بتعريفها السينمائى، والأمثلة تمتد لتشمل أفلاما أخرى.

بالتأكيد هناك ما يجمع الأسماء السابق ذكرها، لعل هذا الشىء هو الجدية، أو الهمّ الاجتماعى المشترك، والذى تم تحويره إلى لفظ واقعية كانعكاس لفكر منتشر، يرى فى «الواقع» قيمة فى حد ذاتها يجب اقترانها بالفن كى يكون جادا وهادفا وله القدرة على محاربة فن الطبقات البرجوازية الخالص، الهروبى، الهادف للتسلية فقط، والذى قد يُغيّب الشعوب عن دورها المزعوم فى إنقاذ العالم ويُفقد الفن صفته التعبوية. لكن لا شك أن ما جمع خان بداود بالطيب، فيما يخص الواقعية، أقل بكثير مما جمع روسيلينى بدي سيكا بفيسكونتى مثلا، كقياس مع الواقعية الإيطالية التى استحقت نعتها، فعلا، بـ «التيار».

إشكالية اقتران لفظ الواقعية بأعمال جيل سينما الثمانينات، أنه يُعد انتقاصا للزخم والتنوّع الكبير فى هذه الأعمال وفى ذاتيتها، خاصة «خان»، موضوع هذا المقال، والذى رحل عن عالمنا قبل أيام قليلة تاركا وراءه إرثا سينمائيا قيّما، يتميز عن إرث ما قدمه باقى رموز السينما المصرية فى أنه من الصعب حصره داخل نوع فيلمى أو قالب فنى جاهز، فهو ليس بتشويقية كمال الشيخ أو واقعية صلاح أبو سيف، أو شخصانية يوسف شاهين، أو فلسفية داود عبد السيد. أفلام خان من الصعب اختزالها فى صفة مُعدة مسبقا، لأنها أفلام لا تشبه أكثر من نفسها.

أفلام خان ليست نسوية، لكنها تحب الأنثى، تحتفى بها وتنتصر لها أينما وكيفما كانت. ليس ضروريا أن تكون الأنثى هى الشخصية الرئيسية، كما غلب على أفلامه، لكن حتى مع الشخصيات الثانوية للأبطال الذكور: فاستقلالية وتحرر الأخت فى «عودة مواطن»، وقوة وصمود طليقة «فارس» فى «الحريف» تؤكدا هذا الأمر. إن النسخة التى قدمها خان للأنثى فى أعماله هى الأكثر صدقا وتركيبا فى تاريخ السينما المصرية، قاهرية كانت أو صعيدية، متحررة أو محافظة، رومانسية أو عملية. هى الأنثى بنفس الملامح والهواجس والأحلام والواقع الباطش الذى عليها دائما مواجهته وحيدة.

أفلام خان ليست موسيقية، لكن من النادر أن تجد من أحسّ الموسيقى سينمائيا مثلما أحسها خان، لم يقتصر احتفاء خان بالموسيقى على مجموعة التكريمات التى قدمها لرموز هذا الفن على تترات أفلامه، لكن بتوظيف تلك الرموز داخل الدراما نفسها، أفلام خان كانت قادرة على إزالة التراب عن أغنية لفرقة «المصريين» موضوعها الزواج فى «بنات وسط البلد»، وعلى إعادة اكتشاف البهجة بأغنية بوب راقصة، من النوع الذى يذاع على الراديو لمدة شهرين ثم يذبل، مثل أغنية نوال الزغبى فى فيلم «فى شقة مصر الجديدة».

لم تكن الموسيقى الفن الوحيد الذى احتفى به خان، فالسينما نفسها نالت نصيبا كبيرا من هذا الاحتفاء.. فمن قُبلات الأفلام الكلاسيكية التى راقبتها «هيام» بهيام فى «فتاة المصنع»، إلى صفارات احتجاج هند وكاميليا على الرقيب المتعسف لأنه قام بحذف مشهد حُب مُلتهب من أحد الأفلام الهندية، وصولا للتفصيلة التى لا تُنسى، وهى طقس الفُرجة داخل عائلة «كمال بك» فى «خرج ولم يعد»؛ حيث تعطيل الصوت والاكتفاء بالصورة، للأسف لم تعلم «خوخة» وهى تشرح، ببراءة، هذا الطقس الغريب لعطية بأنها مسّت قضية سينمائية لطالما تعارك عليها مُنظرو وصانعو السينما الأوائل، وأن موقف العائلة ليس شديد النشوز، بل يتوافق مع مقولة هيتشكوك الشهيرة: « لو كان الفيلم جيدا، لأصبح من الممكن تعطيل الصوت وسيظل المتفرج على دراية مثالية بما يدور».

أخذ هذا الاحتفاء بالسينما شكلا آخر من قِبَل خان، فقد حاكى وكرّم ما أحبه من السينما العالمية داخل أفلامه، بداية من «ضربة شمس» بألفته الشديدة مع فيلم Blow-Up لعرّابه السينمائى والمخرج الأكثر حضورا فى حواراته «أنتونيونى» مرورا بـ«الحريف» بألفته أيضا مع أسلوب وحكايات أعمال الموجة الانجليزية فى الستينات خاصة فيلم «مساء السبت وصباح الأحد»، الذى عشقه خان واختار تقديمه بنفسه فى إحدى الفعاليات السينمائية الكُبرى بالقاهرة. ووصولا إلى «مستر كاراتيه»، بتحية سينما الأكشن الآسيوية رغم افتقادها التقدير الفنى الكافى، لكن من كان يُتابع مدونة خان على الإنترنت يعرف أن الرجل كان شَرِها فى ذوقه السينمائى، وليس مُنغلقا على نوعية بعينها من الأفلام.

جرعة السياسة فى أفلام خان لم تكن مُركزة مقارنة بالطيب أو شاهين أو وحيد حامد، لكنها كانت أكثر نعومة فى انسدالها تحت الجلد دون أن تصفعنا على وجوهنا لندركها، فيكفى أن يقف فارس فى «الحريف» أعلى سطح المنزل بعد أن ساءت به الأحوال، ثم ينظر بضعف وقلة حيلة نحو لافتة إعلانية ضخمة لأحد مُنتجات الشركات الكُبرى، تسيطر أضواؤها على جنبات العاصمة، وقتها ندرك دون شرح لماذا انتهى زمن اللعب، ومَن المسئول؟

لم تكن أفلام خان واقعية، وإن بدأت أحيانا من نقطة الواقع، فقط فعلت لتلفظ هذا الواقع، أو بأضعف الإيمان تقاومه. تارة بـ«أحلام» هند وكاميليا، أو بـ«لعب» الحريف، أو بسيادة صوت الكروان على صوت أحمد عدوية الذى خرج فى بداية الفيلم ولم يعُد. لم تشبه أفلام خان أى شىء سواه، هذا الرجل الذى عشق الطعام، ومن يعشق الطعام يعشق النساء، فكلاهما لذة.. ومن يعشق النساء يعشق الفن، وكلاهما بِدَع.. ومن يعشق الفن يعشق الحياة، والأخيرة هى الإكسير الحقيقى الذى بث الروح فى سينما خان.. الروح التى ستبقى حتى وإن رحل الجسد.