وداعًا مخرج على الطريق هاشم النحاس   عندما علمتُ بخبر رحيل محمد خان اغرورقت عيناى بالدموع، وشعرت بغصة فى حلقي، توقفت عن الكلام وغمرنى الصمت، قطعته بعد فترة غير قصيرة،

CoScDa9WAAAtlWF

وداعًا

مخرج على الطريق

هاشم النحاس

 

عندما علمتُ بخبر رحيل محمد خان اغرورقت عيناى بالدموع، وشعرت بغصة فى حلقي، توقفت عن الكلام وغمرنى الصمت، قطعته بعد فترة غير قصيرة، لاقوم بهدوءٍ وفى صمت متصل لارتدى ثياب الخروج، وطلبت من مساعدى «ميلاد» التوقف عن العمل لمصاحبتى الى جنازة المخرج محمد خان.

ولم تكن المسافة قريبة، وحتى اضمن سرعة الوصول من العجوز إلى مكان الجنازة إلى منطقة زهراء المعادى «مسجد الكويتي»، سألت سائق التاكسى أولا إن كان يعرف المكان فاعتذر سائق التاكسى الاول بعدم معرفته، بينما أكد لى الثانى أنه يعرف المكان جيدًا. طلبت منه ان يسرع حتى نلحق بصلاة الجنازة بعد صلاة الظهر. لكن سائق التاكسى اخذنا – انا وميلاد – إلى زهراء مصر القديمة! وعبثا ان نحاول معرفة الطريق الصحيح الى زهراء المعادي، خرجنا الى كورنيش المعادى على أمل ان نصل إليه بسؤال أحد المارة أو بعض السائقين، نادرًا ان يقول احدهم «انا لا اعرف»، معظمهم يدّعى المعرفة ويدلنا على الطريق الخطأ. وعندما اشفق علينا سائق تاكسى بعد ان ادرك خيبة سائقنا، تطوّع بأن يقودنا إلى المكان المقصود.. سرنا خلفه.

لم يعد نظرى قادرًا على متابعة الطريق. بعد فترة اكتشفت ان السائق الذى بجانبى يسير على غير هُدى. سألته عن سيارة التاكسى التى نتابعها ونسير خلفها، اعترف سائقنا بإنه فقد متابعته لها، وعدنا من جديد نسأل عن الطريق.. وعدنا إلى التوهان.

وما ان ضاق صدرى وقررت العودة إلى المنزل يائسًا حتى تكشف لنا اول طريق شارع زهراء المعادى وعلمنا ان الجامع فى آخره. حين وصلنا، كان المصلون قد انتهوا من صلاة الجنازة ورحلوا عن الجامع، الذى بدا مهجورًا فى مكان غير مأهول. فوجئت بقدوم الصديق مهندس الديكور الفنان «أنسيّ ابو سيف» الذى كان تائها ايضًا وجاء متأخرًا مثلنا، وجاء خلفه صديق قديم هو «أحمد قاسم» ومعه فى سيارته الصديقة المخرجة «عرب لطفي»، وقررنا البحث عن المدفن. علمنا انه فى منطقة القطامية بـ«القاهرة الجديدة». بعد عملية توهان اخرى وصلنا الى الطريق الترابى الضيق المؤدى إلى المدفن. تركنا السيارة عند البوابة وترجلنا فى اتجاه المدفن.

بقايا من الاصدقاء القدامى أمام المدفن يعزون بعضهم البعض. اعرف معظمهم، نتبادل التعزية. بعضهم يرى ضعف جسدى وخطواتى الثقيلة، فيشفق عليا  لحضورى إلى هذا المكان البعيد، لكن مكانة محمد خان فى قلبى وألم الحزن عليه كانا أقصى على نفسى من مشقة ووعورة الطريق، وكان لابد لى أن أودعه، بعد أن ودعنا وترك حياتنا ولكنه ترك خلفه تراثًا كبيرًا من الأعمال السينمائية التى لن تُنسى. وترك فى نفسى حزنًا عميقًا على فقدانه.

طوال فترة التوهان وانا فى طريقى إلى القبر، وقبله منذ لحظة معرفتى للخبر صباحًا، تتوارد فى ذهنى ومضات سريعة من الذكريات مع محمد خان.

محمد خان زميل فى لجنة قراءة النصوص السينمائية التى شكلها المخرج صلاح ابو سيف (1963) عندما كان يرأس الشركة العامة للانتاج السينمائي، وكانت فترة قصيرة حيث تركنا محمد خان وسافر إلى لبنان ثم عاد بعدها إلى لندن.

قبل ان يتركنا ترك لنا فيلمًا قصيرًا من افلام الهواة «16 مم»، أخرجه من انتاج جمعية الفيلم، بعنوان «البطيخة»، موظف يخرج بعد نهاية الدوام فى وظيفته، ليشترى بطيخة يحملها على صدره ويجوب بها شوارع القاهرة متجهًا إلى بيته. من كان يدرى ان الشارع فى القاهرة سيكون احد أهم الملامح الاساسية فى افلامه فيما بعد؟!

بعد عشر سنوات تقريبًا حضرت مهرجان ليبتزج، واقترح سعيد شيمى على بعض المصريين من الاصدقاء أن نمرّ على محمد خان فى لندن ونحن فى طريقنا للعودة، وكان ضمن هذه المجموعة الراحلان أحمد راشد وسامى السلاموني، استقبلنا محمد خان فى بيته على مشارف لندن وكان كريمًا فى استضافته لنا عدة أيام.

وعندما عاد خان إلى مصر بتشجيع من مدير التصوير سعيد شيمى والمونتيرة نادية شكري، ابتهجنا بفيلمه الاول «ضربة شمس» عام 1980. وتوالت أفلامه التى احضر افتتاحها احيانا او اتابعها بعد ذلك وكان كل منها يثير اهتمام النقاد والمشاهدين، ومنها ما يأخذ طريقه إلى المهرجانات العالمية «طائر على الطريق، الحريف، خرج ولم يعد، عودة مواطن، زوجة رجل مهم، أحلام هند وكاميليا، سوبر ماركت، بنات وسط البلد، شقة مصر الجديدة، فتاة المصنع…».

لم اكن صديقًا لصيقًا لمحمد خان، مثل صديق عمره وصديقنا المشترك سعيد شيمي. لكن اللحظات التى كانت تجمعنا معًا كثيرة بحكم المهنة، وفى كل مرة التقى به اشعر ببهجة حقيقية. فقد كان خان دائمًا صاحب ابتسامة مبهجة تعبر عن اقباله وحبه للحياة.

كثيرًا ما قام سعيد شيمى بترتيب بعض اللقاءات الحميمة فى بيته بالمعادي. يجمع فيها بعض الاصدقاء ويدعوهم على الغداء الذى يعده بنفسه، وكانت لقاءات غاية فى المتعة النفسية، يشيع فيها جو الحب بين المجموعة، ومنهم محمد خان الذى يتحفنا دائمًا ببعض فكاهاته فضلا عن بعض تعليقاته الساخرة.

كثيرًا ما التقيت به فى ميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير 2011، ومعه زوجته الرقيقة وسام سليمان أحيانا، فنتبادل التحية وبعض الكلمات القليلة، ثم يواصل كل منا حركته فى الميدان، حيث كنت أرافق الصديق عليّ الغزولى وهو يصور أحداث ثورة 25 يناير واعتمد على ما صوره فى إخراج فيلمه التسجيلى «الشهيد والميدان».

كان آخر لقاءاتى به قبول دعوته لمشاهدة فيلمه الأخير «قبل زحمة الصيف» (2016) الذى رأيت فيه نزهة ذهنية وراحة نفسية. وفى كل افلامه السابقة لا تجد فيها فيلمًا كئيبًا او تخرج منه نادمًا على وقتك الذى قضيته فى مشاهدته.

علاقتى الروحية بمحمد خان من خلال افلامه كانت هى الأقوى وهى الباقية. حيث كنت أرى فى نجاح كل منها نجاحًا شخصيًا اهنئه عليه كلما اتيح لى فرصة اللقاء به، فقد كنت وما زلت أرى فى أفلامه ما يحقق لى ولكل الزملاء فى المهنة الاحترام ويضفى الكرامة على أصحاب السينما المصرية، وقد نجح محمد خان فى ان يجعل من السينما المصرية فنًا يعترف به العالم ويسعد به كل المصريين.