استقبل مطار القاهرة، يوم السبت الماضي، جثمان العالم الراحل أحمد زويل، قادمًا من الولايات المتحدة الأمريكية، على متن طائرة مصر للطيران رقم 986، وسط حضور عدد من أفراد أسرة العالم

-مصر-99-1rhf7p5u5d1oz9vm0b29330u73le74ms649luksokl7o

استقبل مطار القاهرة، يوم السبت الماضي، جثمان العالم الراحل أحمد زويل، قادمًا من الولايات المتحدة الأمريكية، على متن طائرة مصر للطيران رقم 986، وسط حضور عدد من أفراد أسرة العالم الراحل، وطلاب مدينة زويل.

توفى فى الولايات المتحدة –الثلاثاء الماضي- العالم المصرى الأميركى أحمد زويل، الحاصل على جائزة نوبل فى الكيمياء، وذلك عن عمر ناهز سبعين عاما.

حصل زويل على جائزة نوبل فى الكيمياء عام 1999 عن أبحاثه فى مجال “كيمياء الفيمتو”، وهى تكنولوجيا لتصوير التفاعلات بين الجزيئات باستخدام أشعة الليزر، أتاحت مراقبة حركات الذرات أثناء التحولات الجزيئية فى زمن “الفيمتو ثانية”، وهو جزء من مليون مليار جزء من الثانية.

وبالإضافة إلى نوبل حصل زويل على ثلاثين جائزة دولية، كما نال عدة أوسمة، فضلا عن خمسين درجة فخرية فى مجالات العلوم والفنون والفلسفة والقانون والطب والآداب الإنسانية.

وفى عام 2009 عينه الرئيس الأميركى باراك أوباما فى المجلس الاستشارى الرئاسى فى البيت الأبيض. وفى نوفمبر من العام نفسه، عين كأول مبعوث علمى للولايات المتحدة إلى دول الشرق الأوسط.

كان العالم الراحل يعالَج من مرض السرطان منذ سنوات، حيث كشف عام 2013 عن إصابته بورم سرطانى فى النخاع الشوكي، وقال آنذاك إنه تخطى المرحلة الحرجة وإنه فى المراحل النهائية من العلاج.

وأفادت وكالة رويترز بأن العالم الراحل كان قد أوصى بأن يدفن فى مصر بعد وفاته. وقال شريف فؤاد المتحدث الإعلامى باسم زويل للتليفزيون المصرى إن زوجة زويل “أبلغتنا الآن أن وصية الدكتور أن ينقل جثمانه إلى مصر وأن يوارى الثرى هناك”.

ولد زويل عام 1946 فى مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة شمالى مصر، ودرس الكيمياء فى جامعة الإسكندرية قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على شهادة الدكتوراه فى جامعة بنسلفانيا ثم عمل أستاذا فى كبرى الجامعات الأمريكية.

فيما يلى ترجمة لنص مقال كان نشره الدكتور زويل عام 2013 بعد انتفاضة 30 يونيو، فى جريدة النيويورك تايمز، يشرح فيه رؤيته بشأن خروج مصر من الوضع المأزوم.

ترجمة: احمد ليثي 

 

عندما كنت صبيًا فى دسوق، المدينة المصرية التى تحاذى فرع رشيد على نيل مصر، وتبعد حوالى 50 ميلًا عن الإسكندرية، عاشت عائلتى على بعد خطوات قليلة عن أهم معلم محلى فى المدينة، مسجد بُنى في القرن الثالث عشر، وسمى باسم شيخ صوفي. كان يصل إلى مسامعنا صوت المؤذن خمس مرات فى اليوم، وكان إمام المسجد يحثنا على الدراسة، ويخبرنا مرة تلو الأخرى عن الرسالة التى جاء بها النبى محمد: “اقرأ”، كان التعليم حينئذ فى بنية ثقافتنا الدينية.

تركت مصر عام 1969 بعد تخرجى فى جامعة الإسكندرية، وتوجهت إلى جامعة بنسلفانيا. قضيت فى كلية كالتك 37 عامًا، حاملا جنسية دولتين لـ 31 عامًا. لكنى لم أنس أبدًا واجبى تجاه وطني. لغط سياسي، وانتفاضتين سياسيتين، وإسقاط نظامين، كل ذلك فى غضون عامين، تركا مصر فى وضع سياسى غير مستقر، لكن ما ضاع بين المكائد السياسية القاتلة بين الأحزاب العلمانية والأحزاب الإسلامية هو تطلعات الشباب المصريين.

تعد مصر – كالعديد من المجتمعات العربية – مجتمعا يافعا. فالنشطاء الذين ملئوا ميدان التحرير عام 2011 طالبين الحرية والعدالة الاجتماعية، وهى مطالب صحيحة دون شك، لكنى أؤمن أن هدفهم الأسمى كان ينحو إلى التغيير الاجتماعى والاقتصادي، الذى يتيح فرصا تعليمية، ويقود بدوره إلى إتاحة وظائف وحياة كريمة، تمكنهم من دخول العالم الحديث، وكأول مصرى عربى يحصل على جائزة نوبل فى العلوم، وكمبعوث سابق لإدارة الرئيس أوباما للترويج للعلم فى الشرق الأوسط، كان هذا هو شاغلى الأكبر.

دائمًا ما ينسى الغرب أن مصر لديها سجل هائل فى تاريخ المؤسسات التعليمية، فجامعة الازهر، مركز التعليم الإسلامى فى العالم، سبقت جامعتى كمبردج وأكسفورد بقرون، وجامعة القاهرة، التى تأسست عام 1908، كانت مركزًا للتنوير فى العالم العربى بأكمله، فالمثقفون الرواد قادوا أول انتخابات ديمقراطية فى مصر منذ عام 1920 وحتى عام 1950، وذلك فى العهد الملكي، وتحت سيطرة الإنجليز. هذه الفترة من التحديث الذى وُلِدت فيها، ضمت تأسيس المعاهد العلمية، وبزوغ الصناعات الحديثة، كالصناعات المصرفية، ووسائل الإعلام، والمنسوجات، والصور المتحركة.

نشأت خلال فترة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الذى شارك فى ثورة 52، لإسقاط النظام الملكي، وقاد مصر حتى وفاته عام 70، كانت دولته تعانى نقصا فى الديمقراطية، لكنها لم تكن تعانى نقصا على أى مستوى فى صناعة التفاؤل. فتخصصات العلوم والهندسة والتكنولوجيا كانت تطلب أعلى معدلات للتلاميذ فى الجامعات، ما أدى ذلك بدوره إلى جذب التلاميذ والعلماء من كل الدول العربية، كما تميز عصره بكثرة المشاريع العملاقة، التى كانت تحتاج لمهندسين على أعلى مستوى، كالسد العالى ومحاولة انشاء مفاعل نووى فى انشاص، وكانت مصر قادرة على تزويد تلك المشاريع بمهندسين بالمواصفات المطلوبة. وكأستاذ فى جامعة الإسكندرية، كنت قادرًا على نشر أبحاثى فى كبرى الدوريات العلمية العالمية، وبرغم أنى تركت مصر إلى أمريكا، فلم أفعل ذلك لأنى أحتاج حياة أخرى أكثر سعادة.

لكن خلال الثلاثين عامًا المنصرمة، منذ اغتيال الرئيس أنور السادات تقريبًا، تدهورت البلاد، وذلك خلال عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، فكان يولى أهمية خاصة للأمن ووسائل الإعلام، وبناء المنتجعات السياحية، على أن يهتم بالمدارس والبنية التحتية، حتى أدى هذا إلى زيادة فى عدد السكان، وزيادة الطلب على التعليم، والذى لم يكن يتحقق.

لم أكن استطيع أن أفخر عندما أقول إن مساهمة مصر والعالم العربى بأكمله فى العلم والتكنولوجيا مساهمة ضئيلة جدًا. ذلك الجزء من العالم الذى كان رائدًا فى العلوم والرياضيات خلال العصور المظلمة فى أوروبا، صار اليوم غارقًا فى عصور موغلة فى الجهل وعدم المعرفة، باستثناء إسرائيل، منتوجات المنطقة من العلوم متواضع جدًا. صحيح أن تركيا وإيران حققتا خطوات واسعة فى التكنولوجيا. لكن مصر تحت حكم الرئيس مبارك، كانت تعتمد بدلًا من العلوم والتكنولوجيا، على عائدات من قناة السويس، والسياحة، وصناعة الطاقة، بالاضافة إلى مساهمات ضئيلة جدا من صناعة التكنولوجيا.

عقب اسقاط مبارك، استدعانى السيد “عصام شرف” رئيس وزراء أول حكومة مصرية بعد الثورة، لتأسيس ما اسمته الحكومة “مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا”، مؤسسة تعليمية وبحثية، كنت طلبت تأسيسها من مبارك، وعدد من رؤساء الوزارة دون ان تلاقى أى نجاح لمدة تجاوزت 15 عامًا. وبدعم شعبى هائل، استطعنا جمع ميزانية لإنشاء المشروع، على أكثر من مئة فدان فى ضواحى القاهرة، كما أن القادة الحكوميين منذ انتفاضة 30 يونيو، استمروا فى دعم المشروع. عصام حجى مثلًا عالم الفلك فى هيئة ناسا الأمريكية، والمستشار العلمى للرئيس المؤقت عدلى منصور، قال مؤخرًا : “إن العلم والتعليم لابد أن يكون أولويتنا الوطنية”.

تقبل الجامعة تخصصات الطب الحيوي، والطاقة الشمسية والنانوتكنولوجي، ومجالات أخرى فى طريقها للإنشاء. فى الصيف الماضي، تقدم نحو 6000 طالب لمواقع مختلفة من الجامعة. استمريت فى دعم المشروع، وقيادة مجلس أمنائه، المكون من ستة مرشحين لجائزة نوبل، لكن لابد لهذا المشروع أن ينجح، والبطالة العالية المنتشرة بين الشباب المصري، الذى يمثل قرابة ثلث سكان الشعب المصرى الذى يصل تعداده لـ 90 مليون نسمة، لا تضمن أى استقرار.

تعد مصر بمثابة استراتيجية حيوية بالنسبة لأمريكا، بسبب قناة السويس، ومعاهدة السلام الدائمة مع إسرائيل، فضلًا عن التعاون العسكرى والاستخباراتي. لكن معظم النقاشات حول المساعدات تركز على النفوذ السياسي. وأعتقد أنه لابد أن نفكر فى طريقة جديدة للمساعدات بدلًا من ذلك. تمد أمريكا مصر بـ 1.6 بليون دولار سنويًا، بينما تمد إسرائيل بنحو 3 بلايين دولار، تذهب الأولى مباشرة للمساعدات العسكرية، فيما تتوزع الثانية على المساعدات العسكرية والاقتصادية والعلمية، والتعاون الصناعى.

إننى أناشد القيادات المصرية على جميع المستويات، أيًا كان توجهاتهم الدينية أو السياسية، أن يفصلوا التعليم والعلم عن نزاعاتهم السياسية. كما أناشد القوى العظمى، كأمريكا أن تدعم تطوير الثروة البشرية فى مصر، فالمساعدات التى منحتها أمريكا لليابان وكوريا الجنوبية وتايوان مثلا، بعد الحرب العالمية الثانية، مكنتهم من الاستقلال الاقتصادي.

لا أزال متفائلًا بمصر، وبالشعب الذى لم يستقر وضعه منذ نصف قرن على الأقل. لكن السؤال الذى لا أجد له إجابة كعالِم، هو ما الذى سيحل محل هذا كله؟، وما المدة التى سيأخذها هذا الوضع. دائمًا ما عُرف المصريون بصبرهم، الذى ربما استمدوه من المدة الطويلة التى عاشوها بجوار النيل الخالد، لكن صبرهم يرِق، وتطلعاتهم لا تلبى، وأى جماعة تريد تحقيق آمال وتطلعات المصريين لابد أن يجعلوا التحصيل العلمى والنمو الاقتصادى أولويتهم الأولى.