الحياة خارج النظام مع “كابتن فانتاستيك” بقلم – أحمد حسونة   كثيرا منا لديه انتقادات عديدة للنظام الرأسمالى الذى لا يرحم البسطاء، ويتسبب فى اغتناء قلة قليلة من الأفراد على

Captain-Fantastic-movie-starring-Viggo-Mortensen

الحياة خارج النظام مع “كابتن فانتاستيك”

بقلم – أحمد حسونة

 

كثيرا منا لديه انتقادات عديدة للنظام الرأسمالى الذى لا يرحم البسطاء، ويتسبب فى اغتناء قلة قليلة من الأفراد على الأرض، بينما تعانى الأغلبية فقرا مدقعا، بالإضافة إلى كل المواد الغذائية والاستهلاكية التى لها أضرار صحية ونفسية قد تفضى إلى الموت البطىء، ليس للانسان فقط إنما الأرض نفسها وما عليها، لكن هل اتخذت يوما موقفا حقيقيا من هذا العالم الرأسمالى الجشع، وقررت أن تعيش خارج منظومته؟ أعتقد قليلون هم من قاموا بذلك منهم “كابتن فانتاستيك” بطل هذا الفيلم وأسرته.

كان العرض الأول لهذا الفيلم الانسانى الجميل بمهرجان صن دانس الأمريكى لهذا العام، ثم فاز مخرجه “مات روس” بجائزة أحسن إخراج بقسم “نظرة ما” بمهرجان كان، وقد فاز الفيلم حتى الان بخمس جوائز منها جائزة الجمهور بمهرجان كارلوفى فاري، وجائزة الاخراج ببالم سبرينج، وأحسن فيلم بمهرجان سياتل، وهو فيلم يستحق بجدارة هذا التقدير والاهتمام، وقد أحسنت إدارة سينما زاوية بالقاهرة باختيارها للفيلم لافتتاح موسمها الجديد.

موضوع الفيلم

يدور الفيلم حول “كابتن فانتستيك”، أوبن كاش الذى يعيش مع أولاده الخمسة، فى غابة نائية بعيدة عن المدينة منذ عشرة أعوام تقريبا، ويريد هو وأولاده استعادة جثمان “ليسلي” الزوجة والأم، بعد انتحارها بالمستشفى نتيجة مرض عضال، وحرق الجثمان حسب وصيتها لإيمانها بتعاليم البوذية، فى الوقت الذى يرفض والد ليسلى هذا الأمر، ويهدده بإخطار الشرطة للقبض عليه، وحرمانه من أطفاله. يصر بن وأطفاله على الذهاب للجنازة، ليبوح الجميع بمشاكله وموقفهم من الأب ليعيد بن حساباته ويعيش مع أسرته فيما بعد، حياة مختلفة عن ذى قبل.

البقاء للأقوى

يبدأ الفيلم بلقطات بانورامية من أعلى للغابة لنصل إلى لقطة قريبة لغزالة تتوجس خفية، يهاجمها فيما يبدو حيوان مفترس، إلا اننا نكتشف أنه “بو” ابن “بن” الكبير الذى يخاطبه «الان لم تعد ولدا..أصبحت رجلا من اليوم».

يفرض بن نظاما صارما أساسه “البقاء للأقوى” من خلال تعليم أولاده فنون الصيد والقتال بالأسلحة البيضاء وكل ما يحتاجه الانسان بداخل الغابة، لم يستثن أحدا منهم حتى أصغرهم ذات الثمانية أعوام.

لا يكترث إذا أصابت إحدى البنات الأخرى أثناء التمرين، أو أن يكون ابنه الصغير معلقا على الجبال وقد أصيبت يده، بل يصر على أنهم يعتمدون على أنفسهم، وهو ما قد يعطى انطباعا بأنه أب قاس، إلا أنه فى  حقيقة الأمر هو شخص فى غاية الرقة والعذوبة جسده بشكل رائع الممثل “فيجو مورتنسن”، فهو يخاف على أولاده، ويعلمهم كيف يستطيعون البقاء فى هذا العالم المتوحش.

وبالرغم من أن “بن” يقدم حياة الغابة، كبديل إنسانى حقيقى بدلا من النظام الرأسمالى المتوحش، الا أن الوحشية ونفس القوانين تحكم العالمين، فالاثنين يحكمهما البقاء للأقوى، ولا يستطيع الضعيف سواء على المستوى الجسدى فى الغابة، أو على المستوى المادى فى نظام الرأسمالية أن يعيش، بل سيتم تدميره تماما، وهذه احدى الاشكاليات الموجودة بذهن بن، فهو امن بطريقة حياة فى جوهرها لا تختلف كثيرا عن النظام السائد وتحتاج إلى تعديل.

القوة ليست فى الجسد فقط

لا يهمل “بن” تعليم أطفاله بشكل منهجي، وذلك بتعليمهم المواد والعلوم التى يراها مهمة فى رأيه، وهو تعليم راق ينافس التعليم الذى يحصل عليه الطلبة بالمدارس من خلال كتب يحتفظ بها فى أتوبيسه، بل انه يجعلهم يحتفلون فى مشهد مرح للغاية بعيد ميلاد نعوم تشومسكي، الناشط السياسي، والفيلسوف وعالم اللسانيات، المعروف بارائه الجريئة فى السياسة والحرب، هذا التعليم يظهر ثمرته من خلال رسائل وصلت له من كليات القمة بالجامعات الأمريكية تدعوه للالتحاق بها. فبن يعمل على خلق عقول مفكرة تفكر فيما تقرؤه، وتنتقده، وتعلن عن رأيها، ولكنه فى حقيقة الأمر من خلال ايديولوجية مسبقة حددها لهم سلفا، وهى الإشكالية الثانية التى تتعلق ببن. والتى تسمح له بأن يجعل أولاده يسرقون من السوبر ماركت على سبيل المثال، وأن يعطى مسميات جاهزة للأشياء التى قد نتفق معه فيها لكن ليست بهذه الدرجة من التطرف مثل قوله: الكوكولا مياه مسممة، وهو ما سنعود إليه لاحقا.

المجتمع خارج منظومة “بن”

لم يعد بن أولاده للتعامل مع المجتمع أو العالم الخارجى وهى الإشكالية الثالثة له. فبالرغم من أن أولاده لديهم القوة العقلية والجسدية للانخراط بالمجتمع، الا أنهم لا يستطيعون الاندماج. ويبدو ذلك واضحا من البداية فى رد فعل ابنه الأكبر “بو” تجاه فتيات قابلهن فى المتجر حيث لا يستطيع أن يتفاعل معهن، وبالرغم من تشجيع والده إلا أنه يرد عليه هل سيتحدث معهن عن النظريات ونعوم تشومسكى وأحوال العالم؟  فالولد غير قادر على التفاعل الطبيعى، وعندما يلتقى مع فتاة أخرى ويبدأ فى حوار معها، ينتهى بطلب يدها من أمها. تضحك الأم والابنة من حديثه ومن تهوره، حيث لم يزد لقاؤهما عن يوم واحد. وينفعل الابن عندما يعرف والده بأنه كان يراسل جامعات من وراءه فيقول له “اننى مسخ، ولا أعرف شيئا عن العالم أنا أريد أن أعرف هذا العالم”.

يختلف “بو” عن الأخ الأصغر ”ريليان”، حيث هذا الأخير ذو طابع عصبى وعنيف، متمرد، يشعر أن والده قد خذل والدته فى مرضها، وأرغمها على البقاء فى الغابة، مما يجعله معترضا ورافضا لكثير مما ينطق به الأب. فعلى سبيل المثال عند الاحتفال بعيد ميلاد تشومسكي، يقول له “لماذ لا نحتفل بالكريسماس مثل باقى الأفراد؟” وهو الوحيد الذى يواجه والده، ويرفض أن يعود إلى الغابة.

الطفولة الضائعة

مشكلة أخرى يعانيها، وهو عدم تقديره لسن الطفولة، وما يجب أن يقال، وما لا يقال، فهو لا يخفى شيئا عن أبنائه، فهو يرد بمنتهى الدقة، على تساؤلات ابنته الصغري ”ناي” عن الجماع الجنسي، بل يعطيها كتابا عن “متعة الجنس” حيث يبدو عليها التقزز مما تراه من صور وتلقيه على الأرض، ثم تحصل منه على سكين للقتال وتفرح بها بشدة. ففى الحالتين تقدير بن للتعامل مع أطفاله الصغار غير سليم، فليس من المنطق أن ترى طفلة هذه الصور فى هذا العمر وقد تم تقديم المشهد بشكل كوميدى من خلال تعبيرات الفتاة الرائعة، ومدى فرحتها بالسكين وهو أمر خاطئ أيضا لأنه يخلق بداخلها العنف ويعرضها للمخاطر. هذه القضية الخاصة بتعامله مع الأطفال تتم مناقشتها بشكل صريح مع “هاربر” أخت بن التى لا يعجبها أسلوب أخيها فى التعامل مع الأطفال واطلاعهم على كل شىء، ففى المشاهد المتتالية فى منزل الأخت نجد الفارق الكبير بين عائلة “بن” وعائلة “هاربر”.

المواجهة بين عالمين

يأتى “بن” وأولاده محملين بكل هذه الأفكار والإشكاليات فى مشهد رائع بالكنيسة أثناء مراسم الجنازة، وهم يرتدون ملابس غريبة خارجة عن المألوف، فالأب يرتدى جاكيت أحمر وابنته الصغرى “زاجا” ترتدى قناعا قديما للغوص فى أعماق البحار والابنتين الأخريين ترتديان الملابس ذات الألوان الزاهية والزهور على رأسيهما. يحاول بن أن يقاطع المراسم ليعلن أن الأم تنتمى إلى البوذية وترفض أى ديانة ذات نظام رسمي، ووصيتها أن تحرق، وأن يلقى برمادها فى المرحاض!!!

يتم إخراج “بن” بالقوة من الكنيسة، ويحذره والد “ليسلي” من المجىء إلى مراسم الدفن، وإلا سيجعل الشرطة تقبض عليه. تحتوى هذه المشاهد على العديد من المشاعر الانسانية الجميلة، من تواصل الجد والجدة بأحفادهما وهم فى المقابل سعيدون جدا بهذا التواصل. فى نفس الوقت يمنعون الأب من إكمال المهمة فى انقاذ الأم من القبر لخوفهم الشديد من أن يفقدوه.

الاستسلام للمدنية

يبدأ “بن” فى اكتشاف مدى تمسكه المتطرف بمبادئه من خلال سلسلة من الأحداث، تبدأ برفض “ريليان” العودة معه إلى الغابة، ومواجهة “بن” مع والد زوجته المتوفية “ليسلي” التى تكشف بعض الأمور لديه، ثم محاولة إنقاذ “ريليان” من هذا السجن كما يتصور “بن”، على يد ابنته “فيسباير” التى تسقط من على سطح المنزل خلال عملية الانقاذ والتى ينتج عنها ارتجاج فى المخ بسيط وشرخ فى القدم، إلا أن الطبيب يخبره بأنه كان من الممكن أن تموت، أو تشل.

ينسحب “بن” ويترك أولاده عند الجد الذى يرحب بقراره، وينطلق إلى الغابة.

مراجعة للنفس

يحلق “بن” ذقنه، ويبدو عليه الرغبة فى إعادة التفكير بأموره لنكتشف أن أولاده جميعا قد عادوا إليه، وأعلن ابنه الصغير ريليان أنه لا يكرهه، إنما كان يريده أن يساعد أمه بشكل أفضل. تقرر العائلة استكمال المهمة وسرقة جثمان الأم لحرقه، وتنجح بالفعل، ثم يقرر الابن الأكبر ان يسافر إلى نامبيا بدلا من الدخول إلى الجامعة دون شرح الأسباب، ولكنه أمر منطقى حيث انه قد حصل على مستوى علمى جيد، ولكنه يفتقر إلى التعامل مع الناس، ففضل أن يذهب إلى مكان ينخرط فيه ويساعد المجتمع حيث انه فى النهاية يعتبر مجتمعا بدائيا.

وخروجا من حالة التطرف التى كانت تعيشها العائلة، انتقل بن وعائلته إلى منزل صغير بعيدا عن المدينة لكن ليس فى الغابة، وحول عربته إلى مكان لتربية الدواجن. نجد العائلة مجتمعة فى المنزل، والأطفال فى انتظار مرور سيارة المدرسة. عائلة طبيعية تبدوسعيدة، يتدفق شعاع الشمس من خلال النافذة اعلانا عن حياة جديدة تمثل التغير الذى حدث للعائلة ودخول السكينة والهدوء إلى نفوسهم.

واقعية الشخصيات والأداء وتجسيدها

يستمد الفيلم قوته من عوامل عديدة تبدأ من السيناريو المتميز الذى رصد التفاصيل الخاصة بالحياة فى الغابة، ثم الرحلة وما مر بها من أحداث تؤدى إلى تغير الشخصيات، وكيف هذه التغيرات أدت إلى شكل اخر من الحياة تبنته عائلة بن.

وبالرغم من عدم قولبة الفيلم فى الشكل النوعى للأفلام، إلا أنه التزم بالبناء الكلاسيكى للسيناريو من وجود حبكة واضحة والفصول الثلاثة، والتغيرات التى تطرأ  على الشخصيات. ومن الواضح تميز الشخصيات على مستوى الكتابة على درجة من واقعية المشاعر والأفكار التى تجسد الأشخاص العادية، بالرغم من غرابة شخصية “بن”.

تميز الفيلم أيضا بالتمثيل، وإدارة المخرج للممثلين، فمعظمهم قاموا بأداء أدوارهم على شكل رائع يظهر مدى تنوع الشخصيات وثراءها والمواقف المختلفة التى يمر بها الأشخاص، مثل مشهد نبأ وفاة الأم، وخوفهم على والدهم على سبيل المثال.

كانت قدرة الممثلين فى تجسيد أبعاد الشخصيات التى كانت معظمها فى المنطقة الرمادية، أى ليست شخصيات نستطيع الحكم عليها أو ننحاز ضدها. فعلى سبيل المثال لا نستطيع أن نكره “بن”، ولكننا نعلم أنه مسئول عن أشياء كثيرة بحسن نية، أو تعنت فى الرأى غير مقصود. ونستطيع أن نتفهم أيضا موقف الجد، ونراه لا يحمل ضغينة ضد “بن”. يبتعد الفيلم فى واقع الأمر عن إدانة الأشخاص، وهو ما يميز الأفلام التى تقدم أفلاما ترتبط بواقع الحياة والأفراد.

استطاع المخرج أيضا تجسيد لحظات مهمة فى الفيلم بشكل رائع فى تكوينات جمالية وإنسانية ذات معنى، نذكر على سبيل المثال لا الحصر عندما أخبر “بن” أبناءه بوفاة والدتهم منتحرة وكيف تملكهم الحزن، ومحاولة “ريليان” من كثرة غضبه أن يطعن والده بالخنجر، مقابل ثبات والده فى مكانه، يعقبه إنخراط ريليان فى البكاء، أو عندما يفترق “بو” عن الفتاة التى أراد أن يتزوجها، ونشاهده كأنه مسجون فى الزجاج الخلفى للأتوبيس، أو بكاء “بن” الذى يليه لقطة للأتوبيس وهو خاو من أبنائه، ثم عندما يجلس فى الليل ظهره لأضواء المدينة التى هزمته وأمامه نار تضىء له حياته التى تعود عليها.

ينحاز الفيلم فى النهاية إلى الأسلوب الوسطى فى الحياة بعيدا عن التوغل فى الحياة الاستهلاكية، أو الانغماس فى الحياة البدائية، وضرورة مراجعة النفس، وعدم التعنت فى الآراء، وعدم الانفراد بالرأي، والتوهم بالحديث بلسان الاخرين وإعلاء قيمة الحياة على الأيديولوجية.