فاتن حمامة.. تواجه الدواعس ** سقط مبارك وبقيت أطراف نظامه وتوحشت.. وسقط مرسى وبقيت أيديولوجيا جماعته كامنة فى أحشاء مجتمع أصابه فيروس الوهابية قبل نحو أربعة عقود ولم يُشف منه

9990

أسامة عبد الفتاح

فاتن حمامة.. تواجه الدواعس

** سقط مبارك وبقيت أطراف نظامه وتوحشت.. وسقط مرسى وبقيت أيديولوجيا جماعته كامنة فى أحشاء مجتمع أصابه فيروس الوهابية قبل نحو أربعة عقود ولم يُشف منه

بقلم : أسامة عبد الفتاح

 

أخطر ما فى أزمة إزالة اسم فاتن حمامة من على إحدى مدارس القليوبية – وأقصد تماما أنها أزمة، بل أضيف أنها خطيرة – أن المسألة لم تتوقف عند حدود قرار حكومى صادر عن «دولة عميقة» متطرفة وفاشية فشلنا فى القضاء عليها، بل تجاوزتها إلى «مظاهرات شعبية» – أيا كان حجمها – رفضا للنجمة الكبيرة الراحلة واسمها، مما يعنى أن الدولة العميقة ليست إدارية فحسب، بل ضاربة بجذورها فى قاع مجتمع يبدو أننا لا نعرف عنه شيئا.

سقط حسنى مبارك وبقيت أطراف نظامه ودولته العميقة بل توحشت، وسقط محمد مرسى وبقيت أيديولوجيا جماعته ونظام عشيرته كامنين فى أحشاء مجتمع أصابه فيروس الوهابية قبل نحو أربعة عقود ولم يُشف منه حتى الآن، وبقيت أيضا نائمة فى صدور تعلمت الفاشية قبل الأبجدية، وظلت تتخفى وراء القناع تلو القناع وفقا للظروف والتطورات السياسية إلى أن تحيّن داخلها الأسود المتطرف الفرصة لكى يطفح على الوجوه وينفجر فى وجه الجميع.

فى ظل نظام وجد رئيس وزرائه السابق، ومستشاره الحالى للمشروعات القومية، إبراهيم محلب، الوقت والطاقة لكى يمنع بنفسه فيلما سينمائيا، تفهمتُ تماما قرار اللواء رضا فرحات، محافظ القليوبية، رقم 483 لسنة 2016، بوقف تنفيذ القرار رقم 177 لسنة 2015، والصادر من المهندس محمد عبد الظاهر، محافظ القليوبية السابق والإسكندرية الحالي، فيما تضمنه من إطلاق اسم الفنانة الراحلة على مجمع مدارس ترسا للتعليم الأساسى التابعة لإدارة طوخ التعليمية، وذلك تنفيذا للحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى بالقليوبية فى الدعوى رقم 11694 لسنة 2016، والمقامة من سعد زغلول المحامى وآخرين من أبناء قرية ترسا بمحافظة القليوبية.

لكن ما لم أفهمه على الإطلاق أن تشهد القرية سلسلة من التظاهرات لعدد من أبنائها – حتى لو كان محدودا – رفعوا اللافتات والرايات رفضا لوضع اسم فاتن حمامة على المدرسة، وكأنه اسم مجرمة أو امرأة سيئة السمعة، وليس اسم نجمة القرن الماضى السينمائية والفنانة الكبيرة المحترمة التى خرجت من بين صفوف الناس وعاشت معهم نحو ثمانية عقود منذ طفولتها وحتى رحيلها العام الماضي.

وهناك تفسيران لا ثالث لهما عندي: فإما أن يكون هؤلاء – سواء من حرّكوا الدعوى القضائية أو من قاموا بالتظاهر – من دواعش الدولة العميقة الصغار الذين يحتقرون الفن – مثل نظرائهم فى الحكومة – ويحرّمونه ويكرهون رموزه، أو أن يكونوا من جمهور «الأغلبية الصامتة» الذى لا ندرى عنه شيئا، والذى لا يخرج مفهوم الفن عنده عن مسلسل ميلودرامى فج لمحمد رمضان تتم مشاهدته على المقهى على أنغام كركرة الشيشة أو أغنية «مهرجانات» صاخبة يتم سماعها فى «توك توك» أو ميكروباص.

أما فاتن حمامة، التى غيَّب جسدَها موتُ لن يمنع بقاءها حية فى قلوبنا وأذهاننا جميعا، فستبقى رغما عنهم جميعا، فهى ليست مجرد ممثلة كبيرة قدمت عشرات الأعمال الفنية الخالدة، وليست مجرد نجمة عالية لامعة تحتل أكبر مساحة من سماء تاريخنا السينمائي، وليست حتى مجرد سيدة للشاشات العربية كلها، بل هى جزء لا يتجزأ من حياتنا ويومياتنا، ومن وجدان هذا الشعب الذى تربت على يديه وفى فنائه.

ستبقى لأن ارتباط المصريين بها ليس إعجابا بممثلة تألقت على الشاشة أو نجمة جابت شهرتها الآفاق، بل حبا حقيقيا لواحدة منهم خرجت من رحمهم لتعبر عنهم بصدق وتطرح قضاياهم فى كل لحظة مجيدة أو مريرة من تاريخهم العريق.

احتضنوها طفلة تخاطب بشجاعة كبيرا فى قامة محمد عبد الوهاب، ووجدوها تنطق بأصواتهم وتعبر عن عهدهم الجديد حين التفوا حول ثورة جيشهم فى يوليو 1952، وبكت معهم بعد هزيمة 1967، واحتفلت معهم بنصر أكتوبر العظيم، وتعجبت مثلهم من انفتاح ومقاولات السبعينات.. وحين انتفضت السينما المصرية لتفجّر واقعيتها الجديدة المتمردة، كانت موجودة لتشارك جيلا جادا من السينمائيين تجربته، ويعلو صوتها بصرخته.. وكما زارها أهلها وذهبوا إليها كثيرا فى «بيوتها»، أى قاعات السينما، فقد ردت الزيارة ودخلت بيوتهم عن طريق التليفزيون.

لها مكانة خاصة جدا فى قلب هذا الشعب العظيم لأنها لم تأت من وراء أى بحر قاصدة الشهرة أو المال، بل كانت دائما ابنته وابنة البلد المصرية التى تليق بها كل جلابيب وأزياء المصريات: فلاحة، صعيدية، جامعية، مهنية، ثائرة، مثقفة، مسئولة كبيرة، جاهلة بسيطة.. كانت – وستظل – أهم مرادف لكلمة «المصرية».

 

13938395_1852024788351818_696822546773970853_n