تغريدة حارة المعجزات! إبراهيم فرغلي   شاهدت بالصدفة غلافين مختلفين لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ فى ترجمات للإسبانية، حين كنت أتصفح الإنترنت. لفت انتباهى أن الغلافين يصوران زقاقا من أحد

حارة المعجزات!

تغريدة

حارة المعجزات!

إبراهيم فرغلي

 

شاهدت بالصدفة غلافين مختلفين لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ فى ترجمات للإسبانية، حين كنت أتصفح الإنترنت.

لفت انتباهى أن الغلافين يصوران زقاقا من أحد أحياء مدن الجزائر القديمة، وأن المرأة فى الصورة ترتدى الحايك، أو «الحائك» وهو الزى التقليدى القديم للنساء فى الجزائر والمغرب وربما منطقة شمال إفريقيا عموما.

اندهشت، لأننى لم أفهم هل القائمون على دار النشر الإسبانية لا يعرفون الفارق بين الحارة المصرية وتلك الجزائرية أو المغربية، أم أنهم لا يهتمون بالفروق بين خصوصيات دول تلك الكتلة المشوشة المضطربة من العالم التى يعرفونها بالشرق الأوسط؟

هل الخيال القديم للشرق لا يزال طاغيا إلى هذا الحد فى عقول الناشرين الغربيين، أم أنهم يغازلون هذا الخيال لدى القطاع الأوسع من جمهور أوروبا الذى لا يعرف بالفعل عن الثقافة العربية والمجتمعات العربية سوى قشور مما خلفه المستشرقون، وكوارث الأخبار اليومية إذا مست حياتهم اليومية؟

فى أى الأحوال، وبغض النظر عن كون الدار تملك مستشارا فنيا عربيا، أو لا تهتم، فإن الغلافين أكدا لى ما أشعر به حيال حالة النخبة الغربية المعاصرة، التى تبدو لى نخبة مما يمكن أن نطلق عليهم خبراء، بتعبير الصديق مهاب نصر أيضا، أكثر كثيرا من كونهم مفكرين.

النخبة الغربية اليوم، ومهما تظاهرت باهتمامها بالشرق، تبدو لى مهتمة وفق منهج أكاديمى ممتلئ بالكلاشيهات.

كلاشيهات تعرفها هذه النخبة عن الحريات الشخصية، حقوق المرأة، الديمقراطية، الاقتراع فى الانتخابات. وتحاول فهم ما تراه وفقا لمعاييرها الغربية، الإجرائية. وبالتالى فالديمقراطية لدى النخبة الغربية الإجرائية تعنى وجود صندوق انتخابى ومقترعين مثلا. لا علاقة لهم بنوع المقترعين، بالوعي، أو بوجود أو عدم وجود ثقافة ديمقراطية أساسا بين هؤلاء المقترعين وبعضهم البعض. لا معرفة بحقيقة التباينات الثقافية بين الريف والحضر، وبين المدن والقرى أو طبقات المجتمع المصري.

ولهذا فمن البديهى أن تباغت هذه النخب، ليس بما يحدث فى الشرق الأوسط، فقط، بل بما يحدث فى الغرب، فى موطنهم، من تغيرات ثقافية يظل النخبوى الغربى الإجرائى مصرا على أنها «تغيرات ثقافية علينا القبول بها»، دون محاولة فهم جدية لأخطاء الشكلية الإجرائية، التى تحولت إليها الديمقراطية الغربية، أو لمراجعة سلبيات المنهج النيوليبرالى فى جعل مفهوم «الحرية» الشكلانى وسيلة لتحويل مقدرات الشعوب وثرواتهم بين أيدى بضع مئات من المليارديرات فى العالم مقابل ملايين البشر الذين لا يمتلكون ما يكفى حاجتهم الأساسية. دون أدنى محاولة للوقوف بجدية أمام سياسات حكوماتهم الديمقراطية تجاه العرب، والتى دمرت أكثر من دولة عربية وما زالت مستمرة فى سعيها.

وهناك اليوم أفكار بالغة الأهمية فى نقد تناقضات الحكومات الغربية فى سلوكها بين الشعارات الديمقراطية التى ترفعها من جهة، والممارسات الاستغلالية التى تقوم بها لتوسيع مجال نفوذها الاقتصادى والسياسى فى العالم، بل حتى ازدواجياتها فى قضية الصراع العربى الإسرائيلي.

بين أصحاب هذه المراجعات مثلا الفيلسوف السلوفينى المثير للجدل سلافويجيجيك، والمفكر الماركسى ديفيد هارفي، والناشط والسينمائى مايكل مور فى الولايات المتحدة وغيرهم.

لكن ما يهمنى الإشارة إليه هو العديد من الأفكار المهمة التى يضع ديفيد هارفى يده عليها فى كتابه «الليبرالية الجديدة»، والذى سأتعرض له بالتفصيل.