حصريا في جريدة القاهرة فصل كامل من الرواية الجديدة للكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد قبل صدورها رواية قطط العام الفائت إبراهيم عبد المجيد ( فى بلد يسمى “لاوند “ قامت

14030604_10154514113779009_1198964920_n

14018106_10154514127194009_1530225473_n

حصريا في جريدة القاهرة

فصل كامل من الرواية الجديدة للكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد قبل صدورها

رواية

قطط العام الفائت

إبراهيم عبد المجيد

( فى بلد يسمى “لاوند “ قامت ثورة  في اليوم نفسه الذى حدثت فيه الثورة في “مصرايم“..  هنا ما جري فى لاوند, وأى تشابه مع الواقع غير مقصود )

– 1 –

ابتسم الحاكم فى دهشة وهو يرى أن أصابعه تمتد إلى الأمام. راح ينظر إليها وهو يقف فى صالة قصره وقد اتسعت عيناه. قال لنفسه إنه خيال، أصابعى فى مكانها. لكنه وجدها تمتد وتطول وتنزل إلى الأرض. راحت تمشى أمامه إلى كل أرجاء الصالة، وتصعد المقاعد التاريخية التى تركها الملوك القدامى للسلطة الجديدة التى انقلبت عليهم منذ عشرات السنين. رآها تتفرق على الجدران الأربعة البعيدة تمشى فوق لوحات الفنانين الكبار من أوروبا التى لم يبقَ منها إلا صور مقلدة. لقد قررت زوجته ألا تترك صورا حقيقية خلفهم إذا انقلب عليهم أحد من الجيش كما انقلب زوجها على الحاكم قبله،أو إذا ثار عليهم الشعب.

كان يرى أصابعه تمشى حمراء وتتسلق الجدران كأنما تعاينها أو تباركها وهو يضحك غير مصدق. قال فى نفسه، مصيبة لو خرجت منها حيوانات تجرى أمامه.

انتبه إلى أن مدير المحن والأزمات “ مُز” تخرج من أصابعه الثعابين. لا يعرف ذلك عنه إلا من عذّبهم، وحين يقولون ذلك يعتبرونهم مجانين، بينما هو على يقين مما يقولون. الحاكم وكل رجاله لم يكونوا يعرفون أن اختصار المحن والأزمات هو “ مأ “ وليس “مُز” وحين أوضح له أحد الكتاب الكبار هذا الخطأ اللغوى فى احد اللقاءات قال له ومالها “مُز” على الأقل حاجة حلوة تمز فيها! ومن يومها صارت “مُز” هى الحقيقة.

 

15000164_10154748929558593_4214381753596529359_o

بدأت أصابعه تعود شىءا فشىءا وتنكمش من جديد. أحس بألم شديد فى أطرافه. رآها تنتفخ ويزداد الألم. فى اللحظة التى كاد فيها يصرخ،انفجرت أصابعه وقفزت منها طيور بيضاء نزلت إلى الأرض تلتقط الحبوب التى ملأت الصالة الواسعة التى يقف فيها فى قصره. راح يضم أصابعه إلى صدره من الألم. لقد عادت أصابعه إلى حالها وطولها الطبيعي. لكنه يسمع صوت الطيور ترف أجنحتها وهى تحاول الطيران ولا تستطيع. نادى بصوت مرعوب:

– سناء. يا سناء.

دخل الخادم النوبى العجوز بجلبابه الأبيض وفى وسطه حزام من القماش الأزرق. انحنى وهو يقول:

– تحت أمرك يا مولاى.

قال الحاكم منزعجا:

– من أنت؟ وكيف وصلت الى هنا؟

قال الخادم وهو ينظر إلى الأرض:

– أنا خادمك يا سيدى منذ خمسين سنة.

– خمسون سنة. هل مرت علىّ خمسون سنة هنا؟

– يطول عمرك يا سيدى وسوف تمر خمسون أخرى.

تردد الحاكم لحظة ثم قال:

– أقصد كيف وصلت أمامي. ألم ترى الطيورعلى الأرض؟

تلفت الخادم النوبى وقال مندهشا:

– لا توجد طيور على الأرض يا مولاي. ليس عليها إلا السجاد الشيرازى القديم كما هو.

صرخ فيه:

– إذن اذهب وناد سيدتك.

عاد الخادم النوبى حائرا بينما وقف الحاكم يتلفت حوله يتأكد أنه فى قصره. كل شىء كما هو فى مكانه. النجف فى السقف والمقاعد فى الأجناب والمناضد الصغيرة وكل ما حملته السفن من مزادات أثاث قصور العصور الوسطى فى أوروبا، وكل ما تركه الملوك السابقون هنا، بعد انقلاب الجيش على آخر الملوك!

دخلت زوجة الحاكم مرعوبة وهى ترتدى فستانها الفرنسى الطراز والمادة والنسيج. بادرته بالسؤال وهى تنتفض:

– هل عرفت ما جرى؟

– لا.

– ألم يخبرك أحد من مساعديك؟

– لا. ماذا حدث؟

– الشباب الذين يتجمعون ضدك فى الميدان صاروا متجمدين مثل تماثيل من حجر.

نظر إليها لحظة مندهشا يمنع ابتسامة ثم انطلق يضحك ويقول:

– كنت أعرف. هذه نهاية كل ظالم!

وقف وزير الأمن والأمان”مَم” فى قاعة الاجتماعات بين ضباطه الكبار -بالمناسبة وزارة الأمن والأمان لا يختصرها أحد بل تنطق باسمها كاملا فى هذا البلد لكن على طريقة الحاكم جعلها الوزير “مَم” وليس “أأ”، وعلى طريقة الحاكم قال على الأقل “مَم” تلاقى حاجة تاكلها- قال وزير “مَم” لضباطه وهو يضحك:

– أنتم مجانين لتقولوا لى هذا الكلام.

صاروا يضحكون أكثر وقال أحدهم:

– هذا ما جرى بالضبط.

– يمكن أن أصدقكم حين تقولون انهم تجمدوا من البرد. لكن أن يصيروا أحجارا أو كالأحجار فهذا خرف.

قال اللواء سامى أبو عامود مسئول الإعلام:

– لقد صورت كل شىء يا معالى الوزير ويمكن أن تراه الآن.

– كيف صورته وأنت هنا؟

– إنها صور حية يا سيدي. فيلم قصير لمدة خمس دقائق فقط صورته طائرتنا الهليكوبتر وهبطت كعادتها فى الوزارة. لقد أصدرت لها الأوامر أن تقدم تقريرا عما فى الميدان فكانت هذه الصور المفاجئة.

– لا بأس. اجلسوا.

كانوا خمسة جنرالات تلمع رتبهم وسط ضوء الغرفة المغلقة النوافذ. اللواء سعاد فايز رئيس قوات مكافحة الشغب، واللواء سنقر فايز رئيس المباحث العامة، واللواء سامح أبو قرش رئيس مباحث المخدرات، واللواء سامى أبو عامود مسئول الإعلام، وواحد بالزى المدنى هو اللواء سرِّى فايز رئيس حماية الدولة. كانوا فى غرفهم بالوزارة لا يغادرونها منذ صباح الجمعة أمس. لم يكن ممكنا لهم أبدا ترك الوزراة والمظاهرات تملأ البلاد. حتى بعد أن ملأ الشباب الميدان الكبير لم يكن ممكنا لهم ترك الوزراة، فالشوارع المحيطة بها تمتلئ بالشباب الذى يحاول دخولها ولا يمنعهم إلا مدرعات ودبابات الجيش وقنّاصة أعلى سطح الوزارة يطلقون الرصاص على من يقترب. كانوا يتابعون كل شىء بالتليفزيون فى محطاته الأجنبية التى تؤكد لهم وهى تدين القنص أن القناصة لا يزالون يعملون وأن مدرعات الجيش لا تزال تحميهم. كانت مشاهد الشباب وهم ينقلون المصابين من زملائهم إلى المستشفيات التى أقاموها حول الميدان الكبير تسعدهم وتؤكد لهم أنهم فى مأمن رغم أن قوات البوليس فى كل مكان من البلاد تركت مهمتها فى الساعة الخامسة يوم أمس الجمعة وانتصر الشباب الذى قررا لا يترك الميدان إلا بخلع الحاكم وإسقاط النظام.

كان الضباط الكبار مرهقين متعبين. رغم وجود أسرّة وحمامات وكل ما يحتاجونه، لكنهم تركوا ذقونهم، ولم يكن لدى أى منهم الرغبة فى الاستحمام. لم يكن ممكنا اليوم أن يتندر الوزير على تشابه أسمائهم الذى يكاد يجعل بعضهم من عائلة واحدة وهم ليسوا كذلك، ولا على أشكالهم المتقاربة التى تجعلهم مثل توائم زاد التقدم فى السن من تشابهها، ولا أن يتندر على اسم رئيس مباحث المخدرات سامح أبو قرش الذى يشى بالمخدرات ذاتها، ولا “أبو عامود“مسئول الإعلام. يعرف الوزير أن اسمه هو “عوّاد العبد الحبشى“ أيضا يثير الاستغراب. كانوا فى قلب الحقيقة التى جرت وهى أنهم هُزموا شر هزيمة أمام الشباب فماذا يمكن أن يفعلوا اليوم حقا؟

ما إن جلس قبلهم اللواء سرِّى فايز حتى صرخ وهو يقف مستترا يمسك مؤخرته بيده ويقول:

– لا تجلسوا. شىء ظهر فى المقعد.

كان ينظر إلى المقعد الخالى من كل شىء وهم يضحكون، بينما راح يضع يده على مؤخرته إذ شعر بشىء يسيل منها. رفع يده أمامه فرأى عليها دما. أدار يده بينهم وقد اصفر وجهه. اختفت ضحكاتهم وتبادلوا النظر فى رعب. اقترب اللواء سعاد فايز رئيس قوات مكافحة الشغب وحمل المقعد يحملق فيه.

– لا شىء فى المقعد. سأجلس أنا عليه.

صرخ اللواء سرِّى فايز :

– لا. اجلس على مقعد آخر. قد يكون هذا المقعد ممسوسا، لا أحد يدرى ما الذى يحدث فى البلاد.

جلس اللواء سعاد فايز والثلاثة الآخرون كل على مقعد غير المقعد الأول فلم يحدث شىء. نظروا إلى بعضهم فى دهشة. قال الوزير للواء سرّى فايز:

– لم يحدث ذلك إلا الآن. أنت الوحيد الذ ى جرى له ذلك. رئيس حماية الدولة. طبعا العين عليك. اذهب الى أقرب مستشفى ولا تعد إلا شافيا. مش ناقصة بواسير!!

ابتسم الأربعة الآخرون لكن اللواء سرِّى فايز المصاب قال:

– لكن..

– لا تقل لى الطرق خطرة. لقد تجمد الثوار عملاء الاستعمار ولن تجد إلا أتباعنا فى الطرقات.

مشى اللواء سرِّى فايز رئيس حماية الدولة المصاب، على مهل غير قادر على الإسراع، بينما الوزير والأربعة الباقون ينظرون إلى خيط الدم النازل منه على السجاد فهتف له الوزير:

– بسرعة. لقد هرّبنا كل أموال البلد الى الخارج ولن نجد ما نشترى به سجادا آخر.

ثم نظر إلى اللواء سامى أبو عامود مسئول الإعلام وقال:

– اعرض علينا الفيلم.

– ماذا سنفعل الآن؟

كانا اثنين هما السرعسكر ناظر الحربية ومدير المحن والأزمات “ مُز” فى طائرة حربية. مدير المحن والأزمات “مُز” معروف بشيطان الأزمات عند الحاكم ولا يعرفه أحد إلا الحاكم ودائرة صغيرة من الوزراء ونادرا ما يظهر فى الصحف وإذا ظهر فتحت لقب مختلف. حتى من يعذّبهم نادرا ما يرون وجهه، فوجوههم مُغطّاة وعيونهم مُغلقة. قال مدير “ مُز”:

– ليس أمامنا إلا الهبوط وإعلان الخبر لمولانا الحاكم.

قال السرعسكر ناظر الحربية:

– سننزل طبعا. وسنجده قد عرف. طائرة وزارة الأمن والأمان رأيناها تصور المشهد ونزلت قبلنا. لكن ماذا سنقول لمولانا؟ هل سنقول له الحقيقة اننا صعدنا وألقينا عليهم غازا مخدرا من الطائرة أم صعدنا نراقب المشهد فحدثت معجزة إلهية وتجمد كل من فى الميدان؟

– ليس أمامنا إلا أن نقول ذلك. إنها معجزة من السماء. وهذا هو ما حدث بالفعل.

قال ذلك مدير المحن الأزمات “ مُز” فنظر إليه السرعسكر وهو يهز رأسه مندهشا. لقد كان هو صاحب فكرة إلقاء الغاز على الثوار من السماء. قال انه غاز لا يقتل. فقط يسبب تجمد الأعضاء. وأنه حين يرى الثوار فى كل المدن ما جرى فى الميدان الكبير لن يأتوا إلى العاصمة ولن يستمروا فى أماكنهم. سيصيبهم الإحباط.. قال السرعسكر:

– وهل سيصدقنا مولانا الحاكم أمير باشا أبو العساكر؟ هو ماكر جدا. داهية كما تعرف. لقد فعلنا ما يحبه وإن لم يطلبه منا. المهم الآن ماذا سنفعل بعد؟

قال مدير المحن والأزمات “ مُز “:

– أمام الثوار يومان من التجمد، نكون فيهما قد انتهينا من مفاوضاتنا مع الفريق الأكثر تنظيما. فريق الشيخ شمعدان . ستنتهى القصة حين يصحو الثوار من غيبتهم ويرون أن الشيوخ خانوهم.

هز السرعسكر رأسه وقال:

– رغم أنى أعرف أن الثوار لن يستجيبوا حتى لو ماتوا لكن لا بأس. فلننزل إلى الأرض إذن وعليه الآن أن يرحل.

نظر إليه مدير المحن والأزمات “مُز” يفكر كم يريد السرعسكر أن يحل محل الحاكم. لكن هل يمكن؟

وصل إلى قصر الحكم وزير الأمن والأمان”مَم” والسرعسكر فى وقت واحد. كان وزير الأمن والأمان ”مَم” متخفيا فى زى امرأة منتقبة. سأله السرعسكر  ساخرا ومبتسما فى دهشة:

– ما الذى فعلته بنفسك؟

– لم يكن أمامى غير ذلك. بين مقر الوزارة وقصر الحاكم طرق يمكن أن يظهر فيها ثوار آخرون لم يتجمدوا. أنت تأتى من مقرك بالطائرة الهليكوبتر.

– وأنتم اليس لديكم طائرة هليكوبتر؟

– لدينا قائدها بعد أن صور الميدان وعاد شتمنا وقال كيف تقتلون كل هذا العدد من الناس؟ وترك الوزارة؟ للأسف أصابته القناصة من فوق المبنى وهو يغادره متخيلة أنه من الثوار!

سكت السرعسكر لحظات ثم قال:

– اتركنا وعد إلى مكتبك. ما سنتحدث فيه الآن لا علاقة لك به.

نظر إليه وزير الأمن والأمان “مَم” غاضبا ومرتبكا. لكنه لم يجد أمامه إلا أن يطيع. انتهى الزمن الذى كان فيه لقائد البوليس قيمة وأهمية . كما أن السرعسكر يريد السلطة. بل هى فى يده الآن. انتهى الزمن الذى كان فيه الحاكم يعتمد على قوات البوليس. لقد هرب الجنود والضباط. خلع الجنود لباسهم العسكرى وعادوا إلى بلادهم بالملابس الداخلية. هرب الضباط ولاذوا ببيوتهم. لقد خذلوه هو قائدهم الذى أعطاهم كل الصلاحيات للقتل والتعذيب. لا شك صار ضئيلا الآن فى أعين الجميع. لم يكن أحد يعرف أن لعنة من السماء ستصيب الثوار ويتجمدون تحت الشتاء!

– ماذا تنتظر؟

هتف السرعسكر فقال الوزير:

– حتى لو عرفت أن الثوار تجمدوا فى الميدان؟

– اعرف كل شىء ونحن الذين فعلنا ذلك.عد إلى مكتبك كما قلت لك. انتهى دور البوليس وابحث لنفسك عن اسم جديد للوزارة أفضل. لا أمن ولا أمان رأيناهما منكم. حتى اختصار اسم وزارتك “ مَم “ يعنى تتآكل بسرعة!

انصرف وزير الأمن والأمان ”مَم” صاغرا. مشى مرتبكا يفكر فيما قاله السرعسكر وفيما وصف به وزارته ويشعر أن نهايته اقتربت. قرر حين يصل إلى مكتبه من جديد أن يعرف ما الذى فعله السرعسكر حتى يجمِّد الثوار فى مكانهم. لابد من أنهم ألقوا عليهم مخدرا من الفضاء. كيف لم يعرف رجاله؟ لقد قُتِل طيارهم ولم يعرف منه الحقيقة ولم يخبر أحدا بذلك. سيأمر رجاله بالذهاب إلى الميدان متخفين فى زى النساءالمنتقبات ليلقوا على الثوار ما يعيد إليهم الوعي، حتى يصغر من صاروا كبارا فى عينى الحاكم. لكن هل لديه ما يفعل به ذلك؟ وهل لو فعله لن يعرف أحد بالأمر؟ إن رجاله مخترقون بالجواسيس! لكنه سيقاوم ولن يترك منصبه بسهولة أبدا.

دخل السرعسكر على مهل ليجد الحاكم أمير أبو العساكر جالسا على جانب من مؤخرته يتألم وزوجته إلى جواره تحاول أن تقيمه ليقف ولا يستطيع. وقف مندهشا لحظة لكنه تقدم بسرعة إليهما.

– ما الحكاية؟

– أوقف مولانا الحاكم معى وستعرف.

قالت زوجة الحاكم ذلك. أوقفه جاذبا إياه من تحت إبطيه فوقف الحاكم يضحك ويقول:

– أنا لا أصدق أن يدى تطول إلى هذا الحد.

كانت يده قد طالت وامتدت إلى الخلف ولصقت بمؤخرته ولا يستطيع جذبها. وأردف الحاكم ضاحكا:

– الحمد لله أن يدى كلها فى الخارج.

أمسك السرعسكر يد الحاكم بكلتا يديه وجذبها بقوة فانفصلت عن المؤخرة بسهولة حتى أنه كاد يقع على ظهره. قال:

– ماذا جرى يا سيادة الحاكم؟ يدك لكم تكن ملتصقة بشىء.

– قل لها. قلت لها ذلك ولم تصدق. أوهمتنى أنها لا تستطيع جذبها.

تركت زوجة الحاكم المكان فى ضيق وجلس هو والسرعسكرمتقابلين. صمتا لحظات حتى قال الحاكم:

– هل رأيت كيف سخط الله من فى الميدان؟

– رأيت يا مولانا.

– احملوهم والقوهم فى الصحراء.

– سنفعل ذلك سيادة أمير باشا أبو العساكر لكن مهم جدا الآن أن تترك العاصمة “ لاوندة “..

– أنا. لماذا؟ أنت مجنون.

– الله الذى سخط الثوار أحجارا أمرنى أن أقول لك ذلك؟ لو ظللت فى الحكم سيعيدهم إلى الحياة تارة أخرى.

– فليعودوا. البوليس سيتكفل بهم.

– انتهى زمن البوليس. لقد هرب كل رجاله أمس.

– قل شيئا آخر. وزير الأمن والأمان”مَم” كلمنى بالتليفون وقال لى ان كل شىء تحت السيطرة وأنهم تركوهم يصلون للميدان حتى يقتلوهم جملة لكن الله تكفل بهم.

– ستترك البلاد سيدى الحاكم وسنديرها نحن. هذا هو الضمان الوحيد لحياتك. ما دمنا معك لن يطولك أذى. إذا لم توافقنا ستكون أغضبت الله الذى سخط الثوار كما قلت لك وسيعيدهم.

نظر إليه الحاكم مندهشا غير مصدق ما يقول وابتسامة رفيعة تريد أن تتسع فيمنعها:

– هل صرت الشيخ شمعدان ولا أعرف؟

– سيادة الحاكم لقد استخدمنا كل حيل الدنيا خمسين سنة ولم ننفع. سننصاع إلى الله مرة.

– أنت تريد أن تكون الحاكم. أليس كذلك؟

– أقسم لك أنى لن أفعل ذلك ولا أحد من رجالي. سنترك الشعب يختار وهو سيختار من يعيدنا إلى الصورة.

– يعيدكم؟ ولا يعيدنى أنا؟

سكت السرعسكر فنظر الحاكم إليه نظرته الماكرة وقال:

– سأستمع إلى كلامك لكن عاهدنى ألا تخوننى وتقدمنى لأى محاكمة.

– أعاهدك مولاى وسيدى .

وقف الحاكم وصرخ:

– سناء.

جاءت زوجته مسرعة مضطربة فقال:

– أعدِّى كل ما تريدين أن نأخذه معنا. سنترك الحكم ونعيش فى الصحراء على جبل الوحوش حيث قصرنا الجميل يرى البحر كله.

وقفت ذاهلة فأردف قائلا للسرعسكر:

– جهز لها طائرة خاصة تشحن فيها كل ما تريد من قصور الحكم الى الخارج. هى لن تسافر. ستبقى معي. لكنها سترسل من يضع الأموال والتحف الباقية فى البنوك الكبرى.

– تحت أمرك سيدى .

قال ذلك السرعسكر ووقف فقال الحاكم ضاحكا:

– هل نسيت قدراتى الخارقة التى لم أستخدمها أبدا مع الشعب؟

نظر إليه السرعسكر مرتبكا فأردف الحاكم:

– كم شخصا ألقيته العام الماضى فى الأعوام السابقة؟

أجاب السرعسكر فى ذهول:

– كثيرون.

– كم شخصا ألقيته فى العام قبل الماضى؟

– كثيرون جدا.

– جميل. نحن الآن فى التاسع والعشرين من يناير . لم ألق أحدا منذ بدء العام.

– أجل يا سيدي.

– أنت الذى رفضت أن أستخدم قدراتى الفائقة فى الإلقاء بالثوار إلى العام السابق. قلت لك دعنى ألقيهم جميعا هناك فيأتون على مهل ويستغرقون عاما ليصلوا إلينا من جديد نكون فيه أقمنا الاستعدادات الكافية لكنك رفضت. لم أكن أعرف أنك تدبر للثورة ضدى أن تنجح.

– سيادة الحاكم. لا تتضايق مني. جنابك لم تلقِ بأحد فى أى وقت فى سنة سابقة. أنت تحكى لنا أنك تفعل ذلك ونحن نصدقك.

– هكذا؟

– أجل يا مولاي، وانتبه لن أقول لك سيادة الحاكم مرة أخرى.

– إذن تعال.

قال الحاكم أمير أبو العساكر ذلك فى غيظ، أمسك بالسرعسكر بيديه، فحمله بسهولة وقذفه فى الفضاء فطار. انفتح له السقف وهو يصرخ ولم يسقط على الأرض مرة أخرى.

كانت زوجة الحاكم تقف بالباب ورأت ذلك فتجمدت ذاهلة. لم ترَ من قبل رجلا فى الثمانين يحمل رجلا فى السبعين ويلقى به إلى أعلى فلا ينزل. قال الحاكم لها منفعلا حين رآها:

– أريد سيارة الحكم المدرعة بسرعة. سألقى بكل من فى الميدان إلى العام السابق. وربما لعشرين عاما قبل ذلك ليعودوا بعد أن أموت. لا. سأرميهم فى أقرب عام حقا فإذا عادوا رميتهم من جديد وهكذا حتى يظلوا هناك ولا يعودوا أبدا من اليأس والتعب!

فى ذلك الوقت كانت الفتاة الجميلة تنظر فى المرآة لتؤكد لنفسها ما يقوله الناس أنها تشبه تماما الممثلة العظيمة الراحلة سعاد حسني. جسمها الصغير الرشيق. عيناها سوداوان واسعتان وشفتاها هما أقرب ما يجعلها تشبه سعاد. ما ان ترى وجهها حتى تشعر بالسكر والشهد ينسكب من شفتيها وتتمنى لو قبلتهما ووضعت فمك بينهما تمص شهدهما شفة بعد شفة. حتى لو قبلتك وشفتاك مذمومتان تشعر بالدنيا من حولك قد زالت إلا من برزخ يمرح فيه آلهة الأوليمب. حتى لو سحبت شفتيها قبل أن تفتح شفتيك تغمض عينيك وحدهما على الهوى الذى حار فيه الأحباء من الشعراء فجعلوه طريقا إلى وحدة الوجود والتماهى مع الخالق الذى فرق كل عنبره وسكره على شفاه الأحباء فما بالك بها وقد جمعت فى شفتيها كل ما فرقه الله على المحبين!

انتهت من ”تسريح“ شعرها الأسود القصير فرأته قد طال فجأة ونزل على كتفيها. كيف حدث هذا وقد قصَّت شعرها أمس؟ ابتسمت. الكون يحشد لها ما تريد من أثر شهى لن يعرفه إلا من يلمس شعرها وجهه بعد أن تلمس شفتاها شفتيه.

كانت قد ارتدت بنطلونا أبيض لم تحبه واسعا لا ضيقا. وفوقه بلوزة خفيفة بيضاء فوقها جاكيت جينز يميل إلى الرمادى قصير مطعم بالزهور البنك واحدة فوق أحد الجيوب والثانية أسفل الجيب الثاني. ارتدت حول عنقها شالا صغيرا رماديا مشبّعا بالزهور الصغيرة عقدته من المنتصف فصار طرفاه مثل زهور ألوانه. لقد نامت أمس ورأت نفسها تقبل شبابا قيل انهم فقدوا الحياة. استيقظت باسمة وأدركت أن هناك مهمة تنتظرها فى بلد بعيد. فردت ذراعيها فظهرت على جانبيهما أجنحة بيضاء. سيعطيها الإله قوة بيجاسوس الحصان المجنح، أو سيرسل اليها بيجاسوس نفسه. وقفزت فى الغرفة فإذا بالسقف ينفتح وتخرج منه إلى الفضاء. صارت تضحك وتندهش رغم الخوف الذى ألم بها. قررت الهبوط فهبطت فى منتصف الغرفة من جديد ثم قفزت. لم تعد تفرق بين الحلم والحقيقة. لكنها تشعر بنفسها خفيفة. وامتدت الأرض أمامها وزالت الجدران فرأت نفسها فوق الفرس المجنح بيجاسوس فى صحراء واسعة. من أرسلها الى هذه الصحراء غير الإله الذى يرعاها. لن تفكر فى العودة ولتظل تطير وتركض ولن تشعر أبدا بالظمأ.

 

إبراهيم عبد المجيد

14030604_10154514113779009_1198964920_n