وجدتها سارة سمير… بطلتنا شريف صالح   لا أشاهد التليفزيون ولا أتابع الأوليمبياد.. وبالصدفة كنت معزومًا على العشاء فى بيت أصدقاء وكانت الشاشة مفتوحة على مسابقة رفع الأثقال وراح الأصدقاء

سارة سمير .. بطلتنا

وجدتها

سارة سمير… بطلتنا

شريف صالح

 

لا أشاهد التليفزيون ولا أتابع الأوليمبياد.. وبالصدفة كنت معزومًا على العشاء فى بيت أصدقاء وكانت الشاشة مفتوحة على مسابقة رفع الأثقال وراح الأصدقاء يشرحون لى الفرق بين «الخطف» و«النطر».

رأيت الرباعة الصينية بملامحها القاسية وعضلاتها المفتولة.. ووجهها الميت الأقرب إلى الذكورة. فأشفقت على سارة سمير أمام هذا الوحش الصيني! وبعاطفيتنا كمصريين رحنا نصفق ونشجعها على أعصابنا.

برنزية سارة بمجموع 255 كجم مقابل 261 للصينية التى نالت الميدالية الذهبية.. هى بكل المقاييس معجزة مصرية.

هزمت سارة البيروقراطية وامتحانات الثانوية العامة وسوء الإدارة واضطرار لاعبينا للإنفاق على تدربياتهم من جيوبهم.. هزمت أمراض الالتهاب الكبدى والفشل الكلوى وسوء التغذية وتلوث المياه وانهيار الجنيه.

بينما تعيش الرباعة الصينية فى «صوبة» محكمة تصنع اللاعبين منذ نعومة أظفارهم مثل خط إنتاج آلي.

إنجاز سارة مع كل التقدير لمدربيها وللصالات التى تدربت فيها هو إنجاز فردي.. مثل إنجازات زويل ونجيب محفوظ وطه حسين والعقاد وأم كلثوم.. فردية أيضًا.. ونضحك على أنفسنا إذا كنا نتوهم أن لدينا مناخًا رياضيًا وأندية قادرة على توفير فرص لتحقيق ميداليات ذهبية.

وأكبر دليل على فردية الإنجاز.. أن «سارة» واجهت الوحش الصينى ببسالة.. بينما خسرت ريم منصور بشكل مريع ومخجل أمام لاعبة صينية بمجموع ستة مقابل صفر! أى لم تنجح فى الفوز بأى شوط.. بل قيل إنها اختيرت كأسوأ لاعبة لأنها صوبت السهم خارج اللوحة! وهو أمر لا يليق بلاعبة أوليمبية!

الفرق بين «سارة» و«ريم» هو الفرق بين روح التحدى والمثابرة والإصرار.. وبين من سافروا لـ «التمثيل غير المشرف»!

«سارة» لنا.. باستدارة وجهها التى تشبه بناتنا فى الريف.. والأحياء الشعبية.. وبهذا التكوين الجسدى المصري.. والذى رغم التدريب والأحمال لا يفقد أنوثته ويتحول إلى آلة كما شاهدنا اللاعبة الصينية.

«سارة» مننا.. وليست من ساكنى الأبراج والكومباوندات.. ملامحها كأى بنت بلد.. وكلما تأملت حركة يديها وهى تضربهما فيتطاير ذلك المسحوق الأبيض تذكرت الفلاحات فى قريتنا وهن ينفضن الدقيق الأبيض عن أيديهن أثناء الخبيز.

ابتسامتها لا تخلو من لمحة حزن.. ودمعة.. فهذه عجينتنا المصرية التى نسميها «دموع الفرح».

وحصولها على أول ميدالية مصرية فى أوليمبياد ريو.. هو تأكيد جدارة المرأة المصرية.. بنت إيزيس العظيمة.. القادرة دائمًا على إدارة وتدبير الحياة كتفًا بكتف إلى جوار الرجل.

ذكرتنى «سارة» بكل بطل أوليمبى مصري.. جاء من حوارينا وقرانا.. فقهر الصعاب وحقق المستحيل.. ذكرتنى بالرباع الأسطورى «خضر التوني» الذى مات شابًا عن 41 عامًا فى حادث مأساوي.. وهو البطل الذى قهر الألمان فى عقر دارهم.. إلى درجة أن هتلر نفسه طلب لقاءه وصافحه وقال إنه كان يتمنى لو كان ألمانيًا!

التونى ابن حى شبرا وأحد عظماء رفع الأثقال فى العالم.. لم تصدق اللجنة الأوليمبية أرقامه القياسية حتى رأته بنفسها فى دورة برلين.

ومثلما أطلقت الحكومة اسمه على أحد شوارع مدينة نصر.. فلا أقل من إطلاق اسم سارة سمير بنت الـ 18 سنة على الشارع الذى تعيش فيه.. وعلى إحدى مدارس البنات.. فهى البطلة المصرية التى حققت العديد من الأرقام الذهبية حتى قبل أوليمبياد ريو.. هى بطلة إفريقيا وبطلة العالم للشباب.

وقبل هذا كله.. يا ليت كتب التعليم تتضمن سير أبطالنا فى جميع المجالات.. من أحمس إلى طلعت حرب إلى عبد المنعم رياض.. إلى سارة سمير.