مشاغبات فاتن حمامة.. وحيوان الترسا الذى أوشك على الانقراض صلاح عيسى   منذ أسابيع، وبعد عشرة أشهر من التقاضي، أصدرت محكمة القضاء الإدارى بمحافظة القليوبية شمال القاهرة، حكمها فى الدعوى

9990

مشاغبات

فاتن حمامة.. وحيوان الترسا الذى أوشك على الانقراض

صلاح عيسى

 

منذ أسابيع، وبعد عشرة أشهر من التقاضي، أصدرت محكمة القضاء الإدارى بمحافظة القليوبية شمال القاهرة، حكمها فى الدعوى التى أقامها فريق من أهالى قرية «ترسا» بإلغاء قرار محافظ الإقليم، بإطلاق اسم الفنانة «فاتن حمامة» على مجمع يضم ثلاث مدارس تجمع بين الجنسين وبين مراحل التعليم الثلاث، وقررت إعادته إلى الاسم القديم له، وهو «مجمع مدارس ترسا»، وقالت المحكمة فى حيثيات حكمها إن العرف قد جرى على إطلاق أسماء العلماء والأدباء والسياسيين وشهداء الوطن على المدارس.. وخرج أهالى القرية فى مظاهرات حاشدة يحتلفون بهذا النصر العظيم، ولم يفكر محافظ الإقليم – الذى صدر الحكم ضد قرار أصدره سلفه – فى استئنافه، أو الاستشكال فى تنفيذه، وقرر أن يشترى دماغه وأن يرضى الرأى العام فى محافظته، فأمر بتنفيذ الحكم على الفور.

وكانت القضية قد أثارت جدلا إعلاميا واسعا، عندما تواترت أنباؤها قبل شهور، ليس فقط لأن هذه هى أول مرة يتظاهر فيها المواطنون فى إحدى القرى لمثل هذا السبب، على كثرة الأسباب التى قد تدعوهم إلى هذا التظاهر، لكن – كذلك – لأن الحيثيات التى استند إليها طلاب وطالبات هذا المجمع المدرسى وأهاليهم فى الاعتراض على الاسم وصرحوا بها علانية فى تحقيق تليفزيونى ذهبت أن تسمية المدرسة بهذا الاسم تسىء إلى سمعتهم وسمعة بناتهم، لأنه اسم يوحى بأنهن قد تخرجن فى مدرسة للرقص، ووصل الأمر إلى حد أن أولياء أمور بعض الطالبات، هددوا بمنع بناتهن من مواصلة الدراسة فى مدرسة تحمل اسم «فاتن حمامة»!

نحن إذن أمام بعث لظاهرة شاعت بين الأقسام المتخلفة من المجتمعات العربية، فى بداية عصر النهضة الحديثة، حين صدمتها مظاهر الحضارة التى وصلت إليها متأخرة، لذلك نظرت باحتقار إلى مهن مثل الصحافة والمحاماة والتمثيل والغناء، ولم يكن غريبا آنذاك، أن يرفض الشيخ عبد الخالق السادات – نقيب الأشراف – تزويج ابنته «صفية» بالشيخ «على يوسف» – أشهر الصحفيين العرب فى زمنه – لأنه يعمل بمهنة «من أخس المهن وأدنئها» هى الصحافة، أو أن يطلق على المحامى وصف «السفيه» أو «المزور»، ويوصف الممثل – من باب التهوين من شأنه – بـ«المشخصاتى» ويعرّف المغنى بأنه «آلاتي» والمغنية بـ«العالمة».. وهى نظرة تغيرت مع الزمن، فحصل «على يوسف» و«فكرى أباظة» وآخرون من الصحفيين على رتبة «الباشوية»، وقاد محامون مثل «سعد زغلول» و«مصطفى النحاس» أدوارا من الحركة الوطنية وتولوا رئاسة الوزراء، واشتغل عدد من أبناء أكبر الأسر بالتشخيص، كان من بينهم «يوسف وهبي» و«سليمان نجيب» وترك ضباط كبار فى الجيش والشرطة وظائفهم المرموقة، ليعملوا بالتشخيص كان من بينهم «أحمد مظهر» و«صلاح ذو الفقار» وحصلت «عالمة» مثل «أم كلثوم» على وسام أعطاها الحق فى أن تحمل لقب «صاحبة العصمة»!

وكان من بين مظاهر التطور التى رفعت المكانة الاجتماعية لمن يشتغلون بالفنون، أن الحكومات العربية بدأت تعترف بها، وترسل الموهوبين منهم إلى المعاهد والجامعات الأوروبية لكى يدرسوا بها، وتؤسس معاهد محلية لتدريسها، حتى أصبح فى بلد مثل مصر، أكاديمية للفنون تضم عددا من المعاهد للموسيقى والسينما والمسرح والفنون التشكيلية والتمثيل وغيرها.. وتمنح درجات علمية رفيعة كالماجستير والدكتوراه، فضلا عن الجوائز والأوسمة التى تمنحها للمتميزين منهم.. وأصبحت كل دول العالم تدرك أن الفنون هى جزء من القوة الناعمة لكل منها، فضلا عن أنها صناعة تدر موارد اقتصادية على هذه الدولة، وصلت إلى أن أصبحت معه الأفلام السينمائية – فى مرحلة من المراحل – هى المصدر الثانى لدخل مصر بعد القطن!

ما أدهشنى أن دفاع المحافظ، لم يستند فى رده على الذين أقاموا الدعوى، إلى حقيقة أن «فاتن حمامة» كانت من بين خريجى الدفعة الأولى من المعهد العالى للتمثيل، وأن التمثيل هو من بين العلوم والفنون التى تدخل تحت مظلة منظومة التعليم فى البلاد، وأن أسماء فنانين كثيرين أطلقت على شوارع ومتاحف وأقيمت لبعضهم تماثيل فى الميادين العامة لمدن كبرى.

ولا تفسير لما حدث إلا أن الذين نظموا هذه المظاهرات، ينتمون إلى تيارات دينية متشددة، تذهب إلى أن التمثيل فن وثنى وأنه نوع من الكذب المنهى عنه شرعا، وهى رؤية متزمتة، تعيدنا إلى الخلف خطوات ولا يأخذ بها المعتدلون من الفقهاء الذين يذهبون إلى أن التمثيل فى ذاته، ليس حراما، ولكن المهم هو مضمونه وبالتالى فإن حلاله حلال وحرامه حرام.

ولو توقف هؤلاء أمام معظم أفلام «فاتن حمامة» لأدركوا أنها احتلت مكانتها فى قلوب جمهور السينما، لأنها لعبت فى هذه الأفلام دور الفتاة الطيبة البريئة، التى تتعرض لشراك ومكائد يضعها فى طريقها الأشرار، لكنها تقاومهم بفطرتها السليمة، وبمعاونة الطيبين والأخيار الذين تسوقهم الأقدار إليها، وتنتصر عليهم فى النهاية، ليتصاعد تصفيق الجمهور الذى انحاز إليها منذ أول مشهد، تعبيرا عن فرحته بانتصار الخير على الشر!

ولأن «فاتن حمامة» كانت «أم الخير» على الشاشة، فقد كان من الأفضل لطلاب «مجمع مدارس ترسا» أن يحتفظوا باسمها، وأن يقتدوا برسالة الخير التى تحملها أدوارها السينمائية، بدلا من التمسك باسم «ترسا» الذى أعادهم الحكم القضائى إليه، وهو اسم لحيوان بحرى يتوهم الذين يصطادونه أن شرب دمائه يجدد الحيوية، لذلك حظرت السلطات صيده لأنه أوشك على الانقراض!