بقلم : مجدى الطيب خدعوك فقالوا  «اشتباك» إخوانجى.. وأمنجى اتفاق التقدميين والراديكاليين وتيار الإسلام السياسى على استهداف الفيلم والهجوم عليه يبرئ ساحته وينفى عنه الاتهام بالانحياز إلى طرف دون الآخر

888

بقلم : مجدى الطيب

خدعوك فقالوا  «اشتباك» إخوانجى.. وأمنجى

  • اتفاق التقدميين والراديكاليين وتيار الإسلام السياسى على استهداف الفيلم والهجوم عليه يبرئ ساحته وينفى عنه الاتهام بالانحياز إلى طرف دون الآخر
  • «الوقوف المتكرر لعربة الترحيلات» إشارة ذات مغزى ونحيب الناى كثف أجواء الشجن والقهر التى يعيشها المجتمع

 

عنوان الفيلم «اشتباك» لكنه تسبب فى «انقسام» بين النقاد والمثقفين والسينمائيين، يُعيد إلى الأذهان الانقسام الذى شهدته مصر، عقب انهيار نظام «مبارك»، وزادت حدته عقب الإطاحة بنظام «مرسي»، بين معسكر الليبراليين واليساريين وجماعات الإسلام السياسى والراديكاليين، والمثير أن انقسام الحقل السينمائى بدأ قبل طرح «اشتباك» فى صالات العرض التجارية، وتحديدا فور انتشار التقرير التليفزيونى الذى بثه برنامج «أنا مصر»، فى أعقاب عرض الفيلم فى افتتاح قسم «نظرة ما» بالدورة التاسعة والستين لمهرجان كان السينمائي، وهاجم محمد دياب مخرج الفيلم، واصفا إياه بأنه «فوضوي» و«ناشط السبوبة»، الذى يتعمد فى أفلامه تشويه صورة مصر !

لكن المعركة لم تنته بانتهاء فعاليات مهرجان كان، وإنما بدأت مع نزول الفيلم إلى صالات العرض التجارية؛ففى حين قالت تقارير صحفية، وإلكترونية، اعتمادا على تأكيد الشركة الموزعة للفيلم فى مصر، إن الإيرادات تجاوزت، فى أول يومى عرض، حاجز المليون جنيه، ما دعا أصحاب الصالات إلى فتح قاعات إضافية لاستيعاب جمهور يوم العرض الثالث، ليصل العدد إلى 47 شاشة فى القاهرة والإسكندرية والمحافظات، بادر عدد غير قليل من الكتاب إلى التشكيك فى حقيقة الإيرادات المعلنة، وسجلوا شهادات متفرقة تفيد أن الجمهور انفض عن الفيلم، وهو ما برره المخرج بأن ثمة مؤامرة يتعرض لها الفيلم، وأيضا شيئا من المحاربة والتضييق، واستنكر القرار المفاجئ للموزع بالانسحاب قبل يومين من عرض الفيلم، وفى السياق ذاته استنكر كثيرون قيام «دياب» بتوظيف التعليق الذى سطره الممثل الأمريكى توم هانكس، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك»، وتشكك البعض فيه؛بدليل قول أحدهم : «لا أعلم إن كان هذا الكلام صدقًا أو كذبًا أم أنها مجرد تصريحات يقذفها محمد دياب على فيس بوك ووسائل الإعلام»، وزعم آخر أن «هانكس» تم التغرير به !

الانقسام، بل التناقض، بلغ مداه باتهام الفيلم بأنه «متاجرة بثورة يناير» و«إهانة للأرواح التى أزهقت دفاعا عن الحرية» كما وصفه كاتب صحفى بأنه «مظاهرة سياسية وليس فنا سينمائيا»، واتهم رؤيته الفكرية بـ «الميوعة والمياصة التى تصل إلى درجة الخنوثة الفكرية»، وأنه «فيلم ممل فنيا، فقير بصريا ومائع فكريا»، وزاد بقوله: «فيلم بطعم الدعاة الكاجوال»، فى إشارة إلى مشاركة الداعية الدينى معز مسعود فى إنتاجه، فى حين اتهم آخر المخرج بأنه «مغرور» و«مبتدئ»، والمفارقة أن الفيلم الذى تقوم رسالته على التحذير من خطورة الانقسام، والإقصاء، على المجتمع، ومستقبل الوطن، أصبح سببا رئيسيا فى الانقسام الذى اجتاح الساحة الثقافية، بين مؤيد ومناهض للفيلم، وصخب وتراشق متبادل للاتهامات، تماما مثلما حدث فى عربة الترحيلات، التى اكتظت بالمؤيدين والمعارضين، وشهدت العديد من المشاحنات، والصدامات، والخلافات، لكن فى حين يثمن الفيلم الحوار والتقارب بين الأطياف المختلفة، ويدعو إلى التكاتف، ونبذ الإقصاء، كحل لمواجهة الصعاب، والخروج من النفق المظلم، لا يبدو فى الأفق أنه الحل الأنسب للخلاف/ الزلزال بين طوائف المجتمع!

فى رأيى أن مجرد اجتماع، واتفاق، التقدميين والراديكاليين وتيار الإسلام السياسي، على استهداف فيلم «اشتباك»، والهجوم عليه بضراوة، يبرئ ساحة الفيلم، وينفى عنه الاتهام بالانحياز إلى طرف «الشرطة» دون الآخر «الإخوان وجماعات الإسلام السياسي» أو العكس، والعمل لحساب «أجندة خارجية» «بحجة تعدد مصادر تمويل الفيلم من قبل جهات أجنبية»، ويؤكد – ثالثا – موضوعيته ورصانته؛ فالفيلم من تلك النوعية التى توصف بأنها «متقنة الصنع»؛ سواء من حيث لغته السينمائية أو توجهه الإنساني؛ فمن خلال طريقة سرد اتسمت بالجدة والجدية والطزاجة تحدث الشقيقان «دياب» عن «الاستقطاب» الذى يعيشه المجتمع المصرى فى الأعوام الأخيرة، وعبر اختيار عربة الترحيلات التى تضم كل القوى السياسية والاجتماعية الظالمة والمظلومة ومختلف الأجيال «الطفل والشاب والشيخ والفتاة والزوجة»، يمرر الفيلم رسالته، مع الإشارة ذات المغزى إلى المجتمع المعطل «الوقوف المتكرر للعربة»، ويكثف الصوت المخنوق ونحيب الناى «موسيقى خالد داغر» أجواء الشجن، والقهر، التى يعيشها المجتمع، مثلما تُحدد الملابس «ريم العدل» الانتماءات الطبقية، والعقائدية، للشخصيات، وتكتمل رسائل الفيلم العاصف بالحركة المرتبكة للكاميرا «أحمد جبر» والمونتاج الدقيق الصارم «أحمد حافظ»، والجدية التى تبكيك وتضحكك فى آن، وهى السمة التى تُضفى على الفيلم صبغة إنسانية خالصة، كما تمنحه واقعية غير مصنوعة ولا مفتعلة !

أهم ما فى فيلم «اشتباك»، وهو ما كان ينبغى الالتفات إليه، بدلا من الدخول فى مهاترات ساذجة فيما يتعلق بتصنيفه، أن انحيازه واضح للإنسانية، والديمقراطية، ونبذ العنف فى مواجهة الرأي؛ سواء أكانت الدولة هى التى تتبنى هذا العنف أو فصيل الإسلام السياسى فى أول قفزة له على سدة الحكم؛ فالانقسام – كما يرى الفيلم – هو الآفة التى تعجل بتدمير المجتمعات، ولم الشمل هو السبيل الوحيد لمواجهة الديكتاتورية، وكبت الحرية، وربما لهذا السبب كان غضب المخرج محمد دياب من الجملة التى أصرت الرقابة على تصدير الفيلم بها، وتُشير إلى أنه «بعد ثورة 30 يونيو قامت جماعة الاخوان باشتباكات دامية لمنع الانتقال السلمى للسلطة»، فالمخرج أراد إلا يسجن نفسه فى هذه الزاوية الضيقة، ولم يكن يعنيه الحديث عن ثورة 2011 التى أنهت حكم مبارك، وانتخابات 2012 التى جاءت بحكم الإخوان المسلمين، الذين انتفض الشعب المصرى ضد حكمهم، وانحاز له الجيش، لكنه أراد التحذير من المحاولات التى تستهدف استقطاب فصائل وطوائف المجتمع، وإغراقه فى طوفان من الجدل حول الطرف الأحق بحكم الشعب ليهيمن عليه، وينكل به !

وظف «دياب» كل ما لديه، فى حدود ما تقتضيه الظروف المحيطة التى فرضتها طبيعة الفيلم الذى لا تخرج أحداثه عن عربة الترحيلات، باستثناء لقطات نادرة، ليصنع فيلما أخاذا؛ فالليزر الذى كان يستخدمه المتظاهرون بكثرة إبان الأحداث أضفى على الصورة إبهارا أصيلا، وليس دخيلا أو مصنوعا، والنوافذ الضيقة، رغم كثرتها «أربع جانبية والخامس فى سقف العربة» بما يتناقض والواقع، منحت الفيلم، والأبطال والجمهور، مساحة للتنفس، والتواصل مع العالم فى الخارج، وكذلك فعل المصباح الوحيد الذى تكررت أعطاله، كما فضح الفيلم، ربما من دون أن يدري، تورط جهات أجنبية فى تأجيج الثورات، بحجة دعمها «مراسل ومصور الاسوشيتدبرس وساعة المعصم التى تتحول إلى كاميرا سرية كالتى يحملها الجواسيس»، سخر الفيلم من النظرة الضيقة، والمتعصبة، للمنتمين إلى تيار الإسلام السياسى «نظرة متعالية للمجتمع، وإصرار فج على التقسيم وإعلاء مبدأ السمع والطاعة فى أحلك الظروف»، حذر من القهر الأمنى الذى يوشك أن يتقلب على رجاله أنفسهم «مشهد تمرد الجندى على أوامر قادته، وتعاطفه مع المعتقلين»، واتسم الحوار بسخرية لاذعة، وطرافة محببة، وواقعية تدعونا إلى إعادة النظر فى مفهوم «الواقعية»، وتقودنا إلى مشارف مرحلة ما بعد «الواقعية الجديدة» !

وضع فيلم «اشتباك» ما يمكن تسميته «روشتة إنقاذ الوطن» بدعوته إلى «الاصطفاف»، ونبذ الطائفية «فى مشهد عابر نعرف بالكاد أن عائلة الممرضة «نجوى» مسيحية»، والتخلى عن العنجهية المقيتة من المتحدثين باسم الدين، والتخلص من أمراض المجتمع كالانتهازية والوصولية والنفاق وتملق السلطة، واتقاء السموم التى يبثها البعض كالهروب من الخدمة العسكرية، لكن الفيلم لم يخل من التنميط فى اختيار الأسماء الدينية مثل : «معاذ»، «حذيفة»، «طلحة»، «عائشة» و«حمزة»، وربما أراد الإشارة إلى تنامى الظاهرة، وكان متوازنا فى إظهار قسوة رجال الأمن، وإنسانية بعضهم، وتأتى نهاية الفيلم الكارثية لتحذر من خطر ماحق يتهدد الوطن بأكمله!