على ما قُسم هُنا والآن محمد عبد النبي   إذ يوشكُ فن تبادل الرسائل على الانقراض تمامًا مِن عالمنا، فى سياق آليات اتصال أسهل وأسرع وأكثر مباشرة، يأتى اثنان مِن

هُنا والآن

على ما قُسم

هُنا والآن

محمد عبد النبي

 

إذ يوشكُ فن تبادل الرسائل على الانقراض تمامًا مِن عالمنا، فى سياق آليات اتصال أسهل وأسرع وأكثر مباشرة، يأتى اثنان مِن شيوخ الرواية فى العالم لتذكيرنا بهذا الشكل القديم للكتابة وللحوار ولتغذية صداقة عقلية وروحية عميقة رغم المسافات. الشيخان هما بول أوستر وجى إم كوتزي، وقد صارا الآن معروفين تمامًا لقارئ الأدب فى اللغة العربية، أمَّا الكتاب الذى جمع مراسلاتهما على مدى أربع سنوات تقريبًا وصدر هذا العام باللغة العربية عن الكتب خان بترجمة أحمد شافعي، وهو أقرب إلى جولةٍ فى عقل كلٍّ مِن الكاتبين الكبيرين، أو بالأحرى تنصَّت على أحاديث كلٍّ منهما إلى نفْسه وإلى صاحبه البعيد، حيث ينفتح الأفق أمامهما على تشكيلةٍ كبيرةٍ مِن الموضوعات، قد تبتعد أو تقترب عن عالم الأدب والكتابة، لكنها تظل أقرب إلى مباراة تنس بأداء مذهل، يتأرجح فيها القارئ والمتفرج بين رأيٍ ومُقابلِهِ، وبين فكرة ونقيضها تقريبًا، مثلًا عندما يكتبان عن نظرة كلٍّ منهما لبعض الرياضات الجماعية مثل كرة القدم أو البيسبول، فبعد أن يكاد القارئ أن يُسلِّم بوجاهة رأى كوتزي، حتَّى يتسلم أوستر دفة الحديث ليقدِّم طرحًا لا يقل قدرة على الإقناع. لا يعنى هذا أن ثمة مناطحة عقلية تُلعب عبرَ البريد العادى أو الإلكتروني، بل كأنها رقصة أو حوار شيّق، كأنها بالضبط تعريف عملى لمعنى الصداقة، وهو موضوع آخر قد طرح نفْسه ببساطة وعفوية على مراسلاتهما، ذلك الإعجاب المتبادل الرصين بشخصٍ آخر، دون عمى وجنون وتقلبات الحب والعلاقات الحميمة، وأيضًا تلك الرغبة الملحة فى إثارة إعجاب ذلك الصديق والاحتفاظ به جنبًا إلى جنب بالاحترام المتبادل.

بالطبع لا يُمكن أن ينسى اثنان بحجم هذين هموم الكتابة لفترة طويلة، إذ سرعان ما تفرض ذاتها عليهما وعلى مراسلاتهما، ومنها منغصات سخيفة مثل رسائل قراء تتهم كوتزى بعداء السامية، أو ناقد رذيل يتعمد أن يخسف بأعمال أوستر الأرض، أو مشكلة محتال فبركَ حوارات صحفية معهما إلى جانب روائيين كبار آخرين ونشرها، وهُما فى هذا كله يتحدثان ببساطةٍ ومودةٍ، دون أن يتخلَّى أيٌّ منهما عن عمق بصيرته وخفة روحه ورغبته فى نَكش واستنفار صاحبه. وفى غضون موجات الرسائل المتتابعة تلك، يسعدهما الحظ بلقاءٍ فى مؤتمرٍ فى قارةٍ أُخرى غير التى يعيشُ فيها كلٌّ منهما، فتنقطع الرسائل لأسابيع، ثُم تتواصل وقد تزينت بذكريات اللقاء الحى المادى وتعليقاتهما على هذا البلد أو ذلك الحدث أو تلك الواقعة، دون أن يفوتهما على الدوام أن يرشح كلُّ واحدٍ لصاحبه بعض الأفلام والقراءات، ويطلب منه الحديث حولها.

فى ظنى إنه ليس الكثير مما يجمع بين كتابات كوتزى وأوستر، وربما يكتشف آخرون أواصر غير واضحةٍ لي، لكنهما اكتشفا معًا، كيف يحترم كلٌّ منهما جهد الآخر ووعيه ورؤيته للحياة، دون أن يكون مُتَّفقًا معها مائة فى المائة، لا لشيءٍ إلَّا لأن صاحبه لديه ما يقوله، وليس مجرد بهلوان أو أفَّاق. ربما تكون تلك المراسلات قد اختير منها ما يصلح للنشر، واستُبعد ما لا يصلح مِن أمورٍ شخصيةٍ لا يحبان أن يطلع عليها أحد، وربما تكون كُتِبَتْ، تحت رغبةٍ سريةٍ أو غير ملموسةٍ فى أن تنشر ذات يوم، لكن هذا لا يُقلِّل مِن سحرها وطرافتها وعفوية تدفقها مِن مسألةٍ إلى أُخرى. ما تخبرنا به هذه المراسلات يتجاوز مجرد أفكار اثنين مِن شيوخ الكتابة الروائية المحنكين، إلى أسرارٍ أدق حول فنونٍ أُخرى فى سبيلها إلى الانقراض شأن تبادل الرسائل، فنون مثل الإعجاب الرصين والتحاور الذكى الغنى واحترام الآخر، أشياء ربما نعرفها باسمها المستعار الجميل: الصداقة.

 

 

 

 

#حصريا – فصل كامل من رواية “قطط العام الفائت” للكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد