حارس حديقة المحبّين”.. نزهة عشوائية فى بستان الحكايات أحمد مجدى همام   “أنا واحد من هؤلاء الذين صنعت وظائفهم أقدارهم، عملى كحارس فى حديقة عامة يلتقى فيها العشّاق غير حياتى

302235_Large_20150111125445_21

حارس حديقة المحبّين”.. نزهة عشوائية فى بستان الحكايات

أحمد مجدى همام

 

“أنا واحد من هؤلاء الذين صنعت وظائفهم أقدارهم، عملى كحارس فى حديقة عامة يلتقى فيها العشّاق غير حياتى إلى الأبد، فأنا قبل أن ألتحق بعملى كحارس للحديقة كانت حياتى نمطية تسير فى اتجاه واحد ذى مسار إجباري، وهى الخطوة قبل الأخيرة فى حياة الكثير من البشر، الحصول على وظيفة ثم الزواج والإنجاب، وبعدها تتوقف حياتك عن النمو والأحداث الكبرى، لكن حصولى على وظيفة حارس فى حديقة يلتقى فيها المحبون غير حياتي”.

ربما تكون هذه الفقرة المقتبسة من رواية “حارس حديقة المحبّين” للروائى والقاص المصرى وليد خيري، والصادرة عن دار العين للنشر والتوزيع 2015، صالحة كملخص غير مخل لأحداث الرواية الأولى فى رصيد خيري، بعد مجموعته القصصية “تجاوزت المقهى دون أن يراك أحدهم” الصادرة قبل عشر سنوات.

الرواية المكتوبة بضمير الـ “أنا”، تعرض سيرة حياة حارس الحديقة، الذى يشعر بتعاطف دائم مع كل قصص الحب المختلسة، التى تندلع بين العشّاق الصغار، فى إحدى الحدائق العامة بالقاهرة. التعاطف هنا كلمة فضفاضة لمجموعة ممارسات يحرص حارس الحديقة على اجتراحها، مثل التلصص على الأزواج الشابة من المحبّين، ومراقبة أنماط تصرفاتهم، وأساليبهم فى الغزل، واستمالة أحبائهم، ولغة أجساد أولئك المحبّين، ورصد القهر الذكورى الذى يمارسه المصريون الشباب على الشابات المصريات، بل ويمتد الأمر لأبعد من ذلك، فيحول حارس الحديقة منزله إلى متحف لمقتنيات تخص أولئك العشاق الصغار، مثل التقاط الصور لهم عن طريق كاميرا دسها الحارس فى مكان خفى فى أحد حمامات الحديقة، أو تجميع المناديل والمحارم الورقية التى يستمنى فيها أولئك المحبين ويمسحون فيها إفرازاتهم بدلا من أن يتركوها ملقاة فى ممرات الحديقة وبين أعشابها.

تعكس تلك الممارسات حالة من الهوس المرضي، لكنه هوس صادر عن شخص متصالح مع نفسه تماما، لا يرى فيما يفعله أى نوع من التجاوز، أو اقتحام خصوصيات الآخرين، بل ويؤكد فى أكثر من موضع أنه لا يعتبر نفسه قوّادا عندما يسمح للمراهقين بمخالفة قوانين «الآداب العامة»، ويتركهم يتبادلون القبلات والأحضان.

هذه خلفية الشخص الرئيس فى العمل، والذى حرص الكاتب على تجهيله دون ذكر اسم، مكتفيا بنعته بـ «حارس حديقة المحبّين»، بينما تنبثق إلى جوار شخصية الحارس، شخصيتان، صديقاه، الشاعر، الذى يكتب قصيدة النثر، ويتقن عدة لغات، ويعيش حياة بوهيمية تجنح للعربدة، معتمدا على حالته المادية الميسورة، وكذلك على صديقته الفرنسية التى يسميها الراوى «الأجنبية البلوند الشقراء»، الفرنسية تعزف الناى بشكل متوسط، ليست بارعة ولا مبتدئة، وتدرس «الموسيقى الشرقية» فى القاهرة، وتعيش رفقة الشاعر وحارس الحديقة حياة نزقة، حيث تمارس الجنس مع الشاعر، وتتعرّى أمام الحارس، وتشاهد أفلام البورنو التى تكثر فيها الممارسات الشاذة والفتيشية، مثل التبول على الطرف الآخر أو استخدام أدوات بلاستيكية وصلبة أثناء الممارسة.

24478967

العلاقة بين الأطراف الثلاثة تتحدد على النحو التالي: الفرنسية تنكح الشاعر وتصرف عليه، الشاعر يستخدم حارس الحديقة ويجبره على حفظ قصائده والتباهى به بزعم أنه أحد معجبيه ومهاويسه، مقابل زجاجات نبيذ وجعة مجّانية، والحارس يعمل كخادم مطيع للشاعر، بينما تقتصر علاقته مع الفرنسية على سهرات ثلاثية يحضرها صديقهما، ولا يتبادل الحارس والفرنسية الكلام إلا عبر وسيط لغوى يتمثل فى الشاعر الذى يتقن اللغة الفرنسية، ويشكّل أبا روحيا لرفيقيه الآخرين.

تنقسم الرواية إلى قسمين «حدائق ذات بهجة»، و«حدائق غُلبا»، يحمل كل قسم منهما عشرين فصلا، وإن كان لا ضرورة حقيقية لتقسيم العمل، خاصة وأن الروائى اعتمد هنا على نقلة درامية تفصل بين القسم الأول الذى يبث به أجواء الحب فى ثنايا العمل، ويقدم الراوى نفسه وعالمه للقارئ، والقسم الثانى الذى تحدث فيها التطورات على مستوى الأحداث، دون أن تكون الدراما نفسها وأحداث الرواية هى المرتكز الرئيسى للكاتب، لأن خيرى اعتمد هنا على عدة عناصر أخرى، هى التى جعلت تلك الفصول الموجودة فى القسم الأول بمثابة طعم للقارئ، يغريه بمواصلة القراءة: بداية من مهنة الراوي، التى تبدو مثيرة فى حد ذاتها، إضافة للأسلوب أو الصوت أو النَفَس السردى للكاتب، حيث نسج الكاتب عمله بلغة رائقة، خفيفة، مرحة أحيانا، متفاصحة أحيانا، تتخللها اختراقات بالعامية المصرية، تساهم فى تسريع السرد، وإضفاء نوع من الحميمية على العمل. بالإضافة إلى الكثير من الاقتباسات الشعرية.

يضاف إلى ذلك محاولات الكاتب لإثراء نصه عبر الرافد المعرفى والمعلوماتي، فكثيرا ما يشرد الراوى خطوات قليلة عن نقطة حكيه الرئيسية، ليعرض معلومات مرتبطة بشكل وثيق بسياق النص، مثل انعطافه لتناول بعض التنظيرات حول قصيدة النثر لسوزان بيرنار وأنسى الحاج، أو استعراضه لتاريخ نشأة السراويل «الجينز» على يد ليفى شتراوس.

طغى الجانب المعرفى بشكل أو بآخر على الجانب الحدثى فى الرواية، وبات يزاحم الدراما فى احتلال الصدارة، إلا أن الطريقة التى غزل بها وليد خيرى عمله، هى التى جعلت من ذلك الرافد المعلوماتى جزءا من جماليات النص، شيء يشبه موسوعة مبعثرة الفصول، أو دائرة معارف غير عامة، وإنما ذاتية جدا، وتخص الرواي/حارس حديقة المحبّين. ما أسهم فى تكوين صورة عميقة جدا، تتجاوز الأبعاد الثلاثة لشخصية الراوي.

10933903_819068494797839_342530023392393229_n

البناء الذى اختاره الروائى المصري، كان عنصرا آخر ساهم فى جعل السرد المبعثر منطقيا ومهضوما، إذ تعتمد الرواية طريقة تشبه الساقية، الفصل الأول يتناول عدة مواضيع وشخوصا، ثم يأتى فى نهايته ذكر لشخصية جديدة، يفرد لها الكاتب الفصل التالي، الذى يتناول ذكر تلك الشخصية ثم ينتهى بذكر شخصية ثالثة، يفرد لها الفصل الثالث وهكذا دواليك، إلى أن تبدأ الشخصيات فى التكرر، ويصبح للشخصية الواحدة أكثر من فصل. وهو البناء التقطيعى الذى ساهم فى التقليل من أهمية الدراما فى الرواية، لصالح الأسلوب الممتع المتشعب والمتفرع فى الحكي.

كل ما سبق لم يكن كافيا ليتفادى وليد خيرى بعض هنّات الرواية الأولى، إذ أطلت المواعظ فى بعض المواضع، مثل انتصاره لحقوق «الصنايعية» وأصحاب الحرف اليدوية أمام بطش «المعلمين» من أرباب العمل، أو انتقاده بشكل مباشر وغير فنى للميول الذكورية السائدة فى مصر وأغلب بلدان المنطقة العربية على حساب حقوق الإناث.

تستعيد الدراما أهميتها مجددا فى الفصول الأخيرة من الرواية، عندما تطور العلاقة بين الثلاثى «حارس الحديقة – الشاعر – الشقراء الأجنبية»، حيث يبدأ الحارس فى التمرد على سطوة الشاعر، وكذلك يتمرد على محاولات الأجنبية لممارسة خيالاتها الجنسية ونزوات شبقها على حساب جسده كما لو كان مجرد دمية تمتلكها عازفة الناى الفرنسية.

يثور الحارس، يهجرهما، يحاول الشاعر والأجنبية استرجاعه كل منهما على حدة، ثم مجتمعين، لكن المفاجأة تحصل عندما تتغير الموازين، وتقع الأجنبية فى حب حارس الحديقة، ويقع هو أيضا فى حبها، ويقرران إقصاء الشاعر من المعادلة، ويأتى المشهد الختامى خفيفا وشيّقا عندما يتبادل الراوى والفرنسية الحوار عن طريق برنامج «جوجل للترجمة»، إذ يتحاور الطرفان لأول مرة دون الشاعر الذى كان يتولى الترجمة، ويتبادلان الاعتراف بمشاعرهما عن طريق الترجمة الركيكة وغير الدقيقة لمحرك البحث الأشهر، فى مشهد ختامى يناسب الرواية ذات الأجواء الرومانسية.