التجسيد الإبداعى لشخصية الانتهازى طلعت رضوان   بأسلوب حيادى وبلغة فن الرواية جسـّـد الكاتب عمرو حمودة شخصية الإنسان المنتمى للطبقة الوسطى، ولا يملك إلاّ وظيفته، ومع ذلك أصبح أحد المليارديرات،

654

التجسيد الإبداعى لشخصية الانتهازى

طلعت رضوان

 

بأسلوب حيادى وبلغة فن الرواية جسـّـد الكاتب عمرو حمودة شخصية الإنسان المنتمى للطبقة الوسطى، ولا يملك إلاّ وظيفته، ومع ذلك أصبح أحد المليارديرات، وذلك فى رواية «السمسار» الناشر- دار الثقافة الجديدة- عام 2016.

منذ الصفحة الأولى يبدأ الكاتب رسم خصائص بطل روايته، ولكن بشكل إبداعى «أى دون مُـباشرة» فبطل الرواية «مُـنتصر» يستعد للسفر للاتحاد السوفييتى ضمن الوفد الذى يضم نائب رئيس وزراء مصر، ووزير الاقتصاد. فماذا وضع منتصر فى شنطة السفر؟ وضع «حذاءً من الشمواه» وقال لنفسه «ح تكسب تمنه لما تبيعه فى السوق السودا فى موسكو».

منتصر يشغل منصب سكرتير عام صندوق صادرات المنسوجات، وفى الرحلة إلى موسكو تعرّف على «درويش غانم» ولما علم أنه باحث اقتصادى برئاسة الجمهورية، قال لنفسه «لازم أقوى علاقتى بدرويش» وهكذا تتضح ملامح الشخصية شيئــًـا فشيئــًـا. وحتى عندما علم أنّ «درويش» يلعب التنس، قال له أنا أيـضـًـا ألعب التنس.

لكن هل الانتهازية تصلح وحدها لتسلق سلم الطموح؟ لا، فلابد من الذكاء المُـتوقد فى عقلية الانتهازى، وهو ما تميـّـز به منتصر، فعندما كاد الوزير المصرى أنْ يوافق على العرض السوفييتى بشراء المنسوجات المصرية بسعر ثابت طوال مدة الاتفاقية، تدخــّـل منتصر وأقنع الوزير المصرى بالتريث لأهمية ربط سعر القطن بمتوسط أسعار البورصة فى لندن ونيويورك. وهكذا ضفــّـر الكاتب الانتهازية بالذكاء، خاصة عندما يكون الذكاء فى صالح وطنه، ولذلك رضى عنه رؤساؤه، أى أنّ منتصر كان يـُـقـدّم نفسه لرؤسائه بشكل طبيعى وعفوى، وقد ترتب على ذلك صعود سلالم الطموح قفزة وراء الأخرى، مثل البهلوان الماهر.

وبعد أنْ يمتلك القارئ مفتاح الدخول لعقلية البطل، لذلك يسهل عليه فك شفرة العلاقة المُـلتبسة التى جمعتْ منتصر بليلى، فهو يتمنى التواصل معها ويغدق عليها بالهدايا، ولكنه أدرك أنها النقيض لتركيبته العقلية فهى «تتحدث عن العلم والدراسات بشغف، وهو عالم يمقته» ويقول «يا ليلى.. أنت فى جنيف.. بلد البنوك والمال والثراء.. ولا تفكرين سوى فى البحث والمعرفة» فعـَـمـَـدَ لإذلالها فى خياله.

بعد رحلة موسكو بدأ اهتمام جهاز المخابرات العامة بشخصية منتصر. وهكذا بدأتْ رحلة الصعود إلى القمة بالتدريج، من خلال توسيع دائرة العلاقات العامة. وبعد انضمامه للمخابرات وترشيحه لإدارة بعض المشروعات الاقتصادية لصالح الجهاز، حرص على الانضباط التام والتفانى فى تحقيق ما يُـطلب منه، وفى نفس الوقت كان يعقد الصفقات لحسابه، وهكذا بدأتْ ثروته بالآلاف ثـمّ بالملايين، إلى أنْ تملــّــكته رغبة محمومة ليصير أحد المليارديرات.

إنّ سلم الصعود لتحقيق هذا الهدف ليس باليسير، إنه يحتاج لمهارات خاصة وقدرات عقلية تستطيع تجاوز أية عقبات، مع درجة عالية من «المرونة» بتطبيق أسلوب «طاطى للريح لغاية العصفة ما تمر» والذى أوحى له بذلك كتاب المؤرخ النمساوى «ستيفان زفايج» عن شخصية «فوشيه» القس الفقير الذى تظاهر بتأييد الثورة الفرنسية عام1789وشنّ الهجوم على النبلاء، وترك الثورة «تحرق وتحترق» وانشغل بتجميع «الملفات» عن كل شخصية بارزة إلى أنْ صار وزير الداخلية. وأسّـس أول مدرسة للبوليس السرى. تعرّض «فوشيه» للعديد من المواقف التى أطاحت به من الوزارة، ولكنه كان يعود بعدها إلى موقعه من جديد وظل وزيرًا للداخلية طوال عدة عهود. أعاد منتصرقراءة الكتاب أكثرمن مرة، ليتعلم كيفية الانحناء للعاصفة، ثـمّ الوقوف مُـنتصبـًـا من جديد.

فى عالم المال والتجارة «بجانب عمله الوظيفى بالمخابرات»  تعلم منتصر أهمية العثورعلى «مفتاح» كل شخصية ينوى التعامل معها، سواء كانت زوجة أو سكرتارية أو خادمة أو راقصة. وتوازى مع ذلك حرصه على الذهاب كل15يومًا إلى بورصة القطن فى الإسكندرية لمتابعة المضاربات على أرض الواقع. وبتوصية من المخابرات أصدر وزير الاقتصاد قرارًا بتعيين منتصر نائبا لمدير الفروع الخارجية «بشركة العروبة للتصديروالاستيراد» لتعميق العلاقات مع الدول العربية. شجـّـعه شقيقه «الذى يشغل موقع أمين عام مجلس النواب» كى يقبض على الفرصة بأسنانه، وقال له «اللى بيحكم مصر أجهزة الأمن.. ومصر مغلقة حتى إشعار آخر.. اذهب وتزوّج المخابرات زواجـًـا كاثوليكيـًـا»

كان أول امتحان لتقدير قدراته تكليفه بإدارة المركز التجارى لشركة العروبة فى الدار البيضاء بالمغرب، وأنّ المركز سيكون غطاءً لأنشطة مخابراتية. نجح منتصر فى الامتحان، خاصة وقد لاحظ أنّ المركز وأعضاء السفارة المصرية تحت رقابة الأمن المغربى ورجال المخابرات الفرنسية. فقمع شهواته ولم يستجب لغرائزه وتغاضى عن الجمال الفاتن للفتيات المغربيات، حتى لا يقع فى براثن الأمن المغربى.

عندما تسرّبتْ الأخبار عن قرارات التأميم، فإنّ والد شقيقه هشام كاد يموت من الصدمة، فودّ بيع أسهمه، فكان منتصر هو المـنقذ حيث وجد له المشترى، وكانت عمولته خمسة آلاف جنيه  «بسعرالستينات» وبهذا المبلغ بدأتْ مسيرة جمع الثروة.

تتبع منتصر الشائعات المنتشرة فى المغرب عن انقلاب للاطاحة بالحكم الملكى وإنشاء نظام جمهورى بتدبير مصرى، فكانت النتيجة تخفيض عدد أعضاء السفارة المصرية، ونظرًا لأنّ منتصر أبلغ رؤساءه عن هذه الشائعات، لذلك فإنهم أسندوا إليه بعض المهام الاستخباراتية بجانب عمله «الرسمى» وتعاظمتْ أهميته فانتقل من المغرب إلى العراق، لتأسيس المركز التجارى فى بغداد، وارتفعتْ أسهمه بعد الانقلاب العسكرى فى بغداد. حرص منتصر على كتابة التقارير عما يدور فى الكواليس السياسية والعسكرية، وماوصل إليه من فضائح وأسرار وحفلات المجون الخاصة. ثم كانت الفرصة «الذهبية» عندما أخبره رئيسه أنّ زوج بنت الرئيس العراقى «عاوز يستفيد من المشرعات الجديدة ويـُـكوّن شركة مقاولات»» انتهز منتصر الفرصة وساعده فى مبتغاه ومنحه «وكالة شركة النصر لصناعة الاسمنت، وعقد إنشاء محطتىْ  كهرباء فى كركوك والأنبار. فطلب زوج بنت الرئيس العراقى المزيد لأنّ الوضع فى العراق غير مأمون، وأنّ من يستيقظ مُبكرًا يستولى على السلطة. وهكذا كان المـبدع يمزج فساد الشخصيات بوقائع التاريخ، عندما ذكر تفاصيل ما فعله حزب البعث من انقلابات.

زادتْ أهمية منتصر عندما كلــّـفه رئيسه بالتحضير لإنشاء 6 شركات اقتصادية فى أوروبا وأمريكا. وأنّ هذه الشركات لها أغراض متعددة: تجارية واستخباراتية ولوجستية. بعدها حدثتْ هزيمة يونيو67. استغلّ منتصر علاقته بصديقته ليلى، عندما علم أنها تــُـعد دراسة عن أسباب الهزيمة، فطلب منها نسخة من الدراسة، وعندما قالت له إنها ستعد له ملخصًـا، طلب منها الدراسة كاملة. مع ملاحظة أنه أخفى عنها عمله بالمخابرات.

ثم بدأتْ القفزة الكبرى عندما علم أنّ بنك «دوكونتوار» الإسرائيلى اختار مجموعة من رجال الأعمال من إسرائيل ومن أوروبا لتكوين شركة لإدارة واستغلال حقول البترول المصرية فى سيناء المستولى عليها بعد الهزيمة، فتـمّ تكليف منتصر بمتابعة هذا التطور. وبدأ نجمه فى الصعود عندما اقترح على رؤسائه اقتحام نشاط الفندقة، فكان نصيبه إنشاء شركة فى ألمانيا الغربية ويكون هو رئيسها.

تنتقل أحداث الرواية بنعومة إلى عصرالسادات الذى بدأ بالتخلص من خصومه، فكان مصير الرئيس المباشر لمنتصر إلقاء القبض عليه، وهو ما انعكس على منتصر حيث تقرّر إنهاء خدمته، ولكن بفضل شقيقه «أمين عام مجلس النواب» صدر قرار بعودة منتصر إلى وزارة الاقتصاد بوظيفة «مدير عام الفروع الخارجية بالشركة المصرية للتجارة الخارجية» وهى وظيفة «على الورق» حيث انّ الشركة ليس لها فروع خارج مصر. ولكنه احتفظ بكل المزايا السابقة.

فى وقت الفراغ قرأ كتاب «أثرياء وسوبر أثرياء» وعندما قرأ أسماء «السوبرأثرياء» علم أنّ ثروة كل منهم تتعدى الميليار دولار، فقال: لماذا لا أكون مثلهم؟ توسّـعتْ نشاطاته خاصة بعد تعرفه على أمراء عرب يرغبون فى فرص لأنشطة تجارية، ساعدهم منتصر فى تحقيقها. وزاد نشاطه أكثر بعد تعميق  علاقاته مع وزراء اقتصاد عرب، وعقد صفقات تجارية، مقابل عمولات، يتم تحويلها إلى بنوك سويسرا. ثم كانت القفزة الكبرى مع ارتفاع سعر البترول بعد حرب 73، فارتفعتْ إيرادات الامارات العربية البترولية عشرة أضعاف.

وكانت القفزة الثانية عندما اقتحم منتصر عالم تجارة السلاح، سواء لـ«المجاهدين» الأفغان أو للطوائف السنية والشيعية فى العراق..إلخ ولأنّ تلك التجارة كان يحتكرها شخص يعتبر أنّ الاقتراب من نشاطه مسألة حياة أو موت، لذلك نصح البعضُ منتصر بالابتعاد عن نشاط السلاح، ولو بشكل مؤقت. ثم جاءتْ قفزة أخرى عندما صعد منتصر إلى منصب الوزير المـفـوّض التجارى بواشنطن. وفى توقيع أحد العقود مع إيران، علم أنه سيكون «عقد من الباطن» وأنّ الشركة ستكون فى واشنطن. واختار السيناتور«شارونسكى» ضابطيْن سابقيْن من المخابرات الأمريكية شريكيْن لمنتصر فى الشركة.

أما القفزة الأهم فكانت فى عصر مبارك خصوصًـا عندما ذكــّـره بمشروع الفندق السياحى فى محمية رأس محمد، فرد عليه «غريبة.. بعض أعضاء الكونجرس اللى قابلتهم ألمحوا للإمكانيات السياحية لجنوب سيناء» ثم كانت القفزة الأخيرة التى جعلتْ منتصر أحد أعضاء «نادى الأقوياء» عندما دخل عالم تصدير الغاز المصرى لإسرائيل. وعندما حدثتْ انتفاضة يناير 2011 طلب من مبارك الإذن لمغادرة مصر «حتى أحافظ على أموالك وثروة أولادك وأحفادك»

أعتقد أنّ عمرو حمودة أعاد تركيب الأحداث التاريخية إبداعيًـا، خاصة  والرواية تزخر بجماليات السرد والخيال فى الوصف، والإيحاء الأكثر بلاغة من الإفصاح، وتضفير ذلك بالمادة «المعلوماتية».