العطر.. وقسوة الضمير الغائب د. وفاء كمالو   تأتى مسرحية العطر، التى يقدمها مسرح الطليعة الآن، كحالة فنية عبقرية، أثارت الجدل والتساؤلات، حول هذا الإبداع الاستثنائي، الذى يكشف عن وعى

8889

العطر.. وقسوة الضمير الغائب

د. وفاء كمالو

 

تأتى مسرحية العطر، التى يقدمها مسرح الطليعة الآن، كحالة فنية عبقرية، أثارت الجدل والتساؤلات، حول هذا الإبداع الاستثنائي، الذى يكشف عن وعى مغاير يتدفق تمردا وعصيانا، وتحديا شرسا لوجود مستحيل، فهذه التجربة هى حدث مسرحى إنسانى رفيع المستوى، يمثل لحظة فارقة فى تاريخ المجتمع المصرى وهو يواجه قسوة الضمائر الغائبة، حين تدفع بملايين المصريين إلى جحيم النفى والاغتراب والغياب.

هذه التجربة لم يعرفها المسرح المصري، ولا المسرح العالمى من قبل، فهى ترتكز بشكل أساسى على ممثلين من الصم والبكم، يشاركهم مجموعة متميزة من الممثلين الطبيعيين، وكما يشير الفنان أحمد السيد، مدير مسرح الطليعة، فإن لغة الإشارة هى مصطلح يطلق على وسيلة التواصل غير الصوتية، التى يستخدمها ذوو الاحتياجات الخاصة سمعيا أو صوتيا، ولأن المسرح فن يعتمد على المسموع والمرئي، ليحدث تناغم وتواصل ما بين الجمهور والممثل، فإن المعادلة فى مجملها كانت صعبة، لكنها ليست مستحيلة، فقد وجدنا داخل هؤلاء الفنانين طاقات تتحدى إعاقتهم، وأدركنا أن المسرحية ستكون طفرة فى حياتهم، وإثباتا قويا بأن الموهبة لا تقف أمامها أى صعاب، وإذا كنا الآن أمام عرض يليق بمسرح الطليعة، فإن العطر يفوح بقوة ليملأ الطرقات بهجة.

مؤلف المسرحية ومخرجها هو الفنان النجم الجميل محمد علام، الذى يستحق عن جدارة أن نهديه جمال الورد وسحر العطر، ووسام شرف الانتماء إلى الإبداع الإنسانى المدهش، فقد قرر أن يمتلك أقصى أشكال الوعى والإرادة، ويطرح قضيتنا الإنسانية عبر مفارقات الدراما واستعارات الجمال، فبعث وجودا فنيا عارما، مسكونا بسحر الروح وعطر اليقين، وحرارة التساؤلات، التى اتخذت مسارا حداثيا تجريبيا مغايرا، يتجاوز حدود السائد ويعلن العصيان على إيقاعات زمننا العبثى الشرس، وفى هذا السياق يكشف المنظور الجمالى للمخرج عن كيان متميز، يمتلك الرؤية والوعى والخيال الخصب، لذلك كان لتجربة العطر معنى فريد خاص، تحولت معه المسرحية إلى كتابة بالجسد والضوء واللون والإيقاع، بحثا عن صورة مغايرة، نمضى معها نحو الزاوية الحرجة، التى تثير الإدراك وتفجر التساؤلات حول هؤلاء البشر، الذين غابوا عن وجودنا.

لقد استطاع محمد علام بالفعل أن يثير قضية إنسانية معقدة ومركبة لا نفكر فيها أبدا وضعها فى قلب المشهد المسرحى والاجتماعي، منحنا الفرصة لنتأمل الصم والبكم، فلامس عذابات عالمهم الصامت، ومنحهم أيضا الحق فى الاعتراض والمواجهة، سألونا عن حقهم المهدر فى الحياة والتعليم والعمل، والفن والمسرح، والاندماج فى المجتمع كجزء أصيل منه، وليس كجسم غريب عنه، سألونا أيضا لماذا نستبعدهم؟ لماذا نسخر منهم، ولماذا يغيبون دائما عن موجات الحياة الفوارة، وفى هذا السياق يقول المخرج فى كتيب العرض «إن العطر ليس مجرد مسرحية.. العطر فكرة، ورسالتى القادمة فى الفن هى إنشاء مسرح خاص للصم، ضمن مسارح الدولة، فهم خمسة ملايين فرد، يريدون أن يشتموا العطر، كما حدث فى هذه التجربة، ويذكر أن الواقع العملى يؤكد ما يراه المخرج أحمد علام، فقد كان من اللافت للنظر أن نرى هذا الإقبال الجماهيرى العارم، ونلمس حالة الشغف المبهرة لجمهور الصم والبكم، الذى يتميز بالوعى والأناقة والإدراك الجميل لجماليات التلقي، وعلى مستوى آخر شاهدنا فى فريق عمل الصم نجوما لامعة تمتلك الحضور والجاذبية والرشاقة والحيوية، والطاقات الخلابة التى تكسر كل حدود المنطق والتوقعات وتؤكد أن الإرادة البشرية هى الإبداع والجمال.

8889

تأخذنا اللحظات الأولى الساخنة إلى اشتباك جميل مدهش بين الضوء والألوان، والحركة والرقص والإيقاع والغناء الجميل، الكلمات تعزف على أوتار القضية الإنسانية القادمة، وشاشة السينما تشغل العمق البعيد، بينما يتجه الضوء الدرامى الناعم إلى التشكيل السينوغرافى المتميز، لتبدأ الأحداث التى تدور فى صالة بروفات، تموج بالضوء والحيوية والألوان والمكياج، حركة الشابات تتضافر مع رقصات الشباب، والتشكيلات الجسدية الحركية تكشف عن لغة إخراجية شابة متميزة، وفى هذا الإطار يدخل فريق الفنانين الصم والبكم، ويعايش المتلقى مفارقة إنسانية عبثية، جروتسكية لامعة، حيث يتكلمون ويصرخون، بينما الآخرون لا يفهمون شيئا، ويصبح وجود مدرب الإشارة ضرورة حتمية، فيعلم المخرج وفريقه أنهم يريدون أن يقدموا لهم بعضا من تجاربهم وقدراتهم، لأنهم ببساطة يريدون عمل عرض مسرحى يجمع بين فريقهم من الصم، وفريق المتكلمين.

تنطلق موجات الجمال الأخاذ، وتشهد خشبة المسرح حالة إبداعية تفوق الخيال والتصورات، النص الموسيقى الخلاب يثير طاقات الحياة، وينطلق فريق الصم إلى رقصة الكلاكيت الشهيرة، نشعر بالفعل أننا لم نشاهدها من قبل، بكل هذا السحر والخيال، وتمضى الدقائق سريعة، ونكتشف أن كل الجمهور يعيش نفس الإحساس، فالتصفيق الحار يزلزل أركان الدنيا. وهكذا يندمج الفريقان معا، ويستكمل المخرج بروفات مسرحية «هاملت»، المعذب بخيانة أمه وغدر عمه، ومقتل أبيه، الشبح يطارده، وهو يؤكد أنه لن يتنازل عن ثأره أبدا، فالنساء كلهن عاهرات، وعبر رشاقة الإيقاع وجماليات الأداء، يرفض فريق الصم الفن الكلاسيكى مؤكدا رغبته فى مسرح جديد مختلف، يعرض للناس قضايا وإشكاليات ومطالب الصم، تلك الفكرة التى يصمم عليها فريق العمل من المتكلمين، ويندفع إليها المخرج لينفذها.

تمتد إيقاعات الوهج والجمال، ونعايش تدريبات الحكي، ونلمس بوضوح أن المخرج محمد علام هو طاقة فن يتحول معها المسرح إلى جموح متصاعد مجنون، حيث التقاطعات المدهشة بين الفيلم الروائى القصير «عطر» على الشاشة، وتفاصيل مشاهد خشبة المسرح، التى تتوالى لتبوح وتروي، وتكشف جماليات التزامن الدقيق اللافت بين الأداء التمثيلى للبكم، وصوت مدرب الإشارة، وتداخلات الفنانين المتكلمين، لنصبح أمام حالة فنية تهز الأعماق والمشاعر، وتطرح فيضا من التساؤلات حول ذلك النجم الأبكم الجميل، وهو يغنى ويرقص، ويطير فرحا بالتصفيق الحاد، وتمتد حكايات الآخرين عن الحب والثورة والمظاهرات والزواج وأحلام الحياة.

تظل الرؤية الفكرية تتضافر مع الكوريوجرافيا وإيقاعات الغناء وجماليات الأداء، وتتوالى اللوحات الدرامية، ونعلم أنهم طاقات بشرية عملاقة، تبحث عن الوطن والانتماء الحقيقي، عن نقابة للصم، مترجمين فى المؤسسات وعن الحق فى المعرفة والفهم والفن والموسيقى، عن برامج ومسلسلات، وعبر جماليات الضوء والحركة والغناء، يأخذنا التشكيل الجمالى المبهر الذى يضم كل فريق الصم، ليضعهم فى قلب الضوء وعيون الجمهور، مؤكدين أنهم جزء عزيز على الحياة، يمتلكون التحدى وفيض المشاعر والإحساس، ويحلمون أن يكونو كالفراشات تطير بحرية دون أن تتكسر أجنحتها.

هكذا تتحقق الأمنيات على المستوى الافتراضى لتجربة العطر، لكن أثرها العظيم يظل باقيا فى أعمال الجمهور، وفى ضمير الوطن، أما مجموعة النجوم الصاعدة، التى شاركت فى المسرحية فهم هاني، غريب سيف، أحمد، نورا، نور، صفوت حمادة، جمال، لقاء، مادونا وآية.

كانت السينوغرافيا المتميزة للفنان مصطفى حامد، وتصميم رقصة الكلاكيت لضياء الدين، وترجمة لغة الإشارة لقمر عادل وعمر هشام، وكانت أغنية العرض إهداء من الشاعر محمد شكري، والملحن وائل عقيد، وكان التوزيع لشريف الوسيمي، وكذلك كان الفيلم الروائى القصير «العطر»، هو إهداء من أحمد عثمان وكارولين عزمي.