أنشأت ‏سفيتلانا أليكسييفيتش الحائزة على جائزة نوبل للآداب 2015 نوعا جديدا من الأدب قائما على كتابة رواية من الأصوات المتعددة لشهود مرحلة ما. حازت على عشرات الجوائز الدولية؛

441

 

 

أنشأت ‏سفيتلانا أليكسييفيتش الحائزة على جائزة نوبل للآداب 2015 نوعا جديدا من الأدب قائما على كتابة رواية من الأصوات المتعددة لشهود مرحلة ما. حازت على عشرات الجوائز الدولية؛ أهمها جائزة السلام من ‏معرض فرانكفورت للكتاب 2013، و‏جائزة نوبل للآداب 2015، التى نالتها عن مجمل أعمالها المتعددة الأصوات التى تمثِّل معلما للمعاناة والشجاعة فى زماننا. وهى تعمق بأسلوبها الاستثنائى – الذى يقوم على تداخل دقيق بين أصوات البشر – الفهم لعصر كامل.

فى أول كتبها المترجمة إلى اللغة العربية ‏«فتيان الزنك» الصادر عن دار ‏ممدوح عدوان للنشر، وثّقت سفيتلانا التدخل السوفييتى فى أفغانستان ما بين عامَى 1979 و1985. جمعت فيه مقابلات مع جنود عائدين من الحرب، أو مع أمهات وزوجات جنود قُتلوا هناك، وأُعيدت جثثهم فى توابيت مصنوعة من الزنك.

كانت نتيجة الحرب آلاف القتلى والمعوَّقين والمفقودين، مما دفع سفيتلانا إلى إثارة أسئلة حسَّاسة عن الحرب؛ من نحن؟ لماذا فعلنا ذلك؟ ولماذا حصل لنا ذلك؟ والأهم، لماذا صدَّقنا ذلك كله؟

تعرَّضت سفيتلانا للمحاكمة بسبب نشرها هذا الكتاب، وقد أُضيف جزء من الوثائق المتعلقة بالمحاكمة فى الترجمة العربية.

 

http://img.youm7.com/large/102015815128410Capture_2.jpg

 

 

من دفاتر المذكرات

(فى الحرب)

لا أريد أن أكتب المزيد عن الحرب. أريد أن أحيا مجدَّدا وسط ((فلسفة الاختفاء)) بدلا من ((فلسفة الحياة)). وأن أجمع مجدَّدا خبرة اللاوجود إلى ما لا نهاية. عندما أنهيت كتابة ((ليس للحرب وجه أنثوي))، بقيت فترة طويلة لا أستطيع رؤية الدم ينزف من فم طفل لدى إصابته بجرح بسيط. كنت فى وقت الاستجمام أهرب بعيدا عن الصيَّادين الذين يلقون السمكة بعد انتشالها من أعماق المياه على الرمل فى الضفَّة بمرح، إذ كان يصيبنى بالغثيان مرأى عينيها الجاحظتين الجامدتين. يوجد لدى كل إنسان احتياطى من القدرة على تحمُّل الألم؛ الجسدى أو النفسي، لكنه نفد لديَّ منذ وقت بعيد. فكنت أكاد أجنُّ لدى سماع عويل قطَّة دهستها سيَّارة، وأبعد ناظرى عن دودة أرضية مسحوقة. أو ضفدعة يابسة فى الطريق… وجال فى خاطرى مرارا أن الحيوانات والطيور والأسماك لها الحق أيضا فى كتابة تاريخ آلامها. وسيُكتب فى يوم ما.

وفجأة! إذا كان من الممكن قول ((فجأة))، انصرمت السنة السابعة من الحرب. لكننا لا نعرف أى شيء عنها باستثناء الريبورتاجات التليفزيونية البطولية. وبين فترة وأخرى نُرغم على أن نرتجف لمرأى النعوش الزنكية الآتية من مكان بعيد، والتى تضيق بها أرجاء البيوت البائسة المبنية من الألواح الخرسانية الجاهزة المعروفة باسم «خروشوفكا». فتطلق صليات الرصاص تحية للعزاء. ثم يسود الصمت من جديد. إن عقليَّتنا الميثولوجية راسخة لا تتزعزع؛ فنحن أهل العدالة والعظمة، ونحن على حق دائما. لكن آخر ومضات فكرة الثورة العالمية تحترق وتتحوَّل إلى رماد… ولا يلاحظ أحد أن لهيب الحريق يستعر فى بيتنا. فقد بدأت بيريسترويكا جورباتشوف، وانطلقنا بحماس للقاء الحياة الجديدة. فماذا كان فى انتظارنا فى المستقبل؟ وماذا كانت قدراتنا بعد تلك السنوات من السبات الاصطناعي؟ أما فتياننا فكانوا يُقتلون فى مكان بعيد ما، من أجل قضية مجهولة ما…

عمَّ يتحدَّثون حولي؟ وماذا يكتبون؟ عن الواجب الأممى والجيوسياسية، وعن مصالحنا كدولة كبرى وعن الحدود الجنوبية. والناس يصدِّقون ذلك، إنهم يصدِّقون! وتخطب الأمَّهات، اللواتى كنَّ حتى وقت قريب ينتحبن بألم دفين فوق الصناديق الحديدية الصمَّاء، ويخطبن فى المدارس والمتاحف العسكرية، ويدعون الفتيان الآخرين ((لأداء واجبهم حيال الوطن)). وتتابع الرقابة بحرص ألا يُكتب فى المقالات عن الحرب أى شيء عن مصرع جنودنا، ويؤكِّدون لنا أن ((القوَّات المحدودة العدد)) من القوَّات السوفييتية تساعد الشعب الشقيق فى بناء الجسور والطرق والمدارس، وتنقل الأسمدة والدقيق إلى القرى، بينما يقوم الأطبَّاء السوفييت بمهمَّة مساعدة النساء الحوامل الأفغانيات إبَّان الولادة. ويحمل الجنود العائدون إلى المدارس الجيتارات لكى ينشدوا عمَّا يجب النحيب حوله.

لقد تحدَّثت طويلا مع أحدهم، وأردت أن أسمع منه الحديث عن عذاب هذا الخيار – إطلاق أو عدم إطلاق النار على الناس؟ فتبيَّن أن الأمر بالنسبة إليه لا يمثِّل أية دراما. ما الجيد؟ وما السيِّئ؟ هل هو شيء جيّد أن يقتل ((فى سبيل الاشتراكية))؟ إن حدود الأخلاق بالنسبة إلى هؤلاء الفتيان محدَّدة بالأمر العسكري. حقا إنهم يتحدَّثون عن الموت بحذر أكثر منا، وعندئذ تنبجس فورا المسافة الفاصلة بيننا.

كيف يمكن فى آن واحد معايشة التاريخ والكتابة عنه؟ فلا يمكن أن تؤخذ أية قطعة من الحياة، وجميع ((القذارة)) الوجودية عنوة ووضعها فى كتاب، وفى التاريخ. لا بدَّ من ((تحطيم الزمن)) و((اقتناص الروح)).

((للحزن مئة انعكاس)) – (وليام شكسبير- ريتشارد الثالث).

جلس فى محطَّة الحافلات فى قاعة شبه خالية ضابطٌ مع حقيبة سفر، وإلى جانبه فتى هزيل الجسم ذو تسريحة شعر قصيرة كالجنود يعبث بالشوكة فى صندوق زرعت فيه نبتة استوائية ذابلة. وجلست إلى جانبه نساء قرويات، وسألن: إلى أين، ولماذا، ومن هما؟ كان الضابط يرافق الجندى إلى بيت أهله بعد أن أصابه مس من الجنون: “إنه، منذ غادرنا، كابُل يحفر كل ما يقع بين يديه، ولا يهم بأى شيء يحفر: بمجرفة وشوكة وعصا وقلم حبر”. ورفع الفتى رأسه وقال: “يجب الاختفاء… أنا أحفر حفرة عميقة، وأنا أفعل ذلك بسرعة. كنا نسمِّيها بالقبور الجماعية. أنا أحفر حفرة كبيرة من أجلنا جميعا…”.

شاهدت لأوَّل مرَّة مقلة بحجم العين كاملة…

أقف فى مقبرة المدينة وحولى مئات الناس. فى الوسط، تسعة نعوش مكسوة بقماش أحمر. يتحدَّث العسكريون، وألقى جنرال كلمة. النساء المتَّشحات بالسواد يبكين، والناس فى صمت. وثمة فتاة صغيرة بضفيرتين أخذت تنتحب فوق أحد النعوش وتقول: “بابا! با-با-لوتشكا!! أين أنت؟ لقد وعدتنى بدمية، دمية جميلة! وقد رسمت لك ألبوما كاملا من صور البيوت والأزهار… أنا أنتظرك…”. ويحمل ضابط شاب الصبية بيديه ويحملها إلى سيارة «فولغا» سوداء. لكننا نواصل خلال فترة طويلة سماع العويل: “بابا! با-ا-بوتشكا.. أبى الحبيب…”.

يخطب الجنرال. والنساء المتَّشحات بالسواد يبكين. ونحن نلتزم الصمت. لماذا نصمت؟

أنا لا أريد أن أصمت. ولا أستطيع الكتابة عن الحرب أكثر.

استُدعيتُ إلى الخدمة العسكرية فى عام 1981. وقد تواصلت الحرب على مدى عامين، لكنَّ الناس ((المدنيين)) لم يعرفوا عنها إلا القليل ولم يتحدَّثوا عنها إلا نادرا. وفى أُسرتنا ساد الاعتقاد بأنه ما دامت الحكومة قد أرسلت القوَّات إلى هناك فهذا ما يجب القيام به. وكان والدى والجيران يفكِّرون بهذه الصورة. ولا أذكر أنَّ أحدا كان يفكِّر بشكل آخر. وحتى النساء لم ينتحبن، لأن الأحداث تجرى فى مكان بعيد ولا تبعث على الخوف. إنها حرب ولا حرب، وإذا كانت حربا فهى غريبة من نوعها، دون قتلى وأسرى. ولم يرَ أحد توابيت الزنك. وفيما بعد عرفنا بأنه جُلبت التوابيت إلى المدينة، لكن جرى الدفن سرَّا، ليلا، وكُتب على شواهد القبور ((تُوفِّي)) بدلا من ((استُشهد)). ولم يطرح أحد السؤال: لماذا صار الفتيان فى سن 19 عاما يُتوفُّون فى الجيش؟ هل بسبب الفودكا أم الإنفلونزا؟ لربَّما أفرطوا فى أكل البرتقال؟ كان الأقرباء يبكون، أمَّا الباقون فكانوا يعيشون كشأنهم سابقا إذا لم يمسَّهم الأمر. وكُتب فى الصحف أن جنودنا يبنون الجسور ويغرسون الأشجار فى ممرَّات الصداقة، بينما يعالج أطبَّاؤنا نساء وأطفال أفغانستان.

ولم يكن سرَّا لدى أحد فى معسكر التدريب فى فيتبسك أنه يجرى تدريب الجنود من أجل إرسالهم إلى أفغانستان. كان الكثيرون يسعون إلى ((التهرُّب من الخدمة)) بأى ثمن. واعترف أحدهم بأنهم يخشون، حسب قوله، أن يقتلونا جميعا هناك، وصرتُ أحتقره. وقُبيل الرحيل رفض أحدهم السفر: فى البداية عن طريق الاحتيال بحجَّة أنه فقد بطاقة الكمسمول، فعُثر عليها. ومن ثم زعم أن فتاته تضع طفلا. وأنا اعتبرته شخصا غير طبيعي، فقد كنا نسافر من أجل القيام بثورة! هذا ما قيل لنا، ونحن صدَّقنا. وتصوَّرنا أنه ينتظرنا شيئا ما رومانسيا.

الرصاصة تصيب الفرد، وتسمعها –لا يمكن نسيان ذلك، ولا يمكن خلطها بأى شيء آخر– إنها صدمة وطرطشة متميزة. سقط إلى جانبى فتى من معارفى ووجهه إلى الأسفل نحو التربة نفَّاذة الرائحة كالرماد. فقلبته على ظهره ووجدت بين أسنانه سيجارة كنت قد أعطيتها له قبل قليل، والدخان ما زال يتصاعد منها… لم أكن مستعدا لإطلاق النار على إنسان، إذ أننى ما زلتُ قادما لتوِّى من الحياة المسالمة، من السلام… ولأوَّل مرَّة رحتُ أتصرَّف كما لو كنت فى حلم: أهرول، وأسحب، وأطلق النار، لكن لا يبقى شيء فى الذاكرة، وبعد المعركة لم أكن أستطيع الحديث. ويبدو كل شيء كما لو أنه خلف حاجز من الزجاج، ووراء وابل من المطر. إنه مثل كابوس رهيب. ويجعلنى الخوف أستيقظ، لكننى لا أستطيع تذكُّر شيء. لقد تبيَّن أنه يجب من أجل معاناة الرعب أن تتذكَّره وتعتاد عليه. وبعد مضى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع لا يتبقَّى من الفرد السابق أى شيء سوى اسمه. فهو ليس نفسه، بل شخصا آخر. أعتقد أن الأمر بهذا الشكل، ويبدو أنه فعلا بهذا الشكل… وهذا الآخر، حين يرى قتيلا لا يشعر بالخوف، بل يفكِّر بهدوء أو بأسى حول كيف سيسحبه من الصخرة أو يحمله فى القيظ لمسافة عدَّة كيلومترات. إنه لا يتصوَّر، إنه يعرف الآن ما الرائحة المنبعثة من الأحشاء المتدلِّية من الجسد فى الجو الحار، ويعرف أن رائحة غائط ودم الإنسان لا تزول بالغسل. الخيال؟ الخيال لا يهدأ. ويرى المرء فى بركة ماء قذرة وسط المعدن المنصهر جماجم محترقة، كما لو أن أصحابها لم يكونوا قبل عدة ساعات يتصايحون، ويضحكون قبل موتهم. وبغتة يتراءى للمرء أن كل شيء اعتيادي، ويتمُّ ببساطة… ويتولَّد شعور من الهيجان والاضطراب الشديدين لدى رؤية القتيل: لست أنا القتيل! وهذا الشعور يزول بسرعة. ويجرى مثل هذا التحوُّل بسرعة جدَّا. إنه يحدث لدى الجميع.

فى الحرب لا يوجد لدى البشر سرٌّ فى الموت. القتل هو مجرَّد الضغط على الزناد. لقد علَّمونا: يبقى على قيد الحياة من يُطلق النار أوَّلا. ذلكم هو قانون الحرب. وقال الآمر: “يجب عليك عندئذ امتلاك القدرة على عمل شيئين: التحرُّك بسرعة وإطلاق النار بدقَّة. وأنا فقط من يفكِّر”. كنا نطلق النار إلى الجهة التى يأمروننا بإطلاق النار إليها. وقد علَّمونى أن أطلق النار إلى حيث يأمرونني. فكنت أطلق النار دون شفقة على أحد. وكان فى استطاعتى أن أقتل طفلا، إذ كان يقاتلنا هناك الجميع: الرجال والنساء والشيوخ والأطفال… تسير القافلة العسكرية عبر قرية. فى الشاحنة الأولى يصاب المحرِّك بعطب. فينزل السائق من القمرة، ويرفع غطاء المحرك… ثمَّة صبى فى العاشرة من العمر ينهال عليه بالسكين، ويطعنه فى الظهر، فى موضع القلب. ويستلقى الجندى فوق المحرِّك، فأطلق النيران على الصبى ويتحوَّل إلى منخل… لو أُعطى الأمر لنا لحوَّلنا القرية كلها إلى رماد، لمحوناها من وجه الأرض. لقد كان كل فرد يسعى إلى البقاء على قيد الحياة. لم يكن هناك وقت للتفكير. كنا فى عمر بين الثامنة عشر والعشرين. أنا اعتدت على موت الآخرين، بينما كنت أخشى أن أموت. وشاهدت كيف لا يتبقَّى شيء من الإنسان فى لحظة خاطفة، كما لو أنه لم يوجد أصلا. ويُرسل إلى الوطن الزيُّ العسكريُّ الاحتفاليُّ فى التابوت الفارغ. ويُهال فيه التراب الغريب من أجل إكسابه الوزن المطلوب… بودِّى أن أحيا. لم أود أبدا من قبل أن أحيا كما وددت هناك. وعندما نعود من المعركة، نضحك. ولم أضحك هكذا أبدا كما ضحكت هناك. وكانت الفكاهات القديمة تتردَّد عندنا كما لو كانت أحسن الفكاهات. سأذكر ولو واحدة منها…

ذهب أحد تجَّار السوق السوداء إلى الحرب. وكان أوَّل ما استوضحه من الآخرين هو كم عدد الصكوك التى تُسدَّد مقابل كل أسير من «الأشباح». وجرى تثمينه بثمانية صكوك. وبعد يومين ثار الغبار بالقرب من الحامية: فقد اقتاد التاجر أمامه مئتى أسير. وسأله صديقه: “بعنى أحدهم. سأعطيك سبعة صكوك”، فأجاب: “كلا يا عزيزي. أنا اشتريته نفسى بتسعة صكوك”.

وتُروى النكتة مئة مرة، فيضحك السامعون لدى سماعها للمرَّة المئة. كان الجنود يقهقهون لأتفه الأسباب.

يستلقى «الشبح» وفى يده قاموس. إنه قنَّاص. رأى ثلاثة نجوم صغيرة، إنه ملازم أوَّل… قلَّب أوراق القاموس: مقابل ثلاثة نجوم يحصل على خمسين ألف أفغاني. طق! نجمة كبيرة واحدة، رائد؛ مئتا ألف أفغاني. طق! نجمتان صغيرتان – ملازم ثاني. طق! وفى الليل يسدِّد زعيم المجاهدين الثمن: يعطى مقابل الملازم أوَّل أفغانيا واحدا. ومقابل الرائد أفغانيا… مقابل أى شيء؟ الملازم ثاني؟! أنت قتلت معيلنا. من يبيع لنا الحليب المركَّز والمعلَّبات والأغطية؟ اشنقوه!

كنت أشعر بالرعب من العودة إلى هنا. إنه شيء غريب، فقد أحسست كما لو سُلخ جلدى كله، وكنت أنتحب طوال الوقت، لم أستطع رؤية شيء باستثناء من كان هناك. وودت لو أقضى النهار والليل معهم، وبدت أحاديث الآخرين تافهة وسخيفة إلى حدٍّ ما، واستمر الحال على هذا المنوال قرابة نصف عام. والآن صرت أتشاجر فى الطابور لدى شراء اللحم، وأسعى لكى أعيش حياة اعتيادية كما عشت ((من قبل))، لكننى لا أستطيع. لقد أصبحت غير مبالية حيال نفسى وحياتي. الحياة انتهت، ولن يحدث أى شيء لاحقا. وهذه المعاناة لدى الرجال أكثر إيلاما، فالمرأة تستطيع التشبُّث بالطفل، بينما لا يوجد لديهم ما يتشبَّثون به. إنهم يعودون ويعشقون، وينجبون أطفالا، ومع ذلك تبقى أفغانستان بالنسبة إليهم أسمى من كل شيء. وأنا نفسى أريد استكناه أسباب ذلك، ولماذا حدث كل هذا؟ ولماذا يؤثر ذلك فيَّ؟ هناك حشر كل شيء فى لواعج النفس، بينما ينبجس خارجا هنا.

ينبغى إبداء الشفقة عليهم، إبداء الشفقة على جميع من كان هناك. أنا إنسانة بالغة، فقد كنت فى سن الثلاثين، وإذا بى أُصاب بهذه الصدمة والانهيار. أما هم، الصغار، فلم يفهموا شيئا. لقد أخذوهم من بيوتهم ووضعوا الرشاشات بأيديهم. وقيل لهم: اذهبوا للدفاع عن قضية مقدَّسة، والوطن لن ينساكم أبدا. والآن يغضُّون النظر عنهم، ويسعون إلى نسيان هذه الحرب. الجميع! وفى مقدَّمتهم من أرسلنا إلى هذه الحرب. وحتى نحن أنفسنا نحاول لدى اللقاءات التحدُّث عن الحرب بقدر أقل. هذه الحرب لا يحبها أحد، ولو أننى ما برحت أبكي، عندما يعزفون النشيد الوطنى الأفغاني. أحببت الموسيقى الأفغانية كلها. إنها كالمخدرات.

منذ فترة قريبة التقيتُ جنديا فى الحافلة، وكنا قد عالجناه من جراحه، لكن فقد إحدى ذراعيه. تذكَّرته جيِّدا، فهو من أبناء لينينجراد أيضا. فقلت له:

– “ربما تحتاج إلى مساعدة ما يا سريوجا؟”.

فأجابنى مغتاظا:

* “اذهبى إلى الجحيم!”.

أنا أعرف بأنه سيعثر عليَّ ويعتذر. ولكن من سيطلب المغفرة منه؟ ومِن جميع الذين كانوا هناك؟ من حطَّمتهم الحرب وسحقتهم؟ ناهيك عن الحديث عن المعوَّقين؟ بأى قدر لا يحبُّ البعض شعبه لكى يرسله إلى مثل هذه الحرب؟ إننى الآن لا أحب، ليس الحرب فقط، بل حتى الشجار بين الصبيان. ولا تقولوا لى إن هذه الحرب انتهت. ففى الصيف إذا ما تصاعد الغبار الساخن، ولمع بريق حلقة من المياه الآسنة، وانبعثت الرائحة النفاذة للأزهار الجافة، أشعر كما لو وُجِّهت إليَّ ضربة فى صدغي.

وسيلاحقنى ذلك طوال حياتي…

ممرضة

– لقد وجدت الراحة من الحرب، وابتعدت عن ذكرياتها… كيف سأروى كل ما جرى؟

رجفة الجسد كله، وذلك الغيظ… كيف؟ أنهيت قبل التحاقى بالجيش الدراسة فى المعهد الفنِّى لطرق السيَّارات، وكُلِّفت بقيادة سيَّارة قائد الكتيبة. ولم أشكُ من شيء فى عملي. لكن بدأ الحديث عندنا بإلحاح عن مجموعة القوات السوفييتية المحدودة فى أفغانستان، ولم تخلُ أية فترة توعية سياسية من ذكر هذا الموضوع. إن قوَّاتنا تحرس حدود الوطن، وتقدِّم المساعدة إلى شعب صديق. وساد القلق فى صفوفنا، فقد يرسلوننا إلى الحرب. وكما أفهم الآن فلقد قرروا أن يخدعونا…

استدعونا إلى مقابلة قائد الوحدة، ووجَّه إلينا السؤال:

– “يا شباب، هل تريدون العمل فى قيادة سيَّارات جديدة؟”.

بلا ريب، أجبنا بصوت واحد:

* “نعم، نحن نحلم بذلك”.

وأعقب ذلك القول التالي:

– “يجب عليكم أوَّلا أن تسافروا إلى الأراضى البكر وتقدِّموا المساعدة فى حصاد الحبوب”.

ووافق الجميع.

وفى الطائرة سمعنا بالصدفة من الطيارين أننا نطير إلى طشقند. وانبثقت لدى بلا إرادتى الشكوك: هل نطير إلى الأراضى البكر حقا؟ وهبطنا فعلا فى طشقند. واقتادونا فى طابور إلى مكان قريب من المطار محاط بالأسلاك الشائكة، فجلسنا. وبدا القادة فى وضع غير طبيعي، فهم مضطربون ويتهامسون فيما بينهم. وحان وقت الغداء، وجُلبت إلى مكان وقوفنا صناديق قنانى الفودكا الواحد تلو الآخر. وصدر الأمر:

– “وقوفا بطابور فى صفَّين!”.

واصطففنا، وأبلغونا فور ذلك بأنه ستأتى بعد عدة ساعات طائرة لنقلنا، وسنتوجَّه إلى جمهورية أفغانستان لتأدية الواجب العسكري. القسم.

عندئذ بدأت البلبلة! الخوف والفزع حوَّلا البشر إلى حيوانات؛ بعضهم هادئ، والبعض الآخر غاضب. وطفق بعضهم يبكى فى نشيج مخنوق بسبب ما لحقهم من إساءة، أما البعض الآخر فكان فى حال ذهول، وغيبوبة بسبب هذا الخداع اللئيم الصعب التصديق. إذا هذا كان سبب إعدادهم للفودكا، بغية تسوية الأمور معنا بشكل أيسر وابسط. وبعد الفودكا، حين أصاب الرؤوس الدوار والثمل، حاول بعض الجنود الهرب، واشتبكوا بالأيدى مع الضبَّاط. لكن طوَّق المعسكرَ جنودٌ برشَّاشات، وأخذوا يوجِّهون الجميع قسرا نحو الطائرة. وفى الطائرة شحنونا كالصناديق، وألقوا بنا فى داخل جوفها الحديدى الفارغ.

هكذا أصبحنا فى أفغانستان. وسرعان ما شاهدنا الجرحى والقتلى وسمعنا كلمات: ((استطلاع)) و((معركة)) و((عملية)). وأعتقد، كما أفهم الآن، بأننى أُصبت بصدمة، ولم أسترجع حالتى الطبيعية وأدرك ما يجرى حولى بوضوح إلا بعد عدَّة أشهر.

عندما سألت زوجتي: “كيف أُرسل زوجى إلى أفغانستان؟” أجابوها: “أعرب عن رغبته فى التطوع”. ولقيتْ مثل هذا الجواب جميع أمَّهاتنا وزوجاتنا. لو كانت ثمَّة حاجة إلى حياتى ودمى من أجل قضية كبرى لذهبت أنا نفسى وقلت: “سجِّلونى متطوِّعا!”. لكننى خُدعت مرَّتين: فقد أرسلونى إلى الحرب ولم يقولوا لى الحقيقة حول أى حرب هي، وعرفت الحقيقة بعد ثمانية أعوام. يرقد فى القبور أصدقائى وهم لا يعرفون كيف خدعوهم بشأن هذه الحرب الغادرة. إننى أحسدهم أحيانا لكونهم لن يعرفوا ذلك أبدا، ولن يخدعوهم أكثر مستقبلا.

جندى، سائق

هَأنذا أجلس فى البيت أمام التليفزيون. فهل أستطيع أن أقتل إنسانا؟ لن أقتل حتى ذبابة! فى الأيَّام الأولى، وحتى فى الأشهر الأولى، كانت الرصاصات تقطع أغصان شجرة التوت. هذا إحساس غير واقعي… إن سيكولوجية المعركة مختلفة، فأنت تهرول وتقتنص الهدف، أمامك، بنظرة جانبية. وأنا لم أحسب كم عدد الذين قتلتهم، لكننى كنت أهرول، وأجد الهدف. هنا، هناك، هدف متحرِّك حي. وأنا نفسى كنت هدفا أيضا، هدفا للرماية. لا، لا يرجع الرجال من الحرب أبطالا. لا يمكنك الرجوع من هناك بطلا.

لقد دفع ثمن كل شيء! كل شيء! دفع الثمن كاملا.

أنت قد تتصوَّر وتحبُّ جنديَّ عام 1945 الذى أحبَّتْه أوروبا كلها. إنه ساذج وبسيط وبحزام عريض. لم يكن فى حاجة إلى شيء، كان فى حاجة فقط إلى النصر، والعودة إلى البيت! أما الجندى الذى عاد إلى مدخل شقق مسكنكم، وإلى شارعكم، فهو جندى من نوع آخر. فهذا الجندى يريد الحصول على سراويل الجينز وجهاز المسجل. لقد رأى واحتفظ فى ذاكرته بحياة أخرى، وأراد الكثير. لقد قال الحكماء الأولون: لا تيقظوا الكلب النائم. لا تمتحنوا الإنسان بأرزاء تفوق طاقة البشر. فهو لن يحتملها.

لم أستطع هناك مطالعة كاتبى المفضل دوستويفسكي، ففيها كآبة. واصطحبت معى برادبري، أدبا خياليا. من يريد أن يحيا إلى الأبد؟ لا أحد.

لكن وُجد إنسان كهذا. نعم، وجد! وأذكر كيف أرونى فى السجن زعيم إحدى العصابات، كما كنا نسمِّيها، وجدته راقدا على السرير يطالع كتابا ما. إن غلاف الكتاب مألوف لديَّ؛ لينين: ((الدولة والثورة)). وقال: “للأسف لا يسعنى الوقت لقراءته كلِّه. لربما سيطالعه أولادي…”.

احترق مبنى المدرسة ولم يبقَ سوى جدار واحد. وفى كل صباح يأتى الأطفال إليه لتلقِّى الدروس ويكتبون عليه عبارات ما بقطع الفحم المتبقية بعد الحريق. وبعد الدروس يُطلى الدار بالجص فيصبح أبيض. ويغدو مجددا مثل صفحة ورق بيضاء.

جلبوا من ((المنطقة الخضراء)) ملازما دون ذراعين وساقين، دون عضو ذكري. وكانت أوَّل كلمة قالها بعد أن عاد إلى وعيه عقب الصدمة: “كيف حال الشباب فى وحدتى هناك؟”.

لقد دفع ثمن كل شيء! ونحن دفعنا ثمنا غاليا أكثر من الجميع. أكثر منكم…

نحن لسنا فى حاجة إلى أى شيء، فقد شهدنا كل شيء. استمعوا إلينا وستفهمون. لكن الجميع اعتادوا على العمل؛ إعطاء الدواء، إعطاء المعاش التقاعدي، إعطاء شقَّة، إعطاء شيء ما ثم نسيانه. إن ثمن هذه ((العطايا)) قد سُدِّد بالعملة الأجنبية الغالية: بالدم. لكننا لم نأتِ إليكم من أجل الاعتراف. نحن نعترف.

ولا تنسوا سرَّ الاعتراف…

مستشار عسكري

وفى الربيع اتَّخذ يورا قراره:

– “ماما، لا تسألينى عن أى شيء، قرَّرت أن أصبح ضابطا”.

أنا رأيت فى الثكنة العسكرية توابيت الزنك. لكن آنذاك كان ولدى الأوَّل فى الصف السابع، أما الآخر فكان لا يزال صغيرا. وأملت فى أن تنتهى الحرب حين يكبران. وهل يمكن أن تستمرَّ الحرب كلَّ هذه الفترة الطويلة؟ قال أحدهم فى حفل تأبين يورا: “لقد ظهر أنها استمرَّت فترة الدراسة فى المدرسة، أى عشرة أعوام”.

حفل التخرُّج فى الكلِّية العسكرية. ولدى ضابط. لم أفهم كيف يسافر يورا إلى مكان ما. ولم أتصوَّر حياتى حتى خلال لحظة واحدة دونه.

– “إلى أين يمكن أن يرسلوك؟”.

* “سأطلب السفر إلى أفغانستان”.

– “يورا!”.

* “ماما، أنت تولَّيت تربيتى بهذا الطريقة، ولا تفكِّرى الآن فى إعادة تربيتي. أنت فعلتِ ذلك بشكل صحيح. أما جميع أولاد الحرام الذين التقيتهم فى الحياة، فهم لا يمثِّلون شعبنا ووطني. سأتوجَّه إلى أفغانستان لكى أبرهن لهم على أنه توجد فى الحياة مُثُلٌ عليا، ولا يحتاج الجميع من أجل السعادة إلى الثلاجة المملوءة باللحم وسيَّارات «لادا». ثمَّة شيء آخر. هكذا علِّمتِني”.

لم يكن الوحيد الذى طلب إرساله إلى أفغانستان، فقد قدَّم مثل هذه الطلبات كثير من الشبَّان الآخرين، وجميعهم من عوائل طيِّبة. فوالد أحدهم رئيس مزرعة تعاونية ((كولخوز))، ووالد الآخر معلِّم ريفي، والأمُ ممرِّضة.

ماذا كان فى وسعى أن أقول لولدي؟ إن الوطن لا يحتاج إلى ذلك؟ أمَّا الذين أراد أن يبرهن لهم على شيء ما، فهم اعتقدوا، وسيواصلون الاعتقاد، بأن الرجال يذهبون إلى أفغانستان فقط من أجل شراء الخرق، والحصول على الصكوك، وكسب الأوسمة والمناصب. أمَّا زويا كوسموديميانسكايا بطلة المقاومة ضدَّ النازية فهى بالنسبة إليهم مجرَّد متعصِّبة، وليست مثلا أعلى، لأن الإنسان العادى لا يفعل ما فعلتْه.

لا أدرى ماذا حدث لي؛ بكيت، وتوسَّلت، واعترفت له بما كنت أخشى الاعتراف به بنفسي، وعمَّ تحدَّثنا فعلا، فقد دار الحديث عنه همسا فى المطبخ. وسألته:

– “يورتشكا، الحياة ليست البتَّة كما علَّمتك. وإذا علمتُ بأنك أُرسلت إلى أفغانستان فسأخرج إلى الساحة الحمراء، إلى مكان النطع، وسأسكب البنزين على جسدى وأحرق نفسي. سيقتلونك هناك ليس من أجل الوطن، سيقتلونك لسبب مجهول… هكذا بلا سبب. هل يمكن أن يرسل الوطن خيرة أبنائه إلى الهلاك بلا فكرة عظيمة؟”.

لقد خدعنى وقال إنه سيسافر إلى منغوليا. لكننى كنت أعرف، فهو ولدي، وسيذهب إلى أفغانستان.

فى هذا الوقت التحق بالجيش ولدى الأصغر غينا، ولكننى كنت مطمئنَّة بشأنه، فقد شبَّ برؤية أخرى، وكان يجادل يورا باستمرار.

يقول يورا: “أنت، يا غينا، قليل المطالعة. إننى لم أشاهد أبدا كتابا بين يديك. وأنت دوما مع الجيتار”.

* “أنا لا أريد أن أصبح مثلك. أنا أريد أن أصبح مثل الآخرين”.

بعد أن سافرا انتقلت للسكن فى غرفتهما؛ غرفة الأطفال. وفقدتُ الاهتمام بكل شيء باستثناء كتبهما وحاجياتهما ورسائلهما. كان يورا يكتب عن منغوليا، لكن اختلطت الأمور لديه فى موضوع الجغرافيا، مما جعلنى لا أشك بصدد المكان الذى يوجد فيه. بقيت أراجع مراحل حياتى ليلا ونهارا، وتمزَّقت أحشائى همَّا وغمَّا. وتعجز الكلمات عن تصوير تلك الأوجاع…

أنا نفسى أرسلته إلى هناك. أنا نفسي!

جاء أناس غرباء، فأرى مرتسما فى وجوههم، فورا، أنهم جلبوا لى الفاجعة. وألوذ فى غرفتي. يبقى الأمل الرهيب الأخير:

– “غينا؟”.

إنهم يُبعدون أنظارهم جانبا. أنا مستعدَّة مرَّة أخرى للتضحية بولد من أجل إنقاذ الآخر.

– “غينا؟”.

وهمس أحدهم بصوت خافت جدَّا:

* “لا. إنه يورا”.

لا أستطيع أكثر… لا أستطيع أكثر. أنا أصارع الموت طوال عامين. أنا لست مصابة بأى مرض، لكننى أنازع الموت. لم أحرق نفسى فى الساحة الحمراء، ولم يرمِ زوجى البطاقة الحزبية فى وجوههم. إننا فى أغلب الظن فى عداد الموتى. لكن لا يعرف ذلك أحد.

ونحن أنفسنا لا نعرف…