عمرو كمال حمودة: السمسار ليس حسين سالم كثيرًا ما يجذب الأدب العديد من الأشخاص من جهات مختلفة، واهتمامات مختلفة، حتى أن شغفهم به لا يخبو أبدًا، الادب بعامة، والرواية

638

 

عمرو كمال حمودة: السمسار ليس حسين سالم

b3a29239-3c37-4f28-8266-4f36eb1cf95f

عمرو كمال حمودة

كثيرًا ما يجذب الأدب العديد من الأشخاص من جهات مختلفة، واهتمامات مختلفة، حتى أن شغفهم به لا يخبو أبدًا، الادب بعامة، والرواية خاصة، موسوعة، ومنهج معرفة، وفوق كل ذلك شبكة من الصلات بين الاحداث والناس واشياء العالم.

عمل عمرو كمال حمودة فى أعمال كثيرة بعد تخرجه فى الجامعة، فى مجال البنوك والمراجعة الملاحية، ومصنع لإنتاج مواسير الصرف الصحي، وشركة تجارية فى «أبو ظبى» لثلاث سنوات، وفى مجال الطاقة، ويعمل حاليًا كمدير لمركز الفسطاط الخاص بدراسات المجتمع المدنى وتقييم المشروعات الاجتماعية.

تعد «السمسار» مفاجأة على جميع المستويات، يقدم فيها حمودة ملخصا لحقبة زمنية من تاريخ مصر الحديث، بقراءة ثاقبة ومفسرة لكثير مما عاشه المصريون على مدار سنين طويلة. التى ينتظر أن تثير جدلا واسعا فى أوساط مصر الثقافية والسياسية والاقتصادية وحتى الفنية، وهذا ما تأكد منه القراء والنقاد والمهتمون بالأعمال الأدبية بعد طرح الرواية فى دور النشر والمكتبات. لا تخلو الرواية من الإمتاع والتشويق والإثارة على جميع مستوياتها الأدبية، رغم الإيقاع الهادئ والجميل والوصف الدقيق المشوق السلس، يضفر فيها الكاتب الخاص بالعام، تدهشك قدرته كذلك على ضخ كمية مهولة من المعلومات، كأنه يقرؤها من ملفات مكتوبة، ما يشير إلى قدرات لغوية وسردية لا يستهان بها.

حوار: أحمد ليثى

 

ربط العديد من القراء بين بطل الرواية وبين رجل الأعمال حسين سالم، خاصة إنك عملت معه لفترة، لماذا لم تلجأ لعدم ذكر المكان التى تدور فيه أحداث الرواية، بدلًا من ذلك؟

الرواية لا تتحدث عن شخص محدد، عندما كتبتها كنت أصيغ شخصية كانت تمثل تيارا من رجال الاعمال لهم علاقة قوية بالسلطة، تمثل ظاهرة رأسمالية المحاسيب، وهذا إفراز لنظام اجتماعى وسياسى واقتصادى واجتماعى وثقافي، هذا الإفراز ينتج عنه هذه الظاهرة، أن أحصل على إمكانيات للثراء، ليس لكفاءتى ولكن لقربى من السلطة وزواج السلطة مع المال، ولقربى من صناعة القرار والحصول على المعلومة ، أعتقد أن الربط بين حسين سالم وبطل الرواية، تبسيط سهل للموضوع، أرجو النظر للرواية كعمل أدبى وليست وقائع شخصية لشخص ما، الكاتب يكتب من خلال تجربته ومشاهداته فى الحياة، وتأثره بمن كانوا حوله فى أوقات مختلفة من حياته، ولذلك عندما تسألنى سؤال المكان، لماذا مصر، لأنى أعيش فى مصر ويهمنى المجتمع المصري، ورأيت الخراب الذى تم فى الثلاثين سنة الأخيرة، وكنت أتابع الاحداث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية بعين يقظة.

الرواية بها الكثير من المعلومات، معلومات تقنية، عن المخابرات وعن مجتمعات المال والأعمال، ألم تخش الوقوع فى فخ الرواية التقريرية؟

لم يكن فى ذهنى أنى أكتب عن معلومات معينة، لكن لماذا لا تكون المعلومة جزءا من العمل الأدبي، هل العمل الأدبى يظل فقط الكتابة عن المشاعر والأحاسيس، لا أظن، أكتب أيضا عن وقائع، والوقائع هى حياة الناس، عندما أكتب عن رجل أعمال مثلًا، جزء مهم من حياته هى الصفقات، وهذا الجزء ينعكس أيضًا على حياته الشخصية والاجتماعية، فضلًا عن دوره السياسي، فلنفترض أنى سأكتب رواية عن العالم الأكاديمي، يجب على أن أورد معلومات عن هذا العالم، حتى أحدد للمتلقى معالم هذا العالم وحدوده، هناك الكثير من المعلومات التى قد تكون موجودة فى الرواية، عشنا لا نعلم عنها إلا فكرة بسيطة، لكن ماذا عن المسكوت عنه، أليس من واجب الاديب أن يمتلك الشجاعة ليضعها امام المجتمع، هذا دور الأدب والكاتب فى رأيي.

منتصر كان يقتضى بشخصية فوشيه، وزير الداخلية الفرنسى فى عهد الثورة الفرنسية، الذى أغرق فرنسا فى الفوضى، هناك تشابه بينه وبين منتصر، وهو انهما كانا شخصيتين متجبرتين يعيشان فى عصور استبدادية، هل ترى أن شخصية مثل منتصر يمكن أن تكون موجودة فى دول ديمقراطية؟

نعم ستكون موجودة، لكنها ستجد صعوبة كبيرة فى حركتها، لدى قناعة أن هناك لعبة تسمى لعبة الأمم وهو ما حاولت إظهاره فى الرواية، هذه اللعبة موجودة فى المستوى الأعلى من السياسة الدولية، وهى صراع على المصالح والمعلومات، وفى سياسة أى دولة لابد من توظيف عدد كبير من الشخصيات منهم رجال الأعمال، لكن السؤال هو ما الأدوار والمعايير التى ستسند لمثل هذه الشخصيات فى الدول الديمقراطية، كيف أوظفهم وأحدد دورهم، حتى لا يتسع ويصل لدرجة التغول، ويتحول إلى وحش يدمر مقدرات المجتمع وموارده لصالحه الشخصى او لصالح مجموعة تحكم.

فى نهاية الرواية، يهرب منتصر على يخت خاص به، بعد اندلاع أحداث ثورة يناير، ولا يتم محاكمته، هل هذا معناه استمرار عصر السمسرة؟

أتصور أن هروب السمسار من المحاكمة نجاح له، وأظن إننا فى مصر لم نضع آليات المحاسبة فى عين الاعتبار لأن الشفافية غير موجودة.

شخصية منتصر متناقضة، حتى فكرة الوطنية عندها متناقضة، فنجده سعيدًا بعد انتصار حرب أكتوبر، لكن فى الوقت نفسه، لا يقوم بأى دور مجتمعى تجاه الأحياء الفقيرة والعشوائية؟

إذا رجعنا إلى تطور الشخصية، فرغم ان منتصر كان يعرف هدفه ويمتلك رؤيته جيدًا، إلا أن هذا الهدف وتلك الرؤية تعرضا لتقلبات عدة نتيجة تطور الشخصية والأحداث، وتطور وعى الشخصية، صار متمكنًا من أدواته وراسخا فى طريقه، تعرض مثلًا لأزمات عديدة عندما كان يعمل فى جهاز المخابرات، فى النصف الأول من الرواية كان يتعرض لأزمات متكررة، ويحاول أن يعبر منها، ليصل إلى نوع من الامان النسبى الذى يحقق له هدفه الاعلى، أما مسألة الوطنية، كان يؤدى مهام وطنية، داخل جهاز المخابرات العامة، وأصيب بصدمة فى نكسة 67، وكان سعيدًا بانتصار أكتوبر. لكن حتى شخصية اللواء لبيب الذى كان يستريب فيه دائمًا عندما سُئل عن حسن سيره وسلوكه، كان رده بأن ليس عليه غبار، وسجله مشرف، لكن مسألة الوطنية تخفت عندما يتملكه الجشع الخاص بالثراء، فضلًا عن أنى أظن أن هذا النموذج من السماسرة ورجال الأعمال يتحولون إلى رجال أعمال كوزمبوليتانيين، يستطيع أن يؤدى أدوارا على المستوى الإقليمى والدولي، أظنه مثل الممثل الذى يلعب أدوارًا متعدد فى حياته، اليوم تراجيدي، وغدًا كوميدي، ما يهمه هو الاستمرار على خشبة المسرح.

لم يحدث لمنتصر انتكاسات كبرى فى حياته، هل يمكن أن نقول ان زوجته التى تزوجها دون حب، وبتمثيلية دبرتها أخت زوجته هى انتكاسته الكبرى؟

لا أظن، أخت زوجته لمست به جزء الابوة، وهو كرجل طبيعى كان يريد الزواج وتكوين أسرة، ثانيًا مشاعره كانت مشاعر غضة، كان يريد أن يعيش حياته بقلب طيب، فضلًا عن أنها كانت زيجة مناسبة، وفى الوقت ذاته كان منتصر سيسافر للعمل فى المغرب، فضلًا عن أنه كان فى هذا الوقت داخل جهاز المخابرات وعنصر أساسى به، فكان الاستقرار والهدوء النسبى مهمين لتعويض التوتر الدائم الناتج عن العمل، فالبيت بالنسبة له مثل الحصن، زوجته أتته على طبق من فضة، وهى من كانت تسعى إليه، عاش معها حياة طبيعية حتى وجد إنها لم تكن تناسبه بعد التطورات الجديدة، ولذلك خيّرها بين الطلاق او بين البقاء على الهامش، فاختارت.

كيف تنتكس شخصيات مثل شخصية منتصر؟

الانتكاسة بالنسبة لمنتصر هو أن يخرج عن خشبة المسرح، وتنطفئ الادوار من حوله، ستجد مثلًا فى الرواية منافسة بين رجال الأعمال، لدرجة أن التنافس يصل لحد القضاء على الخصم، مثلما كان يريد مدحت موافي، تاجر السلاح، ولذلك هم فى صراع دائم ودام، ومنتصر مر بفترات خرج فيها عن خشبة المسرح، مثلًا عندما كان مديرًا للأفرع الخارجية فى شركة تجارية لم يكن لها أفرع خارج مصر أصلًا، وهذه كانت هزيمة بالنسبة له، ترك جهاز المخابرات أى النفوذ والقوة.

لماذا توجهت إلى احتراف الأدب، فى ظل انشغالاتك العملية كخبير اقتصادي، وعملك فى مجال الطاقة؟

تربيت فى بيئة تحترم الثقافة، ومنذ صغرى وجدت مكتبة عامرة بكتب الأدب والتاريخ والفلسفة والعمارة الاسلامية، والاقتصاد، أحببت الادب منذ صغري، وسعدت عندما أهدانى والدى المجموعة الكاملة لجرجى زيدان عن التاريخ الإسلامي، كما أن عملى أعطانى خبرات كبيرة، لكن ظل هاجسًا يسيطر على، وهو هل يمكن أن أكتب الأدب يومًا ما؟، كنت أكتب بصفة مستمرة عندما أجريت دراسات كثيرة فى مجال الطاقة، ما ساعدنى على أن أعبر عن أفكاري. فى عام 2009، كنت فى حالة من الضيق الشديد من نظام مبارك، الذى وصل لدرجة من الثبات والركود، فى هذا الوقت كان بداخلى الكثير من الأشياء التى كنت أود الكتابة عنها، بدأت الكتابة عندما أهدانى صديق مفكرة صغيرة وقلما، وقال ليتك تضع أفكارك على الورق، ومن هنا بدأت التفكير فى كتابة الأدب، لكنى تخوفت جدًا فى البداية، حتى أن أصدقائى أقنعونى بكتابة رواية، حتى ان لم تنشر، وفجأة عندما كنت أمسك بالقلم لأكتب شيئا على الورق إذا بى أرسم شخصيات اول رواية لى «فيوليت والبكباشي»، وتشجعت كثيرًا بعد صدور تلك الرواية. هناك أدباء أثروا بى كثيرًا، مثل أنطون تشيكوف، فتحى غانم ونجيب محفوظ، كان هؤلاء هم المثل العليا بالنسبة لي، وبعد ثورة يناير ظهرت فكرة كتابة روايتى الثانية.

روايتك الأولى «فيوليت والبكباشي» دارت أحداثها عام 52 بعد ثورة يوليو، كما ان روايتك الثانية «السمسار» تدور فى الفترة نفسها، ما يجعلنى أتساءل، هل تمتلك ملامح لمشروعك الروائي؟

أنا مهتم بأن أفهم تاريخنا الاجتماعى والسياسى والثقافى فى فترة من أخطر الفترات التى عاصرتُها منذ ثورة يوليو 52 حتى اليوم، فى تقديرى الشخصي، التاريخ فى مصر يضغط بشكل كبير جدًا على حياة المصريين اليومية، صناعة القرار فى مصر لها دور فى التأثير على حياتنا، غياب الديمقراطية، الانتصارات والهزائم، القومية أيضًا، كل هذا كان ضاغطًا على رؤية المصريين وسلوكهم فى الحياة ، ولذلك كنت احاول فك الشفرات الخاصة بهذه الفترة، ثم انها فترة درامية فى النهاية وسهل تحويلها لعمل أدبي، لأن مشاعر الناس تتغير ورؤاهم تتطور، وهذا جزء يؤثر عليّ بشكل كبير، يمكن أن يكون هذا جزءا من مشروعى الروائي، لكن مشروعى الروائى متسع، لأنى اكتب عن حياة البشر، والظروف التى تساهم فى تكوين حيواتهم.

لماذا يجب أن نؤمن بقوة الأدب؟

الأدب مرآة للمجتمع، والدور الأساسى للأديب أن يكتب عن المسكوت عنه، وأن يبحث عن كل ما هو غير مرئى تحت السطح، ليكشفه ويظهره للمتلقين. الأدب مزيج من المشاعر والأحاسيس والأفكار والآراء والرؤى، ويضم الماضى والحاضر والمستقبل، الأدب مهم جدًا فى التكوين الحضارى للشعوب، العمل الأدبى يمكن له أن يصل مناطق لا تستطيع العلوم الوصول إليها، أذكر أن رواية الأبله لدوستويفسكي، سبرت أغوار النفس الإنسانية بشكل لم يستطع علم النفس الوصول إليه، العلم يتطلب شروطا ومعايير محددة، بعكس الأدب الذى يمتلك سماحة وبراحا أكثر من العلم.