أفلام محفوظية لم يكتبها نجيب أحمد شوقي   طبقا للفيلموجرافيا التي أعدها جمال مقار ونُشرت في العدد الرابع من دورية نجيب محفوظ المعنون «نجيب محفوظ والسينما» – ديسمبر 2011، تضم

n777

أفلام محفوظية لم يكتبها نجيب

أحمد شوقي

 

طبقا للفيلموجرافيا التي أعدها جمال مقار ونُشرت في العدد الرابع من دورية نجيب محفوظ المعنون «نجيب محفوظ والسينما» – ديسمبر 2011، تضم فيلموجرافيا الأديب الكبير 56 فيلمًا، تنوع إسهامه فيها بين كتابة السيناريو والإعداد للسينما ووضع القصة السينمائية، وبالطبع الأفلام المأخوذة عن أعماله الأدبية. قائمة ضخمة حقًا لا منافس لها بين جميع الأدباء المصريين، تعكس علاقة محبة متبادلة لم تتوقف لحظة بين محفوظ والسينما.

لكن حديثنا هنا لن يكون عن أفلام هذه القائمة التي حملت اسم نجيب محفوظ، التي تم تناولها مئات المرات بالرصد والدراسة والتحليل، وإنما سنتحدث عن نوعية أخرى من الأفلام، ليست فقط وليدة محبة السينما للأدب المحفوظي، بل الأهم أنها نابعة من تأثيره الأديب الكبير على أجيال من المؤلفين والمخرجين، الذين قاموا بشكلٍ واعٍ أو غير واعٍ بتأليف أعمال نكتشف لاحقا أنها إعادة تدوير لروايات نجيب محفوظ الشهيرة، وكأن هذه الروايات قد تحولت إلى تراث ثقافي وأساطير مجتمعية، تجد لنفسها طريقًا على الورق تماما كما لا يزال المؤلفون ينتجون نسخًا لا تنتهي لقابيل وهابيل والسيرة الهلالية وإيزيس وأوزويس وكل الملاحم التراثية.

الهروب/ اللص والكلاب

التأثر الأكثر شهرة ووضوحًا، والذي كتب عنه العديد من النقاد من قبل، هو التطابق الكامل بين حكاية منتصر بطل «الهروب» تأليف مصطفى محرم وإخراج عاطف الطيب، وبين سعيد مهران بطل «اللص والكلاب»، الرواية التي سبق أن حوّلها كمال الشيخ لفيلم يكاد يكون أفضل ما قدمته السينما من أدب محفوظ. كلا البطلين يخرج من السجن ليكتشف خيانة زوجته وأقرب أصدقائه، وعندما ينتقم لشرفه يتحول بسبب الإعلام إلى مزيج بين السفاح والبطل الشعبي، ليلوذ بامرأة ملوثة السمعة (عاهرة أو راقصة) تحميه بدافع الحب، حتى تأتي النهاية الحتمية بمقتل البطل برصاص الشرطة.

فيلم عاطف الطيب منح الحكاية بعدًا آخر سواء بالعلاقة بين الضابط والبطل، أو في استخدام الدولة القضية للمداراة على فضيحة فساد، لكن يبقى الفيلم في النهاية نسخة شبه متطابقة مع رواية نجيب محفوظ الشهيرة.

شفيقة ومتولي، دماء على الأسفلت/ بداية ونهاية

رواية أخرى تتحول لأسطورة يعاد تدويرها. «بداية ونهاية» التي نقلها صلاح أبو سيف للسينما وقُدمت على المسرح أكثر من مرة، كانت حاضرة أيضا في ذهن مؤلفين كبار مثل صلاح جاهين وأسامة أنور عكاشة. في «شفيقة ومتولى» الذي كتبه جاهين وأخرجه على بدرخان تكاد حكاية البطلة تتطابق مع نفيسة بطلة رواية محفوظ. كلتاهما تنجرف للجنس أول مرة بسبب شاب نذل في انشغال الأخ بشئونه الخاصة، لتنحدرا نحو العهر الذي يكتشفه الشقيق الذي أصبح رجل سلطة محترم في الحالتين بعد فوات الأوان، فيعود لينهي الحكاية بدفع شقيقته نحو الموت لغسل عارها.

المعالجة الثانية الأقل تشابهًا هي ما قدمها عكاشة وأخرجها عاطف الطيب في «دماء على الأسفلت». التشابه أقل ولكن جوهر العلاقة واحد، البطل الذي يفضل مستقبله وطموحه الشخصي عن التزاماته العائلية، فيعود ليجد شقيقته وقد تحولت لساقطة، ليلوم نفسه قدر لومه لها، وتهرب الأخت من عارها بالانتحار. لاحظ أن في الفيلمين كما في الرواية لا يقوم البطل بقتل أخته بيديه، حتى في «شفيقة ومتولي» تأتي رصاصات الجنود لتقتل البطلة قبل ثوان من أن يطعنها شقيقها.

المساطيل/ ثرثرة فوق النيل

«غُرزة» أو مكان لتعاطي الحشيش حسب التعبير العامي، سواء كانت في عوامة نيلية أو في مشتل نيلي أيضا. يجتمع فيها عدد من الأشخاص من مختلف الطبقات والخلفيات، يجمعهم حس عبثي يواجهون به العالم، بعدما شهد كل منهم فساد المجتمع وتورط فيه بصورة ما، حتى يؤدي تجمعهم وعبثهم إلى ارتكاب جريمة قتل. هذه بالضبط هي حكاية رواية محفوظ «ثرثرة فوق النيل»، وسيناريو وحيد حامد «المساطيل»، والغريب أن السيناريو المأخوذ عن الرواية بنفس الاسم، والسيناريو المتأثر بها، كلاهما نقله للشاشة مخرج واحد هو حسين كمال.

تختلف بالطبع تفاصيل الحكايات والشخصيات، ولكن يظل القالب البنائي متشابه بصورة واضحة، وحتى شخصية العجوز الحكيم طلعت التي يجسدها حسن حسني، تحمل أطيافًا من الأستاذ أنيس زكي، شخصية محفوظ الشهيرة التي أجاد عماد حمدي لعبها من قبل.

الوعد/ الطريق

أزمة صابر الرحيمي بطل رواية «الطريق» ليست ما يفعله خارجيا بالبحث عن والده الغائب، وإنما ما يدور داخل نفسه من تبعات لاكتشاف حقيقة عمل والدته الراحلة كعاهرة، وهي عقدة الماضي التي تدفعه عندما يجبر على الاختيار بين حب إلهام البريئة التي تمثل مستقبلا سعيدا، وبين إغواء كريمة المتمرسة الحسية والمنحرفة، أن يختار الأخيرة وينحدر معها في هاوية الجريمة.

ربما لا تكون مغامرة عادل بطل فيلم «الوعد»، الذي كتبه وحيد حامد وأخرجه محمد ياسين، مشابهة لرحلة صابر التي نقلها حسام الدين مصطفى من قبل للسينما، لكن أزمتهما النفسية واحدة: ذكرى الأم العاهرة، التي لا تجعل ابنها فقط ينساق لعمل غير مشروع، بل وتجعله في كل مرة يعجب فيها بامرأة ويتقرب منها، يكتشف أنها مجرد نسخة من أمه. ولا عجب أن عنوان الفيلم يحمل مفارقة المعنى المزدوج، بين الوعد الذي قطعه عادل للقاتل المتقاعد محمود ياسين، وبين كون كلمة «الوعد» تعني في تراث العامية المصرية العهر.

قدرات غير عادية/ ميرامار

المثال الأخير هو عمل لم نشاهده بعد، «قدرات غير عادية» أحدث أفلام المخرج داود عبد السيد، والذي لم يعرض سوى مرة وحيدة في مهرجان دبي السينمائي نهاية العام الماضي، وبعد عرضه كتب الناقد طارق الشناوي في جريدة التحرير مقالا بعنوان «من بنسيون محفوظ إلى بنسيون داود»، يقارب بين احتضان بنسيون سكندري صغير لدراما العملين.

نحتاج بالطبع لمشاهدة الفيلم حتى يمكننا تقييم التقارب بشكل موضوعي، لكن حتى لو لم يوجد، فلا مجال لإنكار تواجد أدب نجيب محفوظ داخل ذهن ووعي كل من قرأه، خاصة لو كان القارئ هو الآخر مبدعا يعيد تدوير مخزونه وينتج منه أفلاما جديدة.