أستاذ كلّ الأجيال/ عم “نجيب محفوظ”.. صديقى الذى لم أقابله   لا بأس أن أدعوك صديقي، لعلّ يومًا نلتقي، أظنّنا سنفعل، رسالتى إليك مجرّد حكاية، أود أن أتلوها عليك، كى

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-03-25 05:48:14Z |  |

أستاذ كلّ الأجيال/ عم “نجيب محفوظ”..

صديقى الذى لم أقابله

 

لا بأس أن أدعوك صديقي، لعلّ يومًا نلتقي، أظنّنا سنفعل، رسالتى إليك مجرّد حكاية، أود أن أتلوها عليك، كى تطمئن وأنت هناك.

إنّ هدفى كان هدفًا لك من ذى قبل، وهو إنشاء مفهوم جديد لمعنى الكتابة الروائية، مفهوم متطوّر، صامد ضدّ الزمن، عابر للمكان، وإنّى أضعك نصب عينيّ طاقة من تجلّ، أنبش فى عالمك كالباحث عن فضيلة لم تسطرها نصوص الأرض، وكم أدهشنى مدى مثابرتك واعتزازك بطموحك وتفانيك من أجل إتمام مشروعك، تفانيك حدّ بلوغك “أحلام فترة النقاهة”، ويا له من تفان!

ودعنى أسألك: كيف بتّ منظّمًا لهذا الحد؟ كيف استطعت التغلّب على جميع العثرات التى واجهتك؟ ثم ما الآلية التى اتّخذتها دفاعًا عن مشروعك المتكامل؟ ضدّ كلّ من حاولوا عرقلتك والوقوف أمام شغفك للانهائي؟

صديقى “نجيب محفوظ”…

لو أدركت أنّك لم تمت! يا لها من إشكالية أحارتنا جميعًا؟ إنّا نراك مندفعًا بابتسامتك الرقراقة وهدوئك الجميل قادمًا من بين سطور حكاياتك، قادمًا فى ملامح كلّ شخصية وكلّ بطل، ليس لى أن أخاطب شخوصك الآن، فى رسالة أصلها لك، إنّما لم يزل “أحمد عبد الجوّاد” ينتظر لقاءك، لم يزل “محجوب عبد الدايم” خائفًا منه، مفزوعًا، يشعر بالخزي، لأنّه تدنّى كما لم يتدنّ أحدٌ، ولم يكن باختيارك، فقد اختار هو هذا التدنّي، بالله متى سوف تعود العوّامة إلى مرساها؟ بعد أن انفلتت وصارت مهب ريح! فى امتزاج عوالمك لم نستطع الخروج، ولم نستطع الفرار نحو عالم آخر بديل، حيث لم يعُد ثمّة بديل عن عوالمك، كنت تحاكم مجتمعاتنا عن طريق القلم، اتّهموك واتّهموك ثم الآن يُقبلون على عوالمك ينهلون منها! أيّ تناقض؟

طعنوك، ونهشوك، إنّما نهضت مثل سبع برّي، ولم تعرف الخذلان ولا الضلال، كنت فالتًا من مداراتهم، تحلّق فى فضاء لا نراه من عند نقطتنا الأرضية، أشرت إلى مستقبلنا البليد، ولم نعِ، استشرفت مبكّرا كمّ الأسى الذى سيحيق بنا، ولم نصدّقك، أجل، فقد انفلتت العوّامة، وصار الجبروت إلهًا مقدّسًا، رصدت بقلمك ونظرتك البعيدة ما يُمكن أن يصبح عليه شكل المجتمع بعد نصف قرن، وحدث، وهذا ما يجعلنا نعود إليك مجبرين أحيانًا، كيف تحصّلت على هذه الميزة؟ ليس غيرك كان يُمكنه أن يحصل عليها، لعلّك كنت متصالحًا مع السماء لتلك الدرجة! فقد منحتك ما لم يُمنح لأحد لا من قبلك ولا من بعدك، أجل، أنت أحق بالنبوّة فى زمن حارب أنبياءه، وعلى يدك بات الاستشراف فضيلة المبدع، بات القلم وسيلة عبقرية لبناء مجتمع، وفضّ ملابساته، ووضع الخطوط العريضة لما سيؤول إليه.

صديقي/ “نجيب محفوظ”…

هل لى أن أتشبّه بك؟ أن أكون “محفوظ” هذا الزمان؟ أظنّ أنّ ذلك أمامه الكثير من الدأب والوقت، لكنّى أريد أن أصبح مثلك، وأتجاوزك إن لم يخنّى التعبير، وإن كانت “نوبل” التى جاءتك وأنت جالس فى مكانك واضعًا الساق فوق الساق أحد أهدافي، إنّما هدفى الأكبر هو الخلود، مثلك، تمامًا، هدفى الأكبر أن أطّلع من مكانى فى السماء على هؤلاء البشر، وأراهم يفنّدون كتابتي، ويحارون فيها، بل ويعضون شفاههم كمدًا كما فعلوا معك، ما احتمالية أن يحدث هذا؟ ربما صفر فى المئة، لكن المحاولة أكبر دليل على أنّه لا يوجد مستحيل على هذه الأرض، فأنت تطّلع علينا الآن، حيث انّك لم تمت بهذا الشكل المستهلك للفناء، على العكس، أنا واثق من بأنّك سوف تقرأ هذه الرسالة، بل ربما رددت عليها، أجل يا صديقي، سوف أنتظر اليوم الذى أجد أمامى رسالة منك، تقول لى أكمل، أنت على طريقي، عسى أن تأتى الرسالة اليوم، أو بعد قرن، لكنّها ستأتي، وبالشكل الملائم تمامًا، تخيّل يا صديقى أنّ رسالتك ربما ستكون الأمل الأخير لي، سوف توثّق معاناتى وأحلامى الماثلة على دربك، وسوف أتخيّل –مجازًا- أنّك ستراسلنى بهذا الشكل: (من “نجيب محفوظ”.. إلى “نجيب محفوظ”..).

صديقي “نجيب محفوظ”..

لى حلم آخر، كلّما رأيتك عابرًا قبالتى تأجّج هذا الحلم، هو أن نجلس معًا على “السكّرية”، وأسمع نصائحك وأنا أدخّن “نارجيلة” ماؤها ساقع.

 

أدهم العبودي