أسامة عبد الفتاح يكتب: «إحنا التلامذة».. صرخة جيل ** كتب له محفوظ السيناريو ليقود اتجاها سينمائيا مغايرا ويحذر من خلل مجتمعى قاد بعد ذلك للنكسة   اتخذت علاقة نجيب محفوظ

n111

أسامة عبد الفتاح يكتب:

«إحنا التلامذة».. صرخة جيل

** كتب له محفوظ السيناريو ليقود اتجاها سينمائيا مغايرا ويحذر من خلل مجتمعى قاد بعد ذلك للنكسة

 

اتخذت علاقة نجيب محفوظ بالسينما كل أشكال علاقة كاتب بوسيط فني، فهناك – بالإضافة لنقل رواياته إلى الشاشة الكبيرة عن طريق كتاب السيناريو – أفلام كتب لها السيناريو منفردا، أو بالاشتراك مع كتاب آخرين، أو بالاشتراك مع مخرجيها.. وهناك أفلام كتب لها «القصة السينمائية» وحده أو بالاشتراك مع آخرين – وهو فن لم يكن موجودا قبله، وأخرى أعد قصصها للسينما، أو كتب لها «المعالجة» كما يقول الوسط السينمائي.

باختصار، كُتب اسمه على عناوين – أو «تترات» – الأفلام بجميع الأشكال التقليدية وغير التقليدية، ومنها اشتراكه – بشكل عام – فى كتابة السيناريو والحوار مع آخرين دون تحديد دور كل منهم على حدة.

وهناك ملاحظتان جديرتان بالتسجيل فى هذا الصدد: الأولى أنه لم يكن يجد – وهو الأديب الكبير – أى غضاضة فى إعداد السيناريو أو المعالجة السينمائية لقصص غيره من الكتّاب، والثانية أنه كان يعتبر نفسه مسئولا عن الأفلام التى يشارك فى تجهيزها للشاشة الكبيرة عن قصص غيره أكثر من تلك التى كان يعدها غيره عن رواياته هو، وله فى ذلك مقولة شهيرة مفادها أنه مسئول فقط عن كتبه.

لن أطيل فى الحديث عن علاقة محفوظ بالسينما، حيث سالت فيها أنهار من الحبر، وسأتوقف فقط عند عمل واحد أراه فارقا ومختلفا، ليس فى مسار تلك العلاقة فحسب، ولكن فى تاريخ السينما المصرية كله، وأقصد فيلم «إحنا التلامذة»، الذى أخرجه الكبير عاطف سالم عام 1959.

كان عرض الفيلم بمثابة صرخة أطلقها جيل الشباب الذى تم تهميشه وتجاهله بعد نجاح واستقرار نظام ثورة 23 يوليو 1952، صرخة تشبه كثيرا تلك التى أطلقها شباب مصريون – بعد ما يقرب من نصف قرن على إنتاج «إحنا التلامذة» – من خلال فيلم «أوقات فراغ» عام 2006، للمخرج محمد مصطفى.

كما دق فيلم عاطف سالم أجراس الخطر للتنبيه إلى خلل مجتمعى واضح فى ذلك الوقت، خلل ربما كان أحد الأسباب التى قادت – بعد عرض الفيلم بسنوات قليلة – إلى نكسة 1967، تماما كما كان «أوقات فراغ» تعبيرا عن خلل ربما كان أحد الأسباب التى دفعت المصريين إلى الثورة بعد عرضه بخمس سنوات فقط.

وفيما يخص السينما تحديدا، كان «إحنا التلامذة» مغايرا للاتجاهات التى كانت سائدة فى صناعة الأفلام المصرية فى النصف الثانى من الخمسينات والأول من ستينات القرن الماضي، والتى كانت تتأرجح – بشكل عام – بين تمجيد ثورة يوليو، وتصفية الحسابات مع النظام الملكي، وإنتاج قصص رومانسية حالمة وأفلام مأخوذة عن الأدب العالمي.

فى الاتجاه المعاكس تماما سار فيلمنا، واقعيا، مدينا أوضاعا يراها صناعه خاطئة، ومنتقدا مجتمعا غرَّه انتصار ثورته فى 1952، وعبوره محنة عدوان 1956 الثلاثي، وشغلاه عن إعادة ترتيب أوراقه، والاهتمام بأجياله الصاعدة.

«إحنا التلامذة» من الأفلام القليلة للغاية التى انفرد فيها محفوظ بكتابة السيناريو دون شريك، فيما كتب القصة كامل يوسف والمخرج توفيق صالح، وتولى كتابة الحوار محمد أبو يوسف، وإدارة التصوير برونو سالفي، والمونتاج حسنوف، والموسيقى التصويرية أحمد فؤاد حسن.

يلفت النظر، فى بداية عناوين الفيلم، شكر – أراه مباشرا وفجا للغاية – وجهه منتج العمل حلمى رفلة لـ «أساتذة التربية وعلم النفس ورجال الفكر والصحافة الذين اشتركوا فى دراسة القصة ووضع خطوطها واتجاهاتها وإبراز المشكلة التى ترويها بصورة صادقة حققت الأهداف من إنتاج الفيلم وأكدت تجاوب السينما ومساهمتها فى تطهير المجتمع والنهوض به».. ولا أعرف كيف قطع المنتج بأن الفيلم «حقق أهدافه» وأكد «مساهمة السينما فى النهوض بالمجتمع» قبل عرضه؟

ومقابل هذه المباشرة، هناك – فى العناوين أيضا – رمز عميق، غير مباشر، يتمثل فى وضع كف يشير بإصبع السبابة على جانب عدد من لوحات الأسماء، فى دلالة على توجيه الفيلم إصبع الاتهام للمسئولين الحقيقيين عن انحراف أبطاله من الشباب، وهم آباؤهم وأمهاتهم والمجتمع كله.

يعتمد محفوظ، فى السيناريو الذى صاغه، على أسلوب العودة للماضي، أو «الفلاش باك»، حيث يبدأ الفيلم بمحاكمة أبطاله الثلاثة من الشباب بعد أن دفعتهم ظروفهم وقيود وضغوط المجتمع إلى طريق الجريمة، ثم يتصاعد بالأحداث التى أوصلتهم إلى قفص الاتهام، قبل أن يعود مرة أخرى إلى ساحة المحكمة فى النهاية.

لى ملاحظة واحدة فقط على هذا السيناريو شديد التماسك والتميز، وهى اللجوء للراوى فى البداية والنهاية، وهو أضعف الحلول الدرامية على الإطلاق، وعادة ما توضع على لسانه أكثر الجمل والتعبيرات مباشرة وفجاجة، وهو ما يحدث فى الفيلم، حيث يردد فى البداية: «الشبان دول ما الذى دفع بهم لقفص الاتهام؟ الشر النابع من طبيعتهم؟ ولّا المجتمع هو اللى دفعهم للخطأ وارتكاب الجريمة؟».. وفى النهاية: «نطلب حكم الرأى العام لأننا لا ننسى أن هذه الجرائم كان وراءها ناس تانيين أفلتوا من عقاب القانون لكن لن يفلتوا من عقاب ضمائرهم لأنهم السبب فيما حدث».

المقصود بالطبع أن المسئولين الحقيقيين عن جرائم الشبان الثلاثة هم آباؤهم وأمهاتهم الذين لم يولوهم الرعاية الكافية ولم يوجهوهم ولم يحنوا عليهم، وكذلك المجتمع الذى يفرض القيود والضغوط على الجميع.. وكان من الممكن التعبير عن ذلك سينمائيا وتوصيل الرسالة واضحة جلية دون اللجوء إلى الراوي، وما هو موجود فى الفيلم بالفعل كاف جدا لتحقيق الغرض دون الحاجة لهذا الصوت الإضافي.

وفى المقابل، يحفل العمل بالإسقاطات والرموز وألعاب السيناريو الصغيرة التى صاغها محفوظ ببراعة للتعبير عما يستهدفه صناع الفيلم، ومنها – على سبيل المثال – القطع على أحد موظفى البلدية وهو يمسك بكلب ضال ويلقى به فى قفص سيارته أثناء اتفاق أب مع رجل فى سنه على تزويجه ابنته التى لا تحبه، فى دلالة على أن بعض الآباء يعتبرون بناتهم – أو أبناءهم بشكل عام – مثل الحيوانات التى لا تملك من أمر نفسها شيئا.

أما أهم الإسقاطات على الإطلاق، فهو الإشارة – ببلاغة شديدة – إلى فشل صوت عبد الحليم حافظ، صوت ثورة يوليو، فى مداراة عيوب المجتمع أو تجميل الواقع، حيث يرفع الشبان الثلاثة صوت أغنية عبد الحليم «أنا لك على طول» للتغطية على صرخات الخادمة المسكينة التى تموت أثناء إجراء عملية إجهاض بعد حملها سفاحا من أحدهم، إلا أن مسعاهم يفشل ويتم فضحهم وكشفهم ليساقوا إلى المحاكمة، ولتتم الإدانة السينمائية للمسئولين الحقيقيين عن انحرافهم.