قراءة فى دفتر الثقافة الجماهيرية (2) أندية الأدب أشرف البولاقي   بادئ ذى بدء لا أحدَ ينكر الدورَ الذى لعِبته أندية الأدب التابعة للثقافة الجماهيرية فى اكتشاف وصقْل المواهب الأدبية،

8888

قراءة فى دفتر الثقافة الجماهيرية

(2) أندية الأدب

أشرف البولاقي

 

بادئ ذى بدء لا أحدَ ينكر الدورَ الذى لعِبته أندية الأدب التابعة للثقافة الجماهيرية فى اكتشاف وصقْل المواهب الأدبية، ويمكن القول دون مبالغةٍ أو شطط إن جمهرة المبدعين المصريين الذين يملأون المشهدَ إبداعا وإشراقا الآن هُم – أو غالبيتهم – نتاج تلك الأندية.. لكن متى كان ذلك؟ كان ذلك قبْل أن تصبح ثورة الاتصالات جزءا من حياتنا اليومية العادية، وقبْل أن يصبح الانترنت واقعا معيشًا فى كل بيت، وقبْل أن يصبح لكل أديب أو مبدع موقعٌ خاص به، أو مدونة ينشر فيها كتاباته، كان ذلك عندما قامت الهيئة العامة لقصور الثقافة فى تسعينات القرن الماضى بتأسيس وإنشاء ما أطلقت عليه «أندية الأدب» ليصبح مِن حق كل موقع ثقافى «بيت – قصر» نادى أدب مستقِل له ميزانية خاصة للإنفاق منه على الندوات والأمسيات والمحاضرات، ووضعت الهيئة مشكورةً لائحة تنظِّم عملية تشكيل أندية الأدب وبنودَ الصرف على نشاطها بدءا مِن تقنين مجالس الإدارات وانتهاءً بكيفية إدارة تلك الأندية.. والحق أن الفكرة كانت رائعة واستطاعت خلال سنوات وسنوات أن تمد الحركة الثقافية بكوادر من الأدباء والمبدعين والمثقفين الذين أصبحوا اليوم رموز الحركة الثقافية، ولا يكاد يوجد أديب مصرى معروف الآن إلا ولنادى الأدب فى محافظته أو مدينته يدٌ خضراء عليه بفضل ذلك الكيان الذى جمع الأدباءَ حوله.. وبمرور الوقت زادت أندية الأدب ولم تَخلُ مدينة مصرية منها حتى بلغ الآن عددها على مستوى الجمهورية أكثر من مائة وأربعين نادٍ، لكل نادٍ ميزانية لا تقِل عن ألفَى جنيه، وهناك نوادٍ تصِل ميزانياتها إلى أربعة آلاف جنيه فى العام، وذلك لأن زيادة عدد الأعضاء معناه زيادة الميزانية، ما يعنى أننا نتحدث عن أكثر من نصف مليون جنيه فى العام تقريبا. وتجدر الإشارة هنا إلى شيئيْن يبدوان متناقضيْن للغاية، الأول اعترافنا أن الفعل الثقافى الأدبى الإبداعى هو دُرة نشاط أى فرع ثقافى بمعنى أن تردد الأدباءِ والمثقفين على المواقع الثقافية ليلا ونهارا هو ما يضمن للموقع التوهجَ والذِّكر والإعلانَ بسبب كثرة نشاط الندوات والأمسيات، وقدرة الأدباء على الحشد والدعاية لهذا النشاط.. والشيء الآخر الذى يجب علينا الاعتراف به أن أكبر الأزمات والمشكلات التى تواجه أى موقع ثقافى – الآن – هى أزمات ومشكلات أندية الأدب بسبب اللائحة وعدم القدرة على تطبيقها – وليس عدم تطبيقها – من ناحية، وبسبب تحول هذه الأندية إلى عِزَب – جمْع عِزبة – لبعض الأفراد بعد عزوف الأدباء والمتحققين عن ممارسة نشاطهم داخل أندية الأدب، وبسبب مشاكل مجالس الإدارات التى لا حل لها مطلقا من ناحية أخرى!! وللسادة المسئولين بالهيئة العامة لقصور الثقافة أن يعلَموا مثلا أن هناك أكثر من ألفَى عضو نادى أدب عامل يعملون خارج مصر!! ومهما قيل عن إن الهيئة تطالِب بتجميد أو بإسقاط عضويات المتغيبين أكثر من موسم ثقافى واحد إلا أن أحدا لا يطبِّق هذا؛ لأن تطبيق هذا البند معناه تقليل الميزانية المقررة… وليعلم السادة المسئولون أن هناك أكثر من ألفيْن آخرين انصرفوا تماما عن ممارسة النشاط رغم وجودِهم وحضورهم فى المشهد!! ولا يمكن تطبيق البند السابق عليهم أيضا للسبب نفسِه!! أمَّا الكوارث والمآسى الأكبر مما سبقَ فتتمثل فى جرائم ماليةٍ وأخلاقية تَحدث بالاتفاق مع بعض مجالس الإدارات وبعض موظفى أندية الأدب لتوزيع الميزانية المقررة بينهم بالتراضى ما دام الأمر فى النهاية أوراقًا وصورَ بطاقات!!! ولا يَظنن مسئول واحد أن هذا تَعدٍ أو تجاوز أو إطلاق كلام على عواهنه، فقدْ سبق لكاتب هذه السطور أن أشار إلى طبيعة عمله ووظيفته التى جعلته قريبا جدا من الأحداث بل ومشارِكا فى بعضها بالتحقيق أو المساءلة أو ما إلى ذلك دون أن يتم تصعيد الأمور أكثر من ذلك حرصًا على العلاقات الوظيفية والإنسانية وعلى سُمعة المكان نفسِه !!

صحيح تمامًا أن فكرة إنشاء وتأسيس أندية الأدب كانت مخلِصة ونبيلة، وكان غرضها اكتشافَ المواهب الأدبية وتقديمها للحياة الثقافية، فضلا عن تثقيف الجمهور ثقافة أدبية رفيعة كما تؤكد لائحتها، لكن المنوط بهم الآن ذلك وجدوا ضالتهم بعيدا عن أندية الأدب – إلا فيما ندرَ بالطبع – ولا نعرف كيف تستمر الهيئة العامة لقصور الثقافة فى كل برامجها وسياساتها على الترقيع دون النظر إلى المتغيرات الكبرى التى طرأت على آليات العمل الثقافى ووسائله وأولها الإنترنت بمواقعه ومدوناته التى أصبحت البديلَ الآن لكل أندية الأدب؟؟ لقد كتبَ قبلى مئات الأدباء والمثقفين، وناشدتِ الهيئةُ نفسُها عشراتِ المرات تطالب الأدباء بوضع أفكار وتصورات لِمَا تطلِق عليه تطوير أندية الأدب أو تغيير بعض مواد لائحتها لكن أحدا لا يريد أن يلتفت إلى أن مَطالب التطوير والتغيير لن تجدى فتيلا فى ظل ثورة المتغيرات التى فرضت وجودها الآن، لا أحد يريد أن يلتفت إلى أن المطلوب نسف الكيان القديم بأسره، وإلغاء أندية الأدب كلها واستبدالها بكيان جديد يعبّر عن الواقع وظروفه.. أيُّ كيانٍ أدبى هذا الذى يعطى للأديب ما يتراوح ما بين سبعة وعشرين وسبعة وستين جنيها مكافأة عن مشاركته فى ندوة أو أمسية وهو يستطيع بضغطة زر على إميله أن يتقاضى ألف جنيه قيمة مكافأة عن نشر نصِّه فى مجلة عربية، أو مائة جنيه فى مجلة مصرية؟؟ هذا عن الأديب المتحقق المنوط به التواصل مع نادى الأدب لاكتشاف وصقل الموهبة الأدبية!! أمَّا الناشئ أو الموهوب فيجلس مع الأدباء الكبار على المقهى أو فى بيته أو يتواصل معه عبْر الإنترنت فما حاجته للتردد على نادى أدب ببيت أو بقصر ثقافة لا يجد فيه أحدا؟؟!! هل يعرف السادة المسئولون الآن دورَ ووظيفة مجالس الإدارات بأندية الأدب؟ دورهم جللٌ وخطير يكاد ينحصر فى ترشيح أصدقائهم وأحبابهم «فقط» للمؤتمر العام ومؤتمر الإقليم… ولا شيء أكثر من ذلك، فالأمسيات والندوات يقيمها وينفذها الموظفون!! والحديث عن أندية الأدب لابُد وأن يجرنا للحديث عن بدعة ما يسمّى بنادى الأدب المركزى بكل محافظة، وهو النادى الذى يضم فى عضويته رؤساءَ أندية الأدب وعددا من المُعيّنين يَصدر بهم قرار مِن مدير عام كل فرع ثقافى… وهو نادٍ لا عمل له على الإطلاق لأن الهيئة الموقرة ابتدعت – ضمن ما تبتدع ليلَ نهار – ما سُمِّى باللجنة الفنية بكل إقليم والتى قامت بإلغاء دور ووظيفة نادى الأدب المركزي؛ فأى قرار يأخذه المركزى لا بُد من رفعِه للجنة الفنية، قبول العضويات، تجميد أو فصل العضويات، طلب نقل عضوية، الترشيح للمؤتمرات و.. و.. إلخ. وليس صحيحًا بالمرة أن النادى المركزى يشارك فى وضع سياسات وبرامج الفروع فهذه ترهات وأباطيل لا تحدث على أرض الواقع خاصةً وأن سياسات الفروع سياسات مفروضة عليها مركزيًا، وكل فرع مجبر على التنفيذ لا يمتلك رفضا ولا ممانعة، ولنا أن نتخيل أن مدير عام فرع ثقافى يدعو مجلس إدارة نادى الأدب المركزى ليستشيره فى تنفيذ ندوات صالون الثقافة الجماهيرية أو مسابقات الإبداع المدرسى فيرفض المجلس مثلا أو يتحفظ!!! هذا فضلا عن صعوبة اجتماع النادى المركزى بالشكل الذى قد يتصوره البعض؛ لأن أعضاءه – رؤساء أندية الأدب الفرعية – كلٌّ من مدينة بعيدة. ولن ننسى ونحن بهذا الصدد أن نشير إلى وجود اعتمادات مالية كبدلات انتقالات للسادة الأعضاء، وهو ما يثقِل كاهل الفروع فى صرْف هذه المستحقات ويعرِّضها للاتهامات فى حالة التأخير، وهو – التأخير – أمرٌ معتاد جدا فى ظل ظروف ما يسمّى بالسُّلَف المستديمة وما إليها داخل دولاب العمل الوظيفي، فضلا عن التصور الذى أتركُه لكم حول قيمة تلك المبالغ المخصصة كبدلات تُصرف على ما لا نظنه يستحق !!!

وإذا كنا قد أشرنا إلى الدور الصادق والحقيقى الذى لعبته أندية الأدب أوائل تأسيسها وتشكيلها، فإننا نشير الآن إلى الدور المزيف الذى يقارب من ارتكاب جرائم فى حق الثقافة المصرية الذى تقترفه أندية الأدب باعتبار كل مواطن ينشر عشرة أعمال فى صحف أو مجلات أديبا وعضوا عاملا، أو لهذا الذى يستطيع أن يصدر كتابا واحدا فقط فى أى مطبعة أو دار نشر ليتسلم المواطن راية رئيس مجلس إدارة ناديه، وليصبح بعدَها رئيسًا لنادى الأدب المركزي، ثم عضوًا فى الأمانة العامة لمؤتمر الإقليم، ثم عضوًا فى الأمانة العامة لمؤتمر أدباء مصر، ثم أمينًا عامًا للمؤتمر، ثم رمزًا أدبيًا كبيرًا بعشرة أعمال منشورة فى صحفٍ ومجلات أو بكتابٍ يتيم !!!