بئر وغرفة وقط وأباجورة أنيس الرافعى ( كاتب وقاص من المغرب )   عزيزى نجيب محفوظ، سلام إليك هناك فى رحاب الأبديّة، فى الجهة الأخرى من لغز الحياة . هناك

n111

بئر وغرفة وقط وأباجورة

أنيس الرافعى

( كاتب وقاص من المغرب )

 

عزيزى نجيب محفوظ، سلام إليك هناك فى رحاب الأبديّة، فى الجهة الأخرى من لغز الحياة . هناك فى زاويتك غير المنظورة حيث تواصل التلصص علينا، عبر الزجاج السميك لنظارتيك، باسما، رائقا، خالى البال، من فوق .

ترى هل تعلم أنك أنقدتنى من عزلة المكان المغلق وأننى مدين لك بحرفة وحرقة الأدب، مدين لك بسقوطى الحر فى لجة بئر عميقة من الحكايات والأخيلة ؟ نعم، فعلت ذلك دون أن تدرى، ودون أن نلتقى يوما أو نتصافح .

نعم، فعلت كل هذا وهو صعب ومستحيل حتى على أعتى السحرة .

وكى ينجلى غموض هذا الامتنان الغائر فى الطبقات الرسوبية للزمن، دعنى أعود بك القهقرى إلى ما قبل هذا التاريخ بثلاثة عقود. ولندلف معا إلى مشهد تلك الغرفة الصغيرة ضامرة الأبعاد، التى خصصتها العائلة لتعليم نجلها الأكبر . ولتتطلع معى إلى تلك السبورة السوداء الحائلة، وإلى قطع الطباشير الملّونة الملقاة  فى أسفلها . لنحدّق سويا  فى رفوف مكتبة والدى، العامرة بما تيسر من كلاسيكيات الأدب العربى . ولتمعن النظر فى ذلك السرير المتداعى، الذى يتوسط الغرفة الصغيرة . هناك، حيث كنت أقضى عقوبتى المستحقة ، كلّما قرّ عزم والدى بأننى لم  أواظب أو لم أراجع دروسى كما يجب .

 

لتنتبه  أيضا إلى ذلك القط الرماديّ الضامر، الذى كان يتسلل خلسة عبر الفرجة، ويندس تحت  السرير، قبل أن يوصد والدى الباب بالمفتاح إيصادا  مضمونا، ويذهب مسرعا للالتحاق باجتماعاته الماراثونية فى حزب الجماهير الشعبية .

لتعلم يا عزيزى نجيب محفوظ  أن والدى  كان صارما فى الصرف والنحو والإعراب  شأن كلّ من درج على ألفية ابن مالك  وخصائص ابن جنى ، ولا يستسيغ هناتى ولحنى، وكان يوصى وصية مبرمة بألا يفتح لى الباب حتى يعود ، غير أنّ والدتى بقلبها الدافئ  وحدبها على حشاشة الكبد  كانت تعصى أوامره، وتطلق سراحى بمجرد خروجه من البيت .

لقد كنت يا عزيزى نجيب محفوظ أبكى بدموع حارة عندما كان أبى  يحرّك المفتاح فى مزلاج الباب . أبكى حينما تحرّرنى أمى، وأبكى عندما تعيدنى للغرفة الصغيرة قبل موعد أوبة أبى ، وأبكى بعد أن يفتح عليّ أبى  الباب مجددا .

وبمرور الأيام، لم أعد أبكى، وما عدت راغبا فى الخروج، رغم توسلات والدتى وإلحاحها بأنّ الأمر  مجرد لعبة  رمزيّة غايتها عقاب بوهم مرجعى لا أقل ولا أكثر  .

لقد اكتشفتك يا عزيزى نجيب محفوظ أو انئذ، واكتشفت بالموازاة مع رواياتك وقصصك المرصوصة فى رفوف مكتبة الغرفة الصغيرة، رفقة القط الرماديّ الضامر . أنتما يا صديقى القديمان فى الأسر والمكابدة .

لم أعد أبكى لأننى  اعتدت على الضوء  الخفيف والشاحب  للأباجورة التى استعرتها من أخى الأوسط،  لم أعد أقترف هذا الفعل الإنسانى غير الخليق بالصبيان  لأننى كنت أسافر بخيالى من مراكش المرابطين إلى قاهرة المعز،  وهأنا أتجول على رسلى في « خان الخليلي»  و«زقاق المدق» و« دنيا الله » . وهأنا أقيمما طاب لى فى « بين القصرين » و« قصر الشوق»  و«السكرية». وهأنا أصاحب على سجيتى « الشحاذ » و«السمان والخريف» و«رحلة ابن فطومة » . وهأنا أشارك الناس الطيبين  والبسطاء « أفراح القبة » و« ليالى  ألف ليلة » و«الباقى من الزمن ساعة».

أنت يا عزيزى نجيب محفوظ ، أنت وحدك  يا «حضرة المحترم» من كنت «حكاية بلا بداية وبلا نهاية»  ومن كنت « حديث الصباح والمساء ».

إلى أن جاء يوم يا عزيزى نجيب محفوظ، وقد كبرت بخمسة أعوام وضمرت أخطائى فى لغة الضاد، فنهضت من ذلك السرير المتداعى، ثم عالجت باب الغرفة، فوجدته بخلاف المتوقع مشرعا، ثم خرجت والقط الرماديّ الضامر فى ركابى.

وعند ذاك بدأت أخربش وأحاول أن أكتب ما استطعت إلى ذلك سبيلا. لم أقلدك، لكنك كنت نجمتى القطبية الهادية فى بحار السرد المتلاطمة .

واليوم بعد انصرام كل هذه السنوات، دعنى أصارحك بأننى نادم  لكونى  تجاسرت على اجتياز عتبة باب تلك الغرفة كما ندم شاعر ( شرب وما عرف الكأس حتّى /  سكر فما استطاع له دراكاﹰ )، وبأن رغبة ملحاحة  تخامرنى للبحث مجددا عن قطى الرماديّ الضامر الذى ضيعته فى غمرة زحام الخارج، وفى العودة كرة ثانية إلى هامش تلك الغرفة الصغيرة فى بيتنا القديم لاسترجاع متعة التشرد داخل جدرانها الضيقة التى كانت تضمنى وتحيطنى بظلمتها البهيم، وعند ذاك سوف أشرع مرة أخرى، بعد مقاومة «صدى النسيان»، فى إعادة قراءة أسفارك وتجديد عهدى بحلاوة القص وبصحبتك المليئة بالأسرار والسرائر وأعمال اللامرئى. فى الحقيقة، إننى أتوق لأن أعيد اكتشاف أعمالك عن طريق حفر البئر التى أسقطتنى فى غياهبها، لكن من الأسفل لو قيض لى .

أعمالك الخالدة التى لا تزال تهتز بداخلى مثل دوائر مائية تحت ضوء الأباجورة الخفيف الشاحب، وأعدك وعدا صادقا يا عزيزى نجيب محفوظ بأننى  هذه المرة لن أبكى على الإطلاق .