أهرب منك   أود أن أعرفك بنفسي أولا، أنا فتاة تخطو خطواتها الأولى في مجال الأدب، ولديَّ اعترافٌ لك غريبٌ ويكاد يكون مخجلا، وهو أنني مُقصرة في حب أعمالك الأدبية

n777

أهرب منك

 

أود أن أعرفك بنفسي أولا، أنا فتاة تخطو خطواتها الأولى في مجال الأدب، ولديَّ اعترافٌ لك غريبٌ ويكاد يكون مخجلا، وهو أنني مُقصرة في حب أعمالك الأدبية جميعها.. بل وأهرب منها إذا وجدتها في المكتبات أو ممثلة على شاشة التليفزيون، نعم سيدي هذا ما يحدث، فأنا لا أحب عالم الحارة الذاخر والحرافيش.. ذلك العالم المفعم بالقسوة والقهر والأيام القديمة تلك، وأعلم أنك دائمًا خلف هذه الأعمال.. خلف الورق، فأعمالك لا تكفيني لكي أعرفك، وأنا أحب أن أبحث عنك أنت، نجيب محفوظ الإنسان الذي عاصر أكثر الأيام زخمًا وكتب أثمن الأعمال، فصوَّرت عصرًا مُهمًّا يحمل كل معاني الإنسانية أمام عيون أجيال لم تعشه، لذا فأنا دائمًا أسأل:

* من أنت يا نجيب محفوظ؟ هل أنت بشر مثلنا أم أنك فيلسوف كبير؟ ماذا تحب.. ماذا تكره؟

كيف ترى الحياة؟ وما الحياة في نظرك؟

أتساءل وأنظر إلى صورتك، أراك وأنت ترتدي «جاكيت» أزرق وعيناك تحمل نظارة طبية مليئة بالاطلاع، وكل تجاعيد وجهك بها عبء خبرة أحتاجها أنا كثيرًا في حياتي الأدبية، وحين أفتح حسابي على الفيس بوك دائما ما أقرأ مقولتك هذه: «لا تخبروني عمَّن يكرهني أو يتكلم عنِّي، أتركوني أحب الجميع، وأظن أن الجميع يحبني». أتذكرها حين يصيبني جرح من أحدهم.

 

ولقد قرأت من قبل عنك، رأيتك وأنت تكتب الثلاثية وكيف كنت تخصص ملفًّا لكل شخصية في العمل، ورأيتك حين جلست على مقهى الفيشاوي مع بعض أصدقائك من الأدباء، أخبرتهم ذات مرة أنك تعد عملا به (تعاقب أجيال) فسبقك أحدهم بتقديم هذه الفكرة، أعرف هذا النوع من اللصوص، أعجبني إهمالك لما حدث، مضيت في طريقك وأنت واثق في نفسك، كم أعجبني هذا التصرف! وكم أعجبني أنك نجحت عنه وهو لم ينجح مثلك.

الشتاء بالنسبة لك هو فصل الكتابة والعمل والصحة، أمَّا فصل الصيف- ونظرا للحساسية التي تصيب عينيك في هذا الوقت بالتحديد- فقد اكتفيت فيه بالتأمل فقط، أنا أيضا أحب التأمل، أخبرني أساتذتي أن التأمل يخلق التفاصيل بداخل الأديب وأحببته أكثر حين عرفت أنك تحبه أيضا، رأيتك وأنت تقف لتبتاع الجرائد والصحف من ميدان التحرير، وأنت تجلس على المقهىوتحتسي فنجانا من القهوة في الصباح، شاهدتك وأنت تختار المقالات التي تود أن تقرأها، وحين ضعفت عيناك جلستُ بجانبك وأنت تستمع إلى «الحاج صبري» وهو يقرأ لك ما تود أن تعرفه في الصحف والجرائد، أعلم أنك كنت تحب أن يقرأ لك من جريدة الأهرام الجزء المخصص لمشاكل الناس، أنا مثلك أحب أن أقرأ هذه الأشياء، ومثلك لا أحب النوم مبكرا، فأنت تخلو إلى نفسك في وقت الليل ويكون أمامك وقت كبير للتفكير، وكنت تحب أن تجمع بين الوحدة والأصدقاء فتقسِّم وقتك بينهم، أتفق معك في ذلك تمامًا، الاختلاط ضروري والوحدة أيضا وإلا كيف سنكتب! أحببت دوما أن تسير في الطريق وتضع دوسيهًا أو صحيفة تحت إبطك، أنا لا أستطيع أن أسير هكذا في الطريق لأنني فتاة وعلي أن أسير بالتزام أكثر، أشياء كثيرة أحب أن تجمعني بك وما زلت أبحث عنك ولن أكف حتى أجدك. وأشكر سعة صدرك لأنك استمعت إليَّ الآن وقرأتَ رسالتي.. وأشكر أيضا الوقت الضئيل الذي بُحتُ فيه بجزء من مشاعري تجاهك.

ابتهال الشايب