خلاء محفوظ وخلوته د. سمير مندى   «الخلاء» هو أحد المنظورات التى تتجاوز دلالتها المكانية إلى دلالات أخرى وجودية واستعارية فى أعمال محفوظ. وقد عرفنا أن أعمال محفوظ انشغلت بالمدينة

n88844

خلاء محفوظ وخلوته

د. سمير مندى

 

«الخلاء» هو أحد المنظورات التى تتجاوز دلالتها المكانية إلى دلالات أخرى وجودية واستعارية فى أعمال محفوظ. وقد عرفنا أن أعمال محفوظ انشغلت بالمدينة فى تجلياتها وتقلباتها الكبرى سواء فى الثلاثية أو فى بداية ونهاية أو خان الخليلي..إلى آخر تلك الأعمال التى تناولت قصة مكان وقصة أبطال يفعلون على أرض هذا المكان. ولكننا لم نعرف بعد لماذا كان الخلاء-فى الكثير من أعمال محفوظ- قابعا هناك كهامش مكاني يعمل عمل الأصل. وعندما نعيد قراءة أعمال مثل «أولاد حارتنا» أو «الحرافيش» أو «الشحاذ» أو «الطريق» أو حتى «العائش فى الحقيقة» فإننا سنجد «الخلاء» ذلك المكان القابع على أطراف الصحراء يفرض نفسه بوصفه الفضاء/الأصل الذى يفر منه أو يفر إليه الأبطال. ويتجاوب مع هذا المعنى أن الخلاء هو فى بعد من أبعاده الكونية إشارة إلى السديم الذى كان يغمر الكون كله قبل وجود الإنسان. ولكنه أيضًا ذلك المكان الذى يختلى فيه الإنسان بنفسه فيتأمل ماضيه أو حاضره أو ينظر فى باطنه. ولن ننسى- قبل هذا وذاك- أن الخلاء فضاء مكانى يحيط بفضاء مكانى آخر يضج بالصراع والزحام والتوهان وأعنى به المدينة هنا. كل هذا وسواه يشير إشارة لازمة إلى أن هناك شريكا مكانيا – ولا أقول نقيضا مكانيا- يحمل دلالات استعارية ووجودية تضفى على المُختلى صفة المصطفى أو المختار.

(1)

ولو بدأنا برواية (أولاد حارتنا) لوجدنا أن الخلاء «الذى جاء منه الجبلاوى» يحمل معنى فقدان الذاكرة فى بداية الرواية. إن إدريس وأدهم اللذين استحقا غضب أبيهما قد قررا البقاء بالقرب من البيت الكبير طمعًا فى العودة مرة أخرى وخوفًا من فقدان الذاكرة فى خلاء لا أول له ولا آخر «لعلى أحسنت صنعًا بالإقامة قبالة البيت حتى لا أفقد الماضى كما فقدت الحاضر والمستقبل وهل من عجب أن أخسر الذاكرة كما خسرت أبى وكما خسرت نفسى». وهذا المعنى الذى قد يساوى بين الخلاء وبين السديم تعين عليه وتمرره-من ناحية- الإشارات المتكررة إلى فضاء قاسٍ لا يرحم فلا يصمد أمام جبروته إنسان ولا يُرى فيه سوى الحصا والرمال. ومن ناحية أخرى المعنى الوجودى والأصلى الذى أسبغته الرواية على البيت الكبير أو بيت الواقف. ذلك المعنى الذى ينفى الوجود عن كل ما هو خارجه حتى يكاد يجرده من ماضيه ومستقبله وحاضره.

وإذا كان «الخلاء» قد اقترن هنا بالوحشية والنفى والسقوط فليس ذلك لأن الوحشية والنفى والسقوط صفات للخلاء من حيث هو كذلك؛ إنما لأن «الخلاء» هنا فضاء آوى إليه مطردون يحملون وزر تفريطهم فى طاعة الواقف. وبالتالى ارتبط الخلاء بقسوة العقاب من ناحية والندم من ناحية أخرى ولم يعد بالإمكان فصمه عن حمولة الذنب هذه. لكن الخلاء-مع ذلك- أخذ يشير إلى معنى آخر يتصل بالعزلة والاصطفاء والإلهام سواء أكان الخلاء خلوة يخلو فيها الإنسان إلى نفسه أم خلاء مر فيه الجد الكبير من قبل وأسبغ عليه بركاته. وهاهنا أخذ السرد يوسع من الدوائر التى تجعل من الخلاء ملاذًا تلوذ فيه النفس بنفسها وتسترجع فيه ماضيها الجميل.

أما فى رواية (الحرافيش) فيكاد أن يجعل السارد من «الخلاء» فضاءً مباركًا متاخمًا لحارة كل ما يجرى على أرضها يموج بالصراع والظلم والمعاناة. ولعل «الخلاء» من حيث هو عزلة ووحدة وسكون وفضاء تجلله الرهبة والخشوع هو المكان الذى تقررت بين جنباته مصير الحارة من خلال مناجاة طُرحت على مرأى منه «فى ظلمة الفجر العاشقة، فى الممر العابر بين الموت والحياة، على مرأى من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد البهيجة الغامضة طُرحت مناجاة متجسدة للمعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا». سوف يؤكد السرد المرة تلو الأخرى أن هذا الفضاء المبارك أو الخلاء الملهم ينتقل من الهامش إلى المركز كلما دعت ضرورة وجودية أو روحية إلى ذلك. ولو تأملنا حدث انتشار وباء الطاعون فى الحارة وهروب عاشور بزوجته وابنه إلى الخلاء بعد حلم أشار عليه فيه معلمه ومربيه الشيخ عفرة زيدان باللواذ بالصحراء لعلمنا كيف يتحول الخلاء الفارغ والموحش والقاسى إلى طوق نجاة.

يقترن بذلك تسمية عاشور بالناجى. لقد نجا بوحى من حلم، فأصبح عاشور الناجى. ولا يجب أن تغيب عنا الحمولة الروحية التى تحملها النجاة، وتحملها التسمية. فإعادة التسمية تحمل معنى الميلاد من جديد مثلما تحمل معنى البكارة لرجل فر إلى خلاء بِكر. واللافت أن الخلاء يغدو أحد يصور الحلم الملهم الذى يلهم الشخصية أفعالها وانتصاراتها طوال العمل. وبينما كان عفرة زيدان بطل حلم عاشور الناجى، فإن عاشورا هو الذى يظهر بعد ذلك لأحفاده ليدلهم على طريق القوة والمجد «وفى أعقاب ليلة معربدة رأى حلما طويلاً. رأى نفسه فى الساحة أمام التكية …وجاءه درويش فقال له: الشيخ الأكبر يخبرك بأن العالم قد خُلق فجر الأمس…فانحدر عملاق من سفح الجبل وقال له: اثبت فى مركز النجاة. فقال له بيقين إنك أنت عاشور. فتناول ساعده ودلكه بدهان قائلاً: هذا هو السحر».

(2)

فى روايات أخرى تغلب معنى الاختلاء والخلوة على معنى «الخلاء». وذلك بالمعنى الذى جعل من الخلاء اختلاء بالذات ومناجاة انقسمت فيها الذات على ذاتها بغرض تأمل ماضيها وحاضرها فى آن واحد. ولم يعد الخلاء هنا مرادفًا للوحشة والنفى بقدر ما أصبح قرينًا للعزلة والوحدة التى هى بمعنى من المعانى فرارًا من صخب المدينة واستردادًا للذات فى وحدتها مع الطبيعة. كذلك كان عمر الحمزاوى فى لقائه مع «الخلاء» بحثًا عن ذاته الغائبة عن مركزها المؤسس «ثم أوقف السيارة فى جانب من الطريق المقفر وغادرها إلى ظلمة شاملة. ظلمة غريبة كثيفة بلا ضوء إنسانى واحد. لا يذكر أنه رأى  منظرًا مثل هذا من قبل فقد اختفت الأرض والفراغ ووقف هو مفقودًا تمامًا فى السواد. ورفع عينيه قبل أن تألف عيناه الظلام فرأى فى القبة الهائلة آلاف النجوم عناقيد وأشكالاً ووحدانًا وهب الهواء جافًا لطيفًا منعشًا موحدًا بين أجزاء الكون  وبعدد رمال الصحراء التى أخفاها الظلام انكتمت همسات أجيال وأجيال من الآلام والآمال والأمثلة الضائعة. وقال إنه لا ألم بلا سبب وان اللحظة الخاطفة يمكن أن تمتد فى مكان ما إلى الأبد. وقد يتغير كل شىء إذا نطق الصمت وهأنا أضرع إلى الصمت أن ينطق وإلى حبة الرمل أن تطلق قواها الكامنة وأن تحررنى من قضبان عجزى المرهق».

هكذا شاركت مفردات «الخلاء» -بتجلياتها الكونية من صحراء ونجوم وظلام وهواء- الأنا المنقلبة على نفسها أو الوعى المنقسم على ذاته وحدتها وحيرتها. يمكن القول إن هناك نوعا من التعرف المستمر الذى يعيد من خلاله «عمر الحمزاوى» صياغة علاقته بنفسه أولاً، وعلاقته بالعالم من حوله ثانياً. هذا التعرف يشتبك فى دوائر يتصاعد توترها فى حركة مزدوجة من الخلق والشطب. حيث يمضى الخلق فى اتجاه مسارات تتجدد فى بناء الشخصية. بينما يمضى الشطب فى اتجاه هجر ما يقف حائلا دون هذا التجدد. ويشير العمل إلى أن لحظة التعرف تحدث مع الحوار الذى دار بين عمر الحمزاوى وموكله « (يقول عمر الحمزاوى) تصور أن تكسب القضية اليوم وتمتلك الأرض ثم تستولى عليها الحكومة غدا، فهز رأسه فى استهانة وقال (أى الموكل) المهم أن نكسب القضية ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله سيأخذها». ومن هنا تبدأ الذاكرة فى الالتفات إلى نفسها عبر عدة مستويات. فيصبح كل ما هو ماض أجمل، بالقياس إلى كل ما هو حاضر «ما أجمل كل أيام زمان باستثناء الآن». وهذا الالتفات إلى الذات التفات إلى وحدتها وعزلتها وشعورها الحدى بالخلاء.

فى رواية (العائش فى الحقيقة) تتحول الوحدة إلى عزلة تامة تقف حائلا يصعب تجاوزه بين إخناتون (المارق) وبين بقية شخصيات الرواية. إنه بالنسبة إليهم «صوت غريب لا ينتمى للبشر». وهاهنا يبرز الخلاء بوصفه خلوة يختلى فيها المارق بنفسه ليناجى ربه. تلك الخلوة التى تجتمع فيها الكائنات فى مجال تحيط به العين «كنت فى الخلوة قبيل الشروق، رفيق الليل يودعنى والصمت يباركنى وخف وزنى فخيل إلى أننى سأمضى مع ذيول الليل وتجسدت الظلمة كائنًا حيا يومئ بالتحية، وأشرق فى داخلى نور طيب الرائحة فرأيت الكائنات كلها مجتمعة فى مجال تحيط به العين». ولو تتبعنا السرد لعلمنا أن الخلاء يفرض نفسه على الرواية بوصفه مفسرًا لعزلة تغمر الوجود كله وتقطع أواصر التواصل بين البطل وبين الجميع.