بين محفوظ وأم كلثوم سيد محمود   ليس الغرض من إحياء الذكرى العاشرة لرحيل نجيب محفوظ اقامة سرادق عزاء جديد للرجل أو إعادة انتاج الكليشيهات المعروفة حول دوره الرائد فى

nnff

بين محفوظ وأم كلثوم

سيد محمود

 

ليس الغرض من إحياء الذكرى العاشرة لرحيل نجيب محفوظ اقامة سرادق عزاء جديد للرجل أو إعادة انتاج الكليشيهات المعروفة حول دوره الرائد فى تأكيد حضور الرواية العربية على الصعيدين العربى والعالمى وإنما الغرض هو الوقوف فى مواجهة حرة أمام نصه الابداعى بمعزل عن حضور الشخص ذاته، وإتاحة هذا النص أمام أجيال جديدة لم تعرف الرجل مباشرة كما أنها لم تتبع أثره فى المجال العام.

ولهذه الأجيال الفضل فى اعادة تقديم محفوظ وتعميق الأثر وليس محوه، كما قد يتصور البعض انطلاقا من عادة «قتل الأب»، إذ استعاد هؤلاء العديد من مقولاته ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعى لتجد حياة جديدة، ليلتقى مجددا مع أم كلثوم التى نالت معه الحظ نفسه.

وبشكل شخصى مكنتنى العودة إلى محفوظ من اكتشاف التشابه العميق بينه وبين كوكب الشرق التى ظلت مطربته المفضلة، حتى أنه تمنى من الاستاذ محمد حسنين هيكل بعد أن تبنت الاهرام فكرة الاحتفال بعيد ميلاده الخمسين لو تمكنت سيدة الغناء العربى من الحضور، وكانت تلك الأمنية هى الهدية الوحيدة التى اختارها لنفسه انطلاقا من عشقه البالغ لصوتها وهو المدرب على حب الغناء.

وهو أيضا عازف القانون الذى هجر الموسيقى للأدب، وعلى الرغم من الشهرة العريضة التى بلغها محفوظ خلال حياته إلا أنه لم يتلق بأم كلثوم بعد ذلك إلا كمستمع ظل يتابع تأثيرها البالغ فى تأكيد قوة المغنية وأسطورتها وهو هنا لا يختلف عنها.

فالمغنية الفذة جاءت من الريف لتغير صورة المطربة، وتنتقل بها من عالم «المغنواتية والآلاتية» وما ارتبط به من اتهامات أخلاقية، إلى عوالم مختلفة تقوم على احترام بالغ لمهنة الغناء والعاملين فيها. وهو مثلها تماما، كرس لمهنة الكتابة الروائية ومنحها الجلال الذى كان ينقصها فى ذهن العامة،كلاهما مؤسس للنوع الذى اختاره كما احتفظ لنفسه بحياة سرية أنتجت العديد من انماط النميمة وكلاهما أيضا صار «شعبيا» على نحو ما حين انتقل بأدائه من الحرفية إلى حد الولع الصوفى بالدور الذى كان يؤديه، بحيث بدت أعمالهما وكأنها نتاج لحالة من الوجد يصعب فيها تقصى المسافة واكتشاف الحدود، انه «التجلى» الذى يحرر الشخص من قبضة الزمن ويبقى فى عطائه كله «أصداء الأصداء».