أنيس زكى يروى آخر أخبار «العوامة» شريف صالح   .. إلى نجيب محفوظ الرجل الذى أوجدنى فانوجدت.. …………………. أغسطس شهر الحر والخيبات. والموظفون أولاد الأقدمية المطلقة، كما تركتهم أنت منذ

n9999

أنيس زكى يروى آخر أخبار «العوامة»

شريف صالح

 

.. إلى نجيب محفوظ

الرجل الذى أوجدنى فانوجدت..

………………….

أغسطس شهر الحر والخيبات. والموظفون أولاد الأقدمية المطلقة، كما تركتهم أنت منذ تسع سنوات، كرات ضخمة من اللحم والبلاهة. ما زلت شاردًا فى السقف كما تعرف، وأعيش فى العوّامة دون أن أدفع مليمًا. أجيال جديدة لا تعرفها تطلق عليّ الآن «المسطول العظيم»، و«بروميثيوس مسطولًا»، وهذا شرف لا أدعيه.

لا أخفيك سرًا أننى رغم تقدمى فى السن لا أتوقف عن البلبعة. فأنا المريض الأبدى العائش فى الملل والبلاهة والثقل والظلام. لا أحد يعلم مقدار الرعب الذى أشعر به كلما نظرت بعينيّ إلى الداخل وليس إلى الخارج كبقية خلق الله. وصدقنى لا أعرف هل ما زلت فى الأربعين أم أصبحت فى الثمانين. لا جدوى لعد الأيام التى تشبه بعضها بعضًا. أيام لا فرق فيها بين «الحكومة» و«الغرزة».

وكلما أعدت ملأ القلم بالحبر كى أقول كلامًا جديدًا لا يكتب إلا البياض. تمامًا كما وصفت حالى وحال البلد كلها «حركة دائرية حول محور جامد، حركة دائرية تتسلى بالعبث».. وفى غيبوبة الدوار تختفى جميع الأشياء الثمينة، من بين هذه الأشياء الطب والعلم والقانون.. بل لا أخفيك سرًا أن أوضاع الطب والعلم والقانون تزداد بؤسًا هذه الأيام. ويضيع الضحايا وسط هتاف الفرح المجنون وصراخ الثكالى.

على أية حال ما زالت العوامة فى مكانها فوق مياه النيل مألوفة الهيئة كوجه. لكن المصلى الطينى الذى كان على يسار العوامة أصبح مسجدًا كبيرًا عامرًا برجال فى جلابيب بيض ونساء فى جلابيب سود. أما سياج الياسمين والياسمين واللبلاب والجوافة والأكاسيا، فكل هذا لم يعد له وجود بعد اقتلاع الأشجار وغرس المبانى الخراسانية القبيحة بدلًا منها.

ولا أود أن أحزنك أيضًا بخبر وفاة عم عبده البواب هذا العملاق الطيب الجذاب. هذا الهارب فى الإيمان مات وحيدًا بمرض الكبد الوبائي.. الملايين هذه الأيام مصابون بمرض الكبد الوبائي.. والنيل نفسه مستقر لا يتموج ولا يتلألأ كالعهد به كأنه خائف من شيء ما. لست خبيرًا فى تقدير الأعمار لكن النيل لو رأيته، يبدو عجوزًا شاحبًا.

صحيح أن كثيرين تتابعوا على ملكية العوامة لكننى أعتبر نفسى أنا العوامة. ومازلت أسأل نفسي: ألم تسكن أسرة شريفة هذه العوامة أبدًا؟!

عوامتنا ما زالت هى الملاذ الأخير للحكمة البشرية، ووقت المغيب يُعد المجلس وتُصف الشلت على صورة هلال وفى نقطة الوسط من الهلال تستوى صينية نحاسية كبيرة والجوزة ولوازمها. وما إن يسرى سحر الفص المذاب فى القهوة حتى تتغير طبيعة الأشياء.. وأجدنى أسأل نفسى السؤال الكبير: لماذا يرتد الإنسان إلى العصر الطحلبي؟ وما الأسباب التى حولت طائفة من المصريين إلى رهبان؟

لا أستطيع أن أسيطر على نوبة الضحك كلما هممت أن أكتب لك عن ليلى زيدان العانس بنت الخمسة والثلاثين ربيعًا.. والرائدة فى فضاء الحرية التى مرقت من بؤرة محافظة.. فهى لم تعد تأتى إلى العوامة وسمعت أنها ارتدت النقاب وسافرت إلى الخليج. لقد تحقق لها النذير الغامض الذى كان يزحف مهددًا بالخراب. أرأيت كيف تغيرت السياسة الخارجية؟ ليلى زيدان ملت أن تكون عابدة للحب ترتمى من حضن إلى حضن. من خالد عزوز إلى رجب ثم تأتى عندى وتتمنع!

بقية الرفاق على حالهم أيضًا: على السيد الناقد الفنى المعروف، أحمد نصر مدير الحسابات، ومصطفى راشد المحامي، وخالد عزوز كاتب القصة القصيرة الذى أصبح من أرباب الملايين وأصحاب العمارات.. فكما تعلم الكتاب يكتبون عن الاشتراكية ويحلمون بالثراء وليالى الأنس فى المعمورة.

ما زلنا نعيش فوق الماء فنهتز لأى قدم. وما زالت الجوزة تدور بيننا جميعًا بالعدل. لا شيء هنا يدور بيقين وهو يعرف هدفه إلا الجوزة. الجمرات تتألق فى المجمرة.. فحقًا إن الذى جعل من تاريخ الإنسانية مقبرة فاخرة تزادن بها أرفف المكتبات لا يضن عليها بلحظات مضمخة بالمسرة. ولو كانت الأفلاك تسير فى خط مستقيم لتغير نظام الغرزة. لكن ما دامت الفناطيس بحالة جيدة، والحبال والسلاسل متينة، والجوزة عامرة، فلا هم لنا. فالسفينة تسير دون حاجة إلى رأينا أو معاونتنا، والتفكير بعد ذلك لن يجدى شيئًا.

رءوسنا توجعت بالأخبار المؤلمة فى هذه الأيام لكن الدنيا باقية كما كانت، لا شيء يحدث على الإطلاق.. الدنيا لا تهمنا كما إننا لا نهم الدنيا فى شيء. وما دامت الجوزة تدور فماذا يهمنا؟ خذوا الحكمة من أفواه المساطيل. نسيت أن أخبرك أن ثورة حدثت بعد رحيلك.. أو ثورتان.. لا أتذكر جيدًا.. من يا تُرى الرجل الذى قال إن الثورات يديرها الدهاة وينفذها الشجعان ثم يكسبها الجبناء؟ هذا الرجل صاحب دماغ عالية رغم أنه لا يعيش معنا فى العوامة. عاشت قرقرة الجوزة حرة مستقرة. ولأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن فقد انتهى بنا الأمر ألا نخاف شيئًا. وعم عبده حارسنا الوفى فى الخارج كفيل برد أى اعتداء.. آه.. نسيت أننى قلت لك أن عم عبده مات. لكن تمثال إبراهيم باشا فى ميدان الأوبرا لم يمت. ما زال كما هو فوق جواده لكنه لم يعد يشير إلى فندق الكونتننتال. لا أدرى إلى ماذا يشير الآن! ربما إلى مدخل محطة مترو العتبة أو نفق الأزهر.

لم تعد هناك نكتة تضحكنى بعدما أصبحت حياتنا نفسها نكتة سمجة. أمشى وأمشى ولا أصل.. وكما قال شيخنا الكبير «إن المتلفت لا يصل». كل شيء ضاق بكل شيء وأخشى أن يضيق الله بنا. هل سنغير وجه الأرض حقًا أم ما نحن فيه خير وأبقى؟ وما قيمة أن نبقى أو نذهب أو نعمر كالسلحفاة؟ ومتى ألعب بالمجموعة الشمسية كلها لعب الهواة بالكرة؟ فيا أى شيء افعل شيئًا فقد طحننا اللاشيء.

نسيت أن أخبرك أن سنية كامل «كنز الخبرة» ما زلت وفية لمبدأها فى «تجديد» الحياة الزوجية.. فهى الأم الرءوم حتى فى عشقها.. وكعادتها تزور العوامة من حين إلى آخر ولا يحلو له أخذ الجوزة إلا من يد على السيد زوجها الاحتياطي. سنية تنسطل لتعوض كل ما فاتها منذ آخر زيارة. المجد لرجب القاضى ممون عوامتنا بالنساء.

أما سناء الرشيدى طالبة الآداب فهى الآن فى أفضل حال وسمعت أنها وكيلة وزارة أو زوجة مسئول كبير فى الوزارة.. لا تفرق..

الرفاق الآن يثرثرون ويتبادلون الشتائم بمحبة.. اسكت يا رجعي.. اخرس يا ثوري.. اسكت يا فاشي.. الاتهامات تتضاعف عقب الثورات كما تعرف.. ولم يكن عجيبًا أن يعبد المصريون فرعون ولكن العجيب أن فرعون آمن بأنه إله.

نحن نسير فى الحياة بدافع الضرورة وحدها بلا اقتناع ولا أمل حقيقي. هل يمكن أن يحل التفوق العلمى محل الانتهازية فى قلوب الجيل الجديد؟ لا أدري! إننى لم أقرأ جريدة واحدة منذ دهر طويل ولا أعرف من الأحداث إلا ما تلوكه ألسنة المساطيل فى هذيانها الأبدي.

لا أعرف ما الذى دفعنى إلى كتابة كل هذه الهلاوس إليك.. لكن ليس على المسطول حرج. فكما تعلم أنا نصف مجنون نصف ميت. ومع ذلك لا أدرى لماذا غادرت العوّامة وعبرت كوبرى قصر النيل فى اتجاه بيتك فى العجوزة؟! سرت على نفس الطريق الذى سرت أنت عليه يومًا ما.. على أمل أن ألتقيك.. أعرف أنك رحلت قبل تسع سنوات وأن جميع سكان العوامة مشوا فى جنازتك.. لكننى تحت تأثير الكيف كنت متأكدًا أننى سألتقى بك وسوف تصافحنى وتسألنى عن أخباري. لم يتغير شيء فى حياتي. لم أرفت من وزارة الصحة ولم أستفد شيئًا من الاعتراف لـ«سمارة» بحبى لها. سمارة ظلت جادة كما هى إلى أن ألقت بنفسها من فوق كوبرى قصر النيل. وسمعت أنها ألفت مذكرات لا يقرؤها أحد.

لن تصدقنى إذا قلت إننى شعرت بك تسير بجواري، بجسدك المحنى قليلًا إلى الأمام وحين سألتك:

ـ ما معنى هذه الرحلة يا أستاذ؟

ابتسمت ابتسامتك الكبيرة وقلت لي:

ـ المهم الرحلة.. لا المعنى!

أنيس زكي

ولى أمر العوامة ووزير شئون الكيف