معارك الصحراء.. لا أحد يختار العيش فقيرًا عاطف محمد عبد المجيد   خمس وأربعون صفحة تقريبًا من القطع المتوسط، تم تقسيمها إلى اثنيْ عشر مقطعًا معنونًا، هى مساحة رواية «معارك

20160515121155

معارك الصحراء.. لا أحد يختار العيش فقيرًا

عاطف محمد عبد المجيد

 

خمس وأربعون صفحة تقريبًا من القطع المتوسط، تم تقسيمها إلى اثنيْ عشر مقطعًا معنونًا، هى مساحة رواية «معارك الصحراء» الصادرة حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة الجوائز للشاعر والروائى المكسيكى «خوسيه إميليو باتشيكو» وقامت بترجمتها سمر عزت وراجعها د. على المنوفي. معارك الصحراء، هذه الرواية التى اعتمدت على تيمة التكثيف والحذف لا الثرثرة الروائية، والتى تعتبر من أقصر الروايات، إن لم تكن أقصرها بالفعل، تقول الكثير بين ثنايا سطورها، وتضع يدها على مواطن الخلل فى مجتمع يقع على مشارف مرحلة هبوط وصعود، وهى تُعتبر، كما نقرأ على غلافها الأخير، مثالا أدبيًّا استثنائيًّا نرى من خلاله عدم اتساق المجتمع وتضارب القيم، وقد أدهشت هذه الرواية الجميع منذ أن نشرت، على نطاق واسع عالميًّا، نظرًا لبساطتها وهيكلها المعقد الذى يسمح بقراءات متعددة ورؤية أبعاد مختلفة، وكذلك لأنها تُشعر القارئ بأنه جزء لا يتجزأ من الأحداث، وتربطه دائمًا بالكاتب. تدور أحداثها على مقربة من فترة الحرب العالمية فى أحد الأحياء المكسيكية، كاشفة إياه من أعماقه، بمميزاته وعيوبه دون تجميل له أو تجنٍّ عليه. فى ذلك العام الذى لا يتذكره الراوى بالتحديد، ويعتبر عام بؤس وأسى، انتشرت فى المكسيك أمراض النخاع الشوكى والحمّى القلاعية واجتاحت الفيضاناتُ البلادَ فاضطر الناس إلى استخدام الزوارق للتجوال فى المدينة. كان هذا العام إبان نظام ميجل أليمان الذى وصفته إحدى شخصيات الرواية بأنه سباحة فى الخراء. إنه نظام ديكتاتورى بامتياز حيث تغزو صور الرئيس وبورتريهاته، والقصص التى تحكى عنه وعن أعماله كل الأماكن: «كانت الجرائد تقول إن العالم يمر بلحظة أسى. شبح الحرب الأخيرة يخيم على الأفق. أصبحت القنبلة النووية عند انفجارها رمزًا لتلك الحقبة المظلمة التى نعيش فيها، ومع ذلك ما زال الأمل موجودًا. أكدت كتبنا المدرسية أن المكسيك لها شكل قرن الرخاء على الخريطة. يتكهنون بأن الرخاء والرفاهية سوف يسودان العالم فى بداية الألفية الثانية التى لم تتبادر إلى الذهن بعد، إلا أننا ما زلنا نجهل تمامًا كيف سيتحقق ذلك». فى ذلك الوقت كان المكسيكى يتطلع إلى المدينة الفاضلة التى ستصبح حقيقة واقعة: «مدينة نظيفة، دون ظلم، دون فقراء، دون عنف، وبدون زحام ولا قمامة». ولهذا حاول المكسيكيون، فى رحلة انتقالهم من عهد قديم إلى عهد جديد، أن يواكبوا العصر بأن أضافوا إلى قاموسهم اللغوى مصطلحات أمريكية بدأت غريبة لكنها سرعان ما اتخذت الطابع المكسيكي، مثل سانك يو، أوكي، وات زا ماتر، شات أب، سوري، وان مومينت بليز. أيضًا راح المكسيكيون يأكلون الهمبرجر، فطائر الفاكهة، الدونتس، الهوت دوج، الميلك شيك، المارجرين والآيس كريم.

CX0KMnmWQAENk2q

 

عرب ويهود

الجميل فى «معارك الصحراء» أنها لا تقف عند حدود المكسيك، واصفة ما يحدث هناك وقتذاك وحسب، بل تتعدى حدودها لترصد ما كان يدور فى العالم من أحداث أثرت فيما بعد على الخريطة العالمية، منتقدة ما يدور فى المجتمع من فساد، وما يفعله السياسيون مما قد يصل بالبلاد إلى حافة الكارثة. كذلك لا تغفل الرواية أفول نجم الإمبراطورية العثمانية، ثم بعد ذلك بداية قيام دولة إسرائيل فى ذاك الوقت على حساب الأراضى الفلسطينية: «خلال أوقات الراحة نأكل شطائر القشدة التى لن نذوقها فيما بعد، وكنا نلعب فى فريقين: عرب ويهود. كانت دولة إسرائيل قد تأسست لتوها والحرب قائمة ضد جامعة الدول العربية». الرواية تصور التشاجر الذى كان يحدث بين الأطفال الإسرائيليين والأطفال العرب، فى المكسيك، بمعارك الصحراء التى كانت تدور فيما بينهم. الرواية تناقش كذلك، إلى جانب التفاوت الشاسع ما بين الطبقات: «كنت مليونيرًا بالنسبة لروساليس، وشحاذًا بالنسبة لهارى آثيرون»، وشكوى الكثيرين من الحكم العسكرى الذى يجثم طويلا على أنفاس الشعوب وصدورهم، ما يدور فى بلاط الحاكم الديكتاتور الذى يدوس بقدميه على رقاب شعبه، وما تقوم به الحاشية المحيطة به والتى تستفيد، بلا شك، من قربها منه، ضاربة بمصلحة الشعب عرض الحائط، مما يُخلّف الملايين من الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم، ولا يحصلون على حقهم لا فى التعليم ولا فى العلاج، ولا حتى فى سواهما: «… فأبوه يشغل منصبًا فى غاية الأهمية فى الحكومة، وله تأثير حاسم فى الصفقات التجارية، يربح الملايين والملايين فى كل مبادرة للرئيس، يوقع عقودًا فى كل مكان».

عالم ثري

من هنا يبدو أن الفساد هو الداء الذى تغلغل فى قلوب الكثيرين على ظهر كوكب الأرض وكأنه أصبح عُمْلة عالمية موحدة: «لقاحات وأدوية فاسدة، عمليات تهريب ضخمة للذهب والفضة، مساحات شاسعة من الأراضى مشتراة بأبخس الأسعار…»

فى «معارك الصحراء» لا يدعو خوسيه إميليو باتشيكو إلى التناحر بين الشعوب، بل يدعو إلى نبذ الكراهية، والعيش معًا فى سلام، دون حرب أو قتال، وكذلك يؤكد عدم السخرية من الآخر أو احتقاره: «عايرت روساليس لأنه مفلس. أوضح لى أبى أنه لا أحد يختار العيش فقيرًا. وقبل الحكم بشكل خطأ على أى شخص كان عليّ أن أفكر أولا إذا كانت قد أتيحت له نفس الفُرص التى سنحت أمامي». وبعد هذه قراءة متواضعة، لن تغنى عن قراءات أخرى، لرواية هى أقصر من بعض القصص الطويلة، غير أنها ترسم عالمًا ثريًّا لبقعة من الأرض تتشابه وبقاع كثيرة فى تفاصيلها وظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.