إلى نجيب محفوظ : أنت ورواياتك فى الذاكرة ممدوح عزام   أكثر من أذكره من بين شخصيات رواياتك هو سعيد مهران، ففى السنوات الأولى من حقبة الستينات من القرن العشرين

n88844

إلى نجيب محفوظ : أنت ورواياتك فى الذاكرة

ممدوح عزام

 

أكثر من أذكره من بين شخصيات رواياتك هو سعيد مهران، ففى السنوات الأولى من حقبة الستينات من القرن العشرين عرضت السينما فى مدينتى الصغيرة السويداء فيلم «اللص والكلاب». عنوان حاذق يرسل نبضات جاذبة جعلتنا جميعا، أنا وأصحابى من هواة السينما، شديد الحماسة لزيارة شباك التذاكر كى نحجز المقاعد التى تضمن لنا مشاهدة بهيجة، وخاصة حين رأينا فى الأفيشات التى علقت على جدار الإعلانات صورة ممثلنا الشاب المحبوب حينئذ : شكرى سرحان، وإلى جانبه كل من كمال الشناوي، وشادية التى مثلت دور «نور»

الحقيقة هى أننا صدمنا تماما، فموت بطل فى نهاية فيلم سينمائى يمكن أن يسبب الاضطراب لجيل من الشباب فى تلك السنوات من تأجج الأحلام، على الصعيد الشخصى لكل واحد منا، والصعيد الوطنى المشترك لنا جميعا.

وزاد فى آلامنا أن القتيل كان يمثل محصلة القيم والفكرية والسياسية والأخلاقية التى كنا نتوسم منها الأمل فى تغيير الحاضر : فمن جهة كان من أصل ريفى فقير طامح، ومن جهة ثانية كان مشغولا بقضايا الثقافة وتأثير الأفكار فى الحياة العامة والخاصة، ومن جهة ثالثة كان مهران صلبا ونظيفا طيبا إلى الحد الذى أمكن فيه لأعدائه من نصب الشراك له، وإدخاله السجن.

وقد كنت أود أن أسألك عن رءوف علوان . هل هو الوجه الآخر لشخصية سعيد؟ ماذا تقول يا معلم؟ إذ أن هذا الرجل يستحوذ على انتباه سعيد، ويكسب ثقته قبل أن يدخل السجن، وهذا الرجل يحمل فى حياته قيما ومبادئ مماثلة لقيم سعيد ومبادئه، وقد كان فى زمن آخر مثلا أعلى له. وقد أذكر لك أننا كنا غاضبين من انزلاقه الدنس وراء المال والشهرة ونفاق السلطة، أى من خيانته للمبادئ، وتخليه عن صداقة سعيد، وانسحابه من تقديم المساعدة والعون له بعد خروجه من السجن، واكتشافه لنكبة خيانة زوجته، ونفور ابنته من رؤيته.

ولكن لماذا أسألك هذا السؤال؟ الحقيقة هى أننا خضنا ما يشبه النزاعات تلك الأيام، بين من يقول ان المبادئ هشة وخفيفة وضحلة، وبين من يرى أن التخلى عنها هو مصدر الخسة والوضاعة الإنسانية. فرءوف علوان يتخلى عنها لقاء بضع دريهمات، ونبوية لا تتمسك بزواجها، وعليش ليس على ما يرام، بل إن سعيد مهران لا يظهر صلابة أخلاقية تمنعه من استخدام السلاح والقتل. لكن من كان يريد أن يقتل فى الحقيقة؟ هل أراد أن يتخلص من ماضيه؟ أم أراد أن يزهق الشكل الذى رشحته الحياة له فى شخص رءوف ونبوية؟ أم سعى إلى تأكيد ذاته بواسطة السلاح؟ كل هذه الأسئلة تضع شبابا مثلنا فى زمن فاتر وعليل وحائر مثل الزمن الذى عشنا فيه، وسط دوامة غثة تفتقر إلى الرؤية والوضوح.

أعود إلى العنوان. لا أخفى أننى أحسدك عليه، فكلا المفردتين يمكن أن تحمل دلالات متباينة فى الشؤون السياسية والفكرية والأخلاقية. فاللص الذى يتجرأ على اللصوص الكبار يمكن أن يكون بطلا شعبيا: الشطار والعيارون فى التراث العربي. أرسين لوبين فى الرواية البوليسية، وروبن هود فى الحكاية الشعبية الانجليزية. والكلاب تحمل معانى ودلالات متضادة أيضا، إذ هى إما أن تكون رمزا للخنوع والرضوخ والطاعة، أو تكون رمزا للأمانة والإخلاص، أو تكون أحيانا تمثيلا للغدر والخيانة ولكل واحدة من هذه المعانى مجال محتمل فى روايتك.

فيما بعد سوف يكون للرواية المطبوعة حضور مختلف، تختلس الجملة الأولى فى الرواية انتباه القارئ، وتلزمه بالجلوس إليها. من يستطيع أن يترك رواية تبدأ هكذا؟: «مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية. ولكن الجو غبار خانق وحر لا يطاق». لا تستطيع السينما أن تقدم هاتين اللحظتين المتضادتين، كما تفعل ذلك الرواية، هذه واحدة من التقنيات التى أتقنتها، وعلمتنا إياها فى الكتابة الروائية. أن تكون قادرا فى جملتين متتاليتين على وضع الشخصية أمام لحظة القرار : لقد صار حُرا، ولكن حريته يلفها الغبار والحر. سوف يتكرر هذا أيضا فى الخاتمة التى لا تستطيع السينما التقاطها، أى حين يسعى سعيد مهران بعد إصابته ليظفر عبثا بذكرى مستعصية.

ولكنك بالمقابل تقدم للسينما طبقا من المشاهد الناجزة، منذ الصفحات الأولى أيضا. لقاء سعيد مهران بعليش ورجاله، وهى تقنية أخرى اشتغلت عليها باستمرار فى رواياتك الأخرى أيضا. كما فى هذا الرواية.

وفى الرواية المطبوعة أو فى النسخة السينمائية يبقى ذلك الحس العميق بالتعاطف مع المأساة المدمرة التى حاقت بسعيد مهران الذى هو نحن، ليس فى ذلك الزمن وحسب، بل فى الزمن العربى الحديث كله.

وكلاكما أنت وروايتك باقيان فى الذاكرة يامعلم.