تصدرت روايتها المبيعات فى بريطانيا وأمريكا طوال عامين _______________________ مُصطفى طاهر يكتُب باولا هوكينز .. “فتاة القطار” التى لحقت بالعربة الأخيرة     فى أغسطس من العام قبل الماضى 2014

Paula Hawkins

تصدرت روايتها المبيعات فى بريطانيا وأمريكا طوال عامين

_______________________

مُصطفى طاهر يكتُب

باولا هوكينز .. “فتاة القطار” التى لحقت بالعربة الأخيرة

مصطفى طاهر

 

 

فى أغسطس من العام قبل الماضى 2014 وقبل عامين فقط من الان .. كانت تبدو حياة السيدة البريطانية “باولا هوكينز” التى تستعد للاحتفال بعيد ميلادها الثانى والأربعين بائسة تماما فقطار العمر يمُر والفتاة التى تحولت إلى سيدة توشك على مغادرة مرحلة الشباب من حياتها ولكن الأمور كانت تبدو أنها لا تسير على ما يرام .. فباولا التى ولدت فى 26 أغسطس 1972 فى زيمبابوى بقلب افريقيا ونشأت ووترعرت فى العاصمة هرارى كان والدها صحفيا يعمل أستاذا فى الاقتصاد والمالية بقلب القارة الافريقية، وهو ما جعلها تقضى فترة طفولتها وبداية شبابها بالكامل فى زيمبابوى قبل العودة إلى لندن عام 1989 بعدما بلغ عمرها 17 عاما لتبدأ فى شق مجالها الدراسى مع الفلسفة والسياسة والاقتصاد فى جامعة أكسفورد، ثم عملت بعد ذلك كصحفية اقتصادية مغمورة فى التايمز تكتب تقارير عن الأعمال التجارية، تلتها برحلة عمل مع عدد من دور النشر قدمت خلالها أول كتاب لها قامت فيه بتقديم نصائح مالية للمرأة لكنه لم يحظ بأى نجاح يذكر .. لتقرر باولا بحلول عام 2009 تحويل مسار حياتها حيث بدأت بكتابة عدد من القصص الخيالية الرومانسية ذات الطابع الكوميدى تحت اسم مستعار “ايمى الفضية”، فقامت بكتابة أربع روايات من ضمنها “اعترافات ريسيشنيستا المترددة” ولم تحقق أعمالها اى نجاح يذكر ومنيت الروايات الأربع بفشل ذريع .. وتزداد أمورها سوءا مع تدهور أوضاعها المادية لتقرر “باولا” أن تقف مع نفسها أخيرا الوقفة الحاسمة التى ستغير مسار حياتها كليا خلال أقل من 20 شهرا .. فطلبت الاقتراض من والدها فى منتصف العام 2014 لتجاوز الأزمة المالية الصعبة التى تعيش فيها من أجل إتمام محاولتها الروائية الأخيرة التى ربما جاءت أكثر سوداوية من أعمالها السابقة إلا أنها حققت عنصر المفاجأة الكاملة .. فعلى مدار 6 شهور من الكتابة وفى ظروف بالغة الصعوبة أنجزت “هوكينز” روايتها “فتاة القطار” التى استطاعت تحقيق نجاح ساحق وغير مسبوق فى بريطانيا والولايات المتحدة منذ صدورها فى بدايات عام 2015 وحتى ااأن فتصدرت قوائم المبيعات فى أمريكا وأوروبا لأكثر من 60 أسبوعا محطمة جميع الأرقام القياسية.. فخلال الشهور الثلاثة الأولى بيعت أكثر من 4 ملايين نسخة تصدرت بها قوائم المبيعات فى جميع أنحاء أوروبا وأمريكا، وواصلت ارتفاعها بعد ذلك لتصبح الرواية الأسرع مبيعا فى التاريخ فطبقا لقواعد بيانات شبكة “ديلى بيست” الأمريكية فإن رواية الخيال العلمى تخطت بذلك الرقم كل منافسيها للنسخ الورقية والإلكترونية عبر التاريخ وهو ما أعطى الرواية قوة الدفع اللأزمة للبقاء فى الصدارة منذ بدايات 2015 وحتى أغسطس 2016 .. وبين صفحات رواية ” فتاة القطار” ستظن بعض الشخصيات أنها تعرف شخصا ما ثم تكتشف أنها لا تعرفه على الإطلاق، وأن حياتها بأكملها معه لم تكن سوى كذبة .. وكل ذلك فى إيقاع متباين لرواية نفسية مشوقة، ربما تغير نظرتك للأبد لحياة الاخرين .. فعلى متن القطار تصحبنا باولا هوكينز حتى نصل لوجهتنا بين صفحات أشبه بالمحطات تتراوح ما بين الملل والفتور فى إيقاع مثير، من يلهمها فيه لكتابة الرواية هم من يستقلون القطار لاعمالهم كل يوم فى لندن، وسط البيوت التى ينظرون إليها، ويتخيلون حياة من يعيشون فيها وهو ما تظن “هوكينز” أن كل الناس يفعلون ذلك، فينظرون إلى البيوت التى تمر بهم لكن كلا منا يراها بعين مختلفة .. واعتمدت “باولا” على تقنية اليوميات فى سرد الاحداث، من خلال تعدد اﻷصوات لثلاث نساء ارتبطت مصائرهن بحب رجل واحد هن “ريتشل” و”ميجان” و”آنا”، وكيف يستطيع رجل واحد بأكاذيبه أن يدمر حياتهن . فالماضى الذى يطارد النساء الثلاثة، وسط محاولاتهن للفكاك منه ينغص عليهن الحياة، وتبحث كل منهن بطريقتها على السبيل لوقف نزيف الروح المرهقة وما حل بها من خراب، فواحدة تهرب للخمر، وواحدة تغرق فى أوهامها بأنها تحيا حياة سعيدة ولا ينغص عليها سوى ذكرى الزوجة السابقة التى تطاردهم واضطرارها للعيش فى نفس المنزل الذى جمعها بزوجها، أما الثالثة فهى تائهة بذاتها تسيطر عليها فكرة الهروب الدائم، فلا تستطيع أن تشعر بالسعادة التى بين يديها .

والقطار فى حكاية “باولا” المدهشة يشبه حياتنا كثيرا، فالجميع فيه غرباء فلا تظن أن معرفتك بشخص ومشاركته الحياة أنك تعرفه حق المعرفة، فهذا أشبه بوقوفك أمام قطار وأنت موقن أنه لن يصدمك، وكمحطات القطار نكتشف أسرار هؤلاء الذين ظننا أننا نعرفهم جيدا مع كل محطة .

ومحطات القطار تشبه ما نمر به فى الحياة من فرح وخيبات وآلام وعقبات، وفى المحطة اﻷخيرة أما أن تحقق الخلاص، أو ينتهى بك اامر تحت عجلات قطارك ضحية لأكاذيبك وصراعاتك وأخطائك التى تقودك نحو مصيرك .

ورغم تصنيف الرواية الأكثر مبيعا فى التاريخ كأدب جريمة، لكن تحليلها النفسى المعقد للشخصيات، يجعلها رواية نفسية بامتياز، فالرواية ممتلئة بالشخصيات الغنية والمضطربة، المليئة بالصراعات الداخلية مع الذات والخارجية مع الحياة، وسط سؤال يطل علينا دائما بين الصفحات والأحداث ” لماذا لا نستطيع أن نظل سعيدين ؟!

تثير “باولا هوكينز” حيرة النقاد بأحد أكثر الإصدارات إبهارا فى عالم الأدب القصصى بسبب انتقالها من كتابة القصص الخفيفة باسم مستعار إلى تأليف رواية مشوقة تحمل جوانب نفسية عميقة، مثلما فعلت فى The Girl on the Train الذى حقق نجاحا عالميا. فيتحدث النقاد عن روح العمل المستوحاة من أعمال هتشكوك بعد أن فاز بجائزة «جودريدز» عن فئة أفضل كتاب مشوّق .. لتبدأ حرب بين الناشرين فى أوروبا وأمريكا على “هوكينز” التى باع كتابها حتى الأن نسخا بقيمة تجاوزت الـ 16 مليون دولار كما بيعت حقوق الرواية لهوليوود حيث يجرى حاليا العمل على قدم وساق على إنهاء فيلم الرعب الأمريكى الذى يحمل نفس إسم الرواية “فتاة القطار” من إخراج تيت تايلور وسيناريو ايرين كريسيدا ولسون، المنقول كليا عن رواية “باولا” وتقوم بالبطولة إيميلى بلانت، وريبيكا فيرجسون، وهالى بينيت، وجوستين تيرو، ولوك إيفانز، وإدجار راميرز . وبدأ تصوير الفيلم فى 4 نوفمبر 2015 فى مدينة نيويورك. من إنتاج دريم وورك (DreamWorks) بينما بيعت حقوق التوزيع ليونيفرسال بيكتشرز وسيبدأ عرض الفيلم فى الولايات المتحدة فى 7 أكتوبر المٌقبل بينما يبدأ عرضه فى مصر قبلها بـ48 ساعة فى 5 أكتوبر 2015 بسبب فروق بداية أسبوع العروض السينمائية بين البلدين .

Britain Paula Hawkins

تحكى لنا “باولا هوكينز” عما يحدث لها حاليا بعد كل هذا النجاح الساحق قائلة “ إنه وضع غريب لأن حياتى تغيرت كثيرا طبعا لكننى أشعر بأنها لا تزال على حالها فى الوقت نفسه. فقد أصبحتُ أكثر انشغالا وسافرتُ كثيرا هذه السنة واكتسبتُ الأمان المادي، وهو أمر مدهش لأننى كنت مفلسة فى السابق. لكنى ما زلت أعيش فى المنزل نفسه وأقوم بالنشاطات نفسها ولم تتغير حياتى الشخصية خارج إطار عملي. لذا يبدو لى الوضع غريبا جدا ولا أكف عن التفكير بأن حياتى ستتغير بالكامل فى مرحلة معينة أو ربما لن تتغير. فيما يخص محاولات استيعاب حجم النجاح الذى حققته، أتذكر انبهارى حين كتب ستيفن كينج تغريدة عن كتابى عبر تويتر .. يصعب أن أتخيل أن شخصا مثله يمكن أن يقرأ مؤلفاتي. وفى لحظة معينة، أرسل لى أحدهم مقطعا من برنامج تليفزيونى أمريكى لأنهم كانوا يتحدثون عني، فانتابنى شعور غريب ولم أصدق ما يحصل معي. باختصار، كان الوضع غريبا فعلا” وتضيف “باولا” عن الحبكة الرواية فى روايتها “اننى بالفعل، حددتُ معظم خيوط الحبكة مسبقا قبل البدء فى الرواية. وكنت أعرف تفاصيلها وكيف سأصل إلى ذروة الحوادث بشكل عام. لكن تطورت بعض الجوانب تدريجيا وأعتبر ذلك ممتعا. لا أتمتع بالثقة الكافية كى أجلس وأسترسل بالكتابة عشوائيا لأننى أخشى أن أضيع. لكن خطرت على بالى تحولات وتطورات كثيرة أثناء الكتابة”.

و عن تأثرها بهتشكوك وأفلامه تحكى قائلة “لا شك أننى تذكرتُ فيلم Rear Window حين كنت أفكر بقصةٍ عن شخص يشهد على حدث مهم أثناء وجوده فى القطار لأن الفكرتين متشابهتان وأنا أحب ذلك الفيلم. كذلك أستمتع كثيرا بمشاهدة فيلم Strangers on a Train.، فقد أردتُ أن أضفى أجواء قصص هتشكوك المبنية على جنون الارتياب والتشكيك بالذات، لذا استوحيتُ منه طبعا” وعن أهم الكتاب الذين تعتبرهم هوكينز مصدرا لإلهامها وتعشق القراءة لهم تقول”يمكننى اعتبار كيت أتكينسون المفضلة لدي. فأنا معجبة جدا بها وأحب الخيال الأدبى الذى تقدمه أكثر من رواياتها التى تدخل فى خانة أدب الجريمة. أحب كتب بات باركر أيضا. فيما يخص قصص الجرائم، وأحب تانا فرانش وهارييت لاين. وأستمتع بقراءة أعمال سيباستيان بارى وكورماك ماكارثي. وأنا لا أقرأ عددا هائلا من قصص الجرائم حين أكتب ولا أطّلع على عدد كبير من سجلات الشرطة لأى سبب. فأنا أكثرميلا إلى القراءة بوتيرة متقطعة” وعن الكتب التى تطالعها حاليا تحكى “أقرأ كتابا بعنوان Five Rivers Met on a Wooded Plain للكاتب بارنى نوريس سيصدر فى العام المقبل . بدأتُ بقراءته منذ فترة قليلة ويبدو لى شاعريا وساحرا حتى الآن. كما قرأتُ سابقا كتاب Fates and Furies للورين جروف، وقد كان مدهشا للغاية”.

وعن كتابها الجديد المرتقب تقول “باولا هوكينز”: تباطأت وتيرة الكتابة لدى هذه السنة بسبب التزامى بعدة مشاريع أخرى. لكن كتابى الجديد يحمل طابع التشويق أيضا وله طابع نفسى وتقع حوادثه فى شمال إنجلترا، داخل بلدة خيالية بالقرب من الحدود الاسكتلندية، وستركز القصة مجددا على النساء حيث تتمحور الرواية حول العلاقة القائمة بين شقيقات كنّ متباعدات لفترة فيُجبرْن على التعامل مع رواسب طفولتهن وتذكّر ما حصل فى الماضى ويلاحظن أنهنّ يسترجعن الحوادث الغابرة بطريقة مغايرة وأنهن أصبحن مختلفات جدا بسبب هذا الوضع. وهكذا تعود الذكريات مجددا. فيموت بعض الناس فى القصة طبعا ويجب علينا أن نحاول اكتشاف هوية القاتل، لكن تركز القصة بشكل أساسى على الشقيقات وعوالمهم النفسية”.

ستبقى حكاية صعود “باولا هوكينز” إلى قمة عالم الرواية فى بريطانيا والولايات المتحدة خلال أقل من عامين احدى أغرب الحكايات فى عالم الأدب العالمى .. وسيظل العالم لسنوات يتذكر حكاية الفتاة المفلسة التى استطاعت اللحاق بعربة القطار الأخيرة قبل أن يغادر المحطة لتحقق لها الرحلة كل الأحلام المؤجلة والضائعة خلال 15 عاما عاشتها فى عالم الصحافة .