رسالة إلى نجيب محفوظ نعيم صبرى   أستاذ نجيب. يوم 30 أغسطس تمر تسع سنوات على رحيلك الذى عصف بى. حقيقة، لقد استمرت رحلة حياتك منذ العام 1911 وحتى عام

nnn7888

رسالة إلى نجيب محفوظ

نعيم صبرى

 

أستاذ نجيب. يوم 30 أغسطس تمر تسع سنوات على رحيلك الذى عصف بى. حقيقة، لقد استمرت رحلة حياتك منذ العام 1911 وحتى عام 2006. مدة قد تعتبر طويلة بمقياس حياة الناس. لكنى، وأعتقد أن غيرى كثيرين، صدمنا الحدث وفُجعنا به. كنت تتماثل للشفاء فى مستشفى الشرطة من عثرة بالبيت ليلا وأنت فى طريقك إلى دورة المياه، حدث عادىٌ قد يحدث للجميع، شُج رأسك ونقلت إلى المستشفى وكدت تتعافى، وفجأة تصاب بميكروب عابر عابث من ميكروبات المستشفيات، لم يقوَ عليه جسدك المرهف والمُرهَق من أحمال السنين، فتمرض وتستسلم وتغادر.

هل تعلم أن يوم 30 أغسطس هذا، يوم مشئوم فى حياتى، فهو أيضا يوم رحيل أمى، لكن قبلك بأعوام. يوم فقدت فيه الأم الطبيعية، ثم… الأب الروحى والأستاذ والمعلم، فقدت فيه صاحبى، فعلا صاحبى،  هذا ما كنت أشعر به عندما نكون بمفردنا، يوم قابلتك صدفة على مقهى رصيف فندق سيسل فى الاسكندرية، أيام أن كنت بصحتك، تسافر إلى الاسكندرية التى أحببتها كل أسبوع فى الصيف، تذرع طرقاتها وتجلس على مقاهيها لتخلو إلى نفسك، هذا الطقس العزيز عليك، والذى أفهمه تماما، لأنى أحتاج إليه أنا أيضا ولا أستغنى عنه. جلسنا يومها معا من الضحى إلى ما بعد الظهيرة، يتوافد عليك الناس ليسلموا عليك، شيوخ وكهول وشباب وأطفال، وأنت تهب واقفا فى كل مرة بكل ترحيب ومودة وبشاشة ممكنة وأنت تقول مبتسما… أهلا وسهلا… جملتك الأثيرة، لا تتأفف ولا تكل، وعندما لاحظت أن أحد المصورين يستغل كرمك هذا وينبه المارة ليأخذوا صورة تذكارية معك، وليسترزق هو، نبهتك فلم تهتم، ابتسمت لى بسماحة وقلت ببساطة… زى بَعضُه.. كَتَّر خيرهم.. وواصلت الترحيب والبشاشة بالناس جميعا. وأيام أحاديثنا الخاطفة فى السيارة وأنا أرافقك من البيت إلى أماكن لقائنا، ذهابا وعودة، وأنت تفاجئنى متسائلا… هيه… حنقرا إمتى… تصدق بالله، انتبهت فجأة أننى أعمل بدأب وجدية شديدة، لأنهى العمل الذى أكتبه، حتى أجيبك لسؤالك دون تلكؤ أو تأخر، كنت أخجل من دأبك وجديتك فى عملك طوال حياتك، فأعمل بهمة، أحاول أن أجاريك فى جديتك وصلابتك وجلدك، وعندما أبلغك بأننى انتهيت من العمل، تبش مبتسما وتقول، خلاص حانقرا المرة الجاية. لا تتصور مدى سعادتى وأنا أستسلم لطلبك بالقراءة، وأبدأ.. ونستمر لأسابيع وشهور، كل مرة نقرأ لساعة أو بعض ساعة، وكلما توقفت رفقا بك، أصررت أن أكمل قليلا… ويعترض الخال عبد الرحمن الأبنودى ضاحكا بروحه الوثابة الشقية، اننى سآخذ القعدة لحسابى، لكنه يواصل الاستماع رضوخا لرغبة الأستاذ… ياه… أيام عزيزة… أنت والخال عبد الرحمن… أصحابنا.. زكى وفتحى.. الشربينى والشنوانى.. العمدة عماد العبودى وآخر نكتة، مجدى وحسن وأحمد و.. و.. وبعد رحيلك اعتكفت بالبيت طويلا بعد أن كنت أسعى مندفعا للقائك شبه اليومى، الأحد فى فندق شبرد، الاثنين فى مصر الجديدة، الثلاثاء فى مركب فرح بوت، الأربعاء فى المعادى، الخميس فى المنيل والجمعة فى المقطم… كأنك ترسم أسبوعيا خريطة القاهرة التى أحببتها وخلدتها ولم تغادرها إلا مرغما، واستثناءً، إلى الاسكندرية راضيا.

عندى سؤال يحيرنى بصحيح، كيف أصبحت هكذا ؟.. كيف اشتغلت على نفسك وبأى قوة وجدية ودأب وبلا كلل، لتصل إلى هذا التصالح المذهل مع النفس، ليس ذلك فقط، بل الزهد والاستغناء وسماحة النفس، التواضع والتهذيب وضبط النفس. الترفع والتسامى عن كل سفاسف الأمور التى تشغلنا جميعا. لخص صديقنا زكى سالم رؤيته لك بكلمات بليغة… لو لم نقابل نجيب محفوظ لما عرفنا معنى الحكمة، الحكمة المجسدة، الحكمة تسير على قدمين وتسعى بين الناس. تمشى فى الطرقات وتركب تاكسيات بالنفر. تصاحب المارة والركاب وتأتى لنا بهم فى المساء. أتذكر فى الإسكندرية ذات مرة، قال لنا ونحن نجلس فى المساء مع مجموعة الإسكندرية البديعة، استأذنكم، فقد دعوت أحد الشباب لجلستنا الليلة، قابلته فى التاكسى وعندما عرف أننا نلتقى فى المساء استأذن فى مصاحبتنا. بالذمة هل يوجد مثال لهذا الرجل المُدهش دائما…. ياه… أيام تمضى… تمضى وتسلبنا أعز من نحب… كم كنا محظوظين بأن عايشنا هذا الرجل المذهل فى بساطته. تشعر معه أنه رجلٌ عادىٌ. تقرأ ما كتب فتكتشف أنه فنانٌ غير عادى. حمل على عاتقه مهمة رائدة عسيرة، تأسيس الرواية العربية الحديثة، فهو مؤسس الرواية العربية الحديثة بلا منازع. منذ بداياتها التاريخية الفرعونية إلى أحدث تجلياتها الفنية. أقف مشدوها أما كفاح طيبة.. وخان الخليلى. تذهلنى زقاق المدق… بداية ونهاية قمة من قمم الرواية فى العالم.. السراب.. الثلاثية… الشحات وثرثرة فوق النيل التى أراها معجزة فنية… الحرافيش وليالى ألف ليلة… أصداء السيرة الذاتية.. ما ذكرته هو ذائقتى الشخصية. يدخلك إلى عالمه الروائى منذ الأسطر الأولى فيأخذك عقلا ووجدانا وتشويقا وتأملا واستبصارا… ما هذا يا رجل ؟… عزف باللغة الفنية فى الرواية معزوفات منذ البداية وحتى النهاية، تطور بها منذ أن كان يكتب « فنُفخ فى الصور»… و«ارعوى» إلى سلاسة اللغة العصرية اليومية البليغة. تطويره للغة الروائية حكاية. ما أكتب ليس رأيا نقديا لكنه ملاحظات مُحب شعر بمكابدات اللغة أثناء الكتابة.

عندما أتذكرك، وهو كثيرا ما يحدث، تثب إلى ذهنى شخصيات تاريخية أحببتها، سقراط، فولتير، لكنك أكثر رقة منه، طاغور، غاندى، وصلاح عبد الصبور، هذه الزمرة التى أحبت الحياة، والإنسان، والحقيقة.

الصديق العزيز.. الأستاذ.. المعلم.. القدوة.. الحبيب.. سلام على روحك حيث تكون.

نعيم صبرى