بعِلم الوصول إلى نجيب محفوظ وئام مختار   هل يُمكن أن تكتب خطابًا قصيرًا لشخصٍ يُحب الروايات الطويلة كنجيب محفوظ؟ ناهينا عن التساؤل عن كتابة الخطابات لشخصِك، نحنُ محبّوك المجانين

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-03-25 05:48:14Z |  |

بعِلم الوصول إلى نجيب محفوظ

13415562_10153466031196086_5639147114699363212_o

وئام مختار

 

هل يُمكن أن تكتب خطابًا قصيرًا لشخصٍ يُحب الروايات الطويلة كنجيب محفوظ؟

ناهينا عن التساؤل عن كتابة الخطابات لشخصِك، نحنُ محبّوك المجانين الذين لن نتوقّف أبدًا عن الاحتفاء بك، هنا بعد ثورتنا بأربع سنوات يا عمّى الآن، تعرف قصّة يناير 2011 على ما أعهده منك، أنت النص المثالى الذى يقول ان الكاتب الجيّد يجب أن يعرف شيئًا عن كُل شيء، ولا أعتقد أن روحَك قد تكتفى من هذا العالم فى أيّ بُعد.

لكننا أصبحنا نكتفي، نصل إلى مكان ونقول هو ذا، ونضع أيدينا على حفنة من المال ونقول تمام، ونخطو نفس عدد الخطوات كُل يوم إلى نفس الأماكن، ونقول تعبنا.

أعرف أنك أكثر انتظامًا مما توحى به صورتك، لا تنظر لى وأنا أكتب لك كأنك تلوم الكتابة المتأخرة وتلوم أثر القهوة والسهر على العينين، لم أعرفك بالانتظام بالمناسبة، هل تعرف كيف عرفتك؟

كُنت فى المدرسة السنيّة، أتأرجح بين الطفولة والمراهقة – كما تُحب أن تسمّى هذه المرحلة – أترك الحصص الدراسيّة وأهرب إلى المكتبة الكبيرة، أمينة المكتبة تحبّنى جدًا، فأنا من ضمن قليلين يمنعون الغبار من التراكم على كُتبها العزيزة، ودائمًا ما تنتهى بطاقة استعارتى قبل نهاية العام، ويملأ اسمى الدفتر لزيارة المفتشين، تتغاضى عن أيام مسروقة مع الكُتب، وتترك كتبًا قيمة بحوزتي، وفى يوم من الأيام، بعد جرس الحصّة الثانية، وبعد رواية لإحسان عبد القدوس قطع أحدهم إحدى صفحات الوصف المثيرة فيها – تعرِف عادَة إحسان، نموذج آخر لسى السيّد، كتابة حُرّة وتربيَة مُتزمتة – وقعت عيناى على «رادوبيس» الطبعة القديمة لمكتبة مصر، حملتها معي، وقرأت الصفحات البنيّة المُثيرة أكثر من مرّة، لأقلّد طريقة كلام الكهنة عندما أختلى بنفسِى «أنتِ أيتها المرأة اللعينة ذات الجمَال الهلوك المدمّر»، أو أستجم قليلا فى حمام اللبن والعسل فى القصر الكبير، أو أشعل المناقشات حول كُل شيء فى الصالون اليومي.

لقد وقعت فى غرام رادوبيس وصندلها الذى وقع فى حِجر فرعون، وذلك البُنيان الخلّاب للرواية، لأقع فى غرام كُل ما يقع فى يدى بعدها، أذكر أنى كنت سأقرأ الثلاثية بترتيب مختلف، حتى اكتشف ذلك مدرس اللغة العربية وعدّل على ترتيبها فى اللحظة المناسبة.

وهأنا اليوم عِندَك، أكتبُ لك، قادتنى السنين إلى لحظات كثيرة تكفيني، وكنت سأتوقّف، لكنّى كنت أتذكّرك، اللحظة التى قرأت لك فيها «نحنُ فى حاجة إلى أن نعود إلى الحياة مرارًا حتى نتقنها»، هى اللحظة التى عرفت فيها أن حتّى هذهِ اللحظة التى أكتب لك فيها لن تكفِيني.

لكنك صعب المنال، تعرف كم مرّة أعدت قراءتك؟ حتّى اليوم لم أنه كُل ما كتبته، كيف خلقت كل هذه العوالم متعددة الطبقات بكل هذه الشخصيات المركّبة وأنت تحتسى القهوة الصباحيّة، ويضبُط الآخرون ساعاتهم على مواعيدك؟

ذكّرنى فى خطاب قادم أن أحكى لك عن مشكلة هذا الجيل مع خطوط الموت deadlines

ولكن يعنى – محاولة أخرى لكتابة العاميّة التى ترقى إلى الفصحى – دائمًا هناك التراوح بين الطريقين، العفويّة والتلقائيّة على جمالهم والإبداع والارتجال، بما يحمله هذا الطريق من احتمالات لا تنتهى لدَهشة متجددة.

والانضباط والالتزام بشكل مُحدّد، يكفل مسارًا واضحًا وإنتاجًا للحظات قد تكون متوقعّة ومُكررة، لكنها مضمونة ومعروف جمالها وقدْرُه مُسبقًا.

هذهِ دائمًا أسئلة البدايات، نهاية رحلة من الضجر لتبدأ رحلة من الدهشة، وأنا بدأت من جديد، وفى كل مرة أبدأ من جديد أتذكّرك، وأعود إلى الحياة فى صورةٍ أخرى معك، أفكّر أننى قد أتقنها هذه المرة، وأقرأ لك وأفهم شيئًا كان خافيًا، وتستوقفنى جملة لم أدرك معناها وأنا مراهقة بعد فى المدرسة، أو شابة فى الجامعة، وأعرف أنى عندما أبدأ مرة أخرى مع أولادى بعد سنين، سأدرك معنى جديد، كأنّك أتقنت الحياة وتعود فقط لتخبرنا.

كُنت أعود إلى الحياة فى كُل مرّة، محاولةً أن أتقنها، ولم يكن ينقذنى إلا أنه «كيف نضجر وللسماء هذه الزُرقة، وللأرض هذه الخُضرة، وللوَرد هذا الشذا، وللقلب هذه القُدرة العجيبة على الحُب، وللرُوح هذه الطاقة اللانهائية على الإيمان. كيف نضجر وفى الدنيا من نحبّهم، ومن نُعجب بهم، ومن يحبّوننا، ومن يُعجبون بنا»، لقد جمعت أسباب الدنيا، هل تعرف عن الاقتراب من كُل ما يلامس الروح كما قال جلال الدين الرومي؟ انخدشت روحى كثيرًا، وكنت أعود هنا لأعرف عنّى أكثَر.

فى كُل مرة يتشكّل فيها الوعي، ونعود لنسأل أنفسنا أسئلة بديهيّة، ونبحث عن إجابات جديدة، نحتاج سندًا يا عمّي، لقد ثُرنا، وعُدنا لك، وانقهرنا وعُدنا لك، والآن نحن نحاول أن نعود إلى الحياة من جديد، ونعود لك، أنت سندٌ لا يميل، ولا ينتهي، منذ عبث الأقدار وحتى أحلام فترة النقاهة، شكرًا لأنك لم تكتف.

بقيَ لك بعد كُل ذلك اسمك.. أنّك نجيب محفوظ، وأنَّك عَوْدُ البدايات الدائم.

أنا فى حاجة إلى أن أعود إلى الحياة مرارًا يا عمّي.. وسأعود إليها فى هذه المرّة معك.