أيقونة الفن التشكيلى فى الدورة الأوليمبية 2016 “روبرت بيرل ماركس“ المصور والمثال.. ومصمم الحدائق والمتنزهات صلاح بيصار   اثبتت الدورات الاوليمبية “يرجع تاريخ اول دورة بأثينا لعام 1896” خاصة دورات

887

أيقونة الفن التشكيلى فى الدورة الأوليمبية 2016

“روبرت بيرل ماركس“ المصور والمثال.. ومصمم الحدائق والمتنزهات

صلاح بيصار

 

اثبتت الدورات الاوليمبية “يرجع تاريخ اول دورة بأثينا لعام 1896” خاصة دورات الالفية الثالثة باننا نعيش عصر الفنون البصرية التى تنتمى لفنون ما بعد الحداثة او ما بعد العصر الصناعى والذى جعل من الصورة ايقونة لهذا العصر من خلال الميديا الحديثة من تكنولوجيا الاتصال والانظمة الرقمية.. تأتى بضغطة لحظية وتنساب كنوافير الاحلام فى دنيا من الاثارة والابهار والمتعة.. وقد اكدت البرازيل وهى تنتمى الينا من الدول النامية من العالم الثالث”200 مليون نسمة اكبر دولة من دول أمريكا الجنوبية وسابع اقتصاد فى العالم “ أنها جديرة بتنظيمها حتى فاقت دورة 2012 التى اقيمت بلندن من حيث روح الفن القومى الممزوج بالحداثة وحرارة المشاعر.. وامكنها تهيئة وترويض الارض والماء بل والفراغ ايضا لهذا السيل المنهمر من الالعاب والرياضات التى بلغت 28 لعبة بمشاركة اكثر من عشرة الاف وخمسمائة رياضى..شاهدنا خلالها مشاعر الانتصار والانكسار والقدرات الخلاقة للانسان فى عالمنا المعاصر.. الانسان الكاوتشوك والانسان الطائر وحامل الاثقال وصانع الالعاب مع العدو والهوكى وسباق الدراجات وكرات القدم والتنس والطائرة.. والروح الوثابة لبنات القرن والمحبة والتآخى والسلام بين الشعوب بمشاركة 206 دول.. وكان الحفل الافتتاحى للدورة باستاد” ماركاتا“يليق بالبرازيل خاصة وهى المضيفة لاول دورة اوليمبية بامريكا اللاتينية.. وبالفعل اضاء الحفل على تاريخ البرازيل وقصة نشوئها وثقافتها باستعراض الالعاب النارية ومشاركة الآلاف فى عرض راقص تلاه الفرق المشاركة فى الاوليمبياد .. قبل ان يشعل العداء البرازيلى فاتدرلى كورديرو الشعلة الاوليمبية ايذانا ببدء الدورة الاوليمبية.

الفن التشكيلى فى الدورة

وفى حفل الختام الذى شاهده اكثر من 3 مليارات من ابناء العالم توج الحفل بهذا الجمال من الفنون الالكترونية الجرافيكية ولم تنس البرازيل الفن التشكيلى اعلانا عن خصوصية طابعها القومى فقدمت عرضا لاعمال فنان الحداثة البرازيلى روبرت بيرل ماركس «1909 – 1994» المعمارى ومصمم الحدائق الحداثية وفنان المناظر والمثال والجرافيكى ومصمم الحلى والموسيقار والذى تمتد اعماله ايضا إلى بلاط الفسيفساء والاوانى الخزفية المزخرفة وذات البقع وتصميم المنسوجات وازياء المسرح وهو احد دعاة البيئة الطبيعية وله صورة شهيرة يطل فيها رأسه بينما يلتحف الجسد بورقة نباتية استوائية عريضة خضراء من الامام واخرى من الخلف.

وبيرل ماركس ولد بساو باولو لاسرة غنية وهو الابن الرابع لسيدة برازيلية من اصول فرنسية واب المانى الاصل ولد فى شتوتجارت..انتقلت اسرته الى ريو دى جانيرو بالبرازيل اوائل القرن العشرين وجاءت اول الهامات اتجاهه الطليعى عندما كان يدرس الرسم موفدا الى المانيا موطن والده الاصلى.. وكان يتردد على الحديقة النباتية فى برلين مما اكسبه حبه للنباتات وجعل من تأملاته للنباتات المحلية مساحة كبيرة من الوقت مع الفن وذلك بعد عودته الى البرازيل عام 1930 حين بدأ جمع النباتات حول منزله مع تركيزه على دراسة الفنون البصرية والهندسة المعارية بريو دى جانيرو بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة.

واضاف علم النبات والاستفادة من الفن الشعبى البرازيلى بروح تكعيبية وتجريدية .

وروبرت بيرل ماركس احد اكثر الفنانين المؤثرين فى فن المنظر فى القرن العشرين ورغم انه ليس مألوفا خارج وطنه بالقدر الكافى المرتبط بقيمة اعماله.. الا انه معروف اكثر بأيقوناته لأرصفة سواحل وشواطىء البحار خاصة بريو دى جانير خاصة شاطئ كوبا كابانا وايضا لتصميماته للحدائق والمتنزهات بطابعها الهندسى التجريدى الذى اشتهر به.. وفوق ذلك ومع تنوع ابداعاته كان شديد التوق الى جمع الاعمال الفنية وكان حالما متعدد الرؤى ومن بين شواغله تأملاته للنباتات البرازيلية حتى انه اكتشف اكثر من خمسين نباتا.

وعموما تبدو اهتمامات ماركس المتعددة متساوية فى الاهمية تعلن عن هذا الدأب والشغف والاحتفاء بما يبدع ويعمل ويكتشف.. وقد قام بإحداث ثورة فى تصميمات الحدائق بطابعه التجريدى الغنى باللون والنابض بالفن والحياة النباتية للبيئة المحلية ذات الطابع الاستوائى مع الاشكال المتناسقة والمتماثلة والخارجة على الاطر المألوفة.. واعتزاز بيرل ماركس بقوميته جعله يرفض الانماط النباتية والموديلات الاوربية رغم انتمائه بقوة لاتجاهات الحداثة فى الابداع بما يؤكد معنى الموروث والوافد والحداثة والتراث.. وقد قدم المنظر الطبيعى ومشاهد الحدائق والمتنزهات لتأكيد هذا التصالح الانسانى والبيئة الطبيعية ورأب الصدع وسد الفراغ الناشئ عن مجافاة الانسان المعاصر للبيئة الطبيعية بفعل ضغوط الحياة وايقاعها الصاخب.. وكانت ادواته فى ذلك المزج بين الغنائى العاطفى من شاعرية اللون والتكوين والعقلانى المتمثل فى الايقاع الهندسى التجريدى.. لذا كانت الطبيعة المتغيرة وما تحفل من خضرة وماء باختلاف المواسم والفصول بالنسبة له قوة طليقة من الحرية والجمال..وخلال ستين عاما صمم اكثر من 2000 حديقة بمختلف بلدان العالم من امريكا اللاتينية وجنوب افريقيا والمانيا وفرنسا وامريكا “نيويورك ولوس انجلوس“ جاعلا من التصوير والعناصر الطبيعية الضخمة والكائنات الصغيرة عالما ودنيا من الجمال النادر .

وكان يلقب نفسه بشاعر الحياة أو صاحب الحياة الشاعرية.. ومن هنا تعد حدائق بيرل اعمالا مسكونة بفتنة اللون والتصميم.. وبسبب الطريق الذى تنشده والهدف الذى ترمى اليه ما يمثل الوعى اليقظ فى انطلاقه لبناء بيئة طبيعية خصبة بالفن والنبات بالخضرة والوان الحياة.. خاصة الفن مع علم البيئة.. وهو من هنا يعد مصدرا مثمرا للالهام خارج البرازيل وداخل المجتمع المحلى وهناك سبعة فنانين من وطنه يستلهمون اعماله وهم من الاجيال الجديدة التى ولدت بعد عام 1950 من بينهم جون اريجو وبالوما بوسك ولويزا لمبرى…ومن بين اعمال بيرل ماركس بالبرازيل من المناظر للحدائق العامة هناك : وزارة التعليم ووزارة الدفاع وقصر “ايتاماراتى” مقر وزارة العلاقات الخارجية وشاطئ  ريو دى جانيرو الذى ابدعه عام 1970.. ويمكن تلخيص مفهومه لتلك الاعمال من خلال التصميم العام الذى يعتمد على استخدامه للنباتات الاستوائية وتناظر المساحات المفتوحة وايضا التناغم اللونى للارصفة والطلاقة والحرية فى منابع المياه وكأنه يعكس مشهدا طبيعيا حقيقيا ولكن برؤية ومفهوم يعتمدان على الابتكار فى التصميم.. كل هذا من اجل تحقيق المتعة البصرية لانسان العصر الحديث مع التعايش مع البيئة والامتلاء بهذا الفيض من العناصر.

وحدائق بيرل ماركس ومتنزهاته الغناءة تتميز بوحدة اسلوبية فى اللون والتشكيل وهى ذات طابع تكعيبى مثل لوحاته التصويرية وهو يستخدم مجاميع لونية من البرتقالى والرمادى والكحلى والاوكر “الاصفر الداكن“ والبيج كما يستخدم الاخضر وحده بدرجتين لونيتين فى مربعات هندسية مع الوان الطبيعة..ولاشك ان لوحاته فى التصوير تتناغم وتتطابق مع رؤيته الفنية وابتكاراته فى الحدائق ومع تنوع وثراء ابداعاته يعلن عن عالم فنى واحد ينتمى لحداثة الفن فى القرن العشرين.. تحية الى دنيا تبعث على الصفاء والهدوء النفسى وتدعو الى التامل .