بلا أجنحة .. بحثًا عن الحب.. عن الحياة! إبراهيم عادل   بعد ديوانى شعر ومجموعة قصصية، يخوض “مينا ناجي” تجربة الكتابة السردية عبر رواية طموحةٍ واعدة هى رواية (بلا أجنحة)

8899

بلا أجنحة .. بحثًا عن الحب.. عن الحياة!

12246631_10156473087340508_1229476545084651376_n

إبراهيم عادل

 

بعد ديوانى شعر ومجموعة قصصية، يخوض “مينا ناجي” تجربة الكتابة السردية عبر رواية طموحةٍ واعدة هى رواية (بلا أجنحة) الصادرة مؤخرًا عن دار روافد، والتى يشير إلى أنها جزء أول من ثلاثية “هليوبليس” التى ينوى إكمالها وإصدارها تباعًا.

فى هذه الرواية يأخذنا الكاتب مباشرةً إلى عالمين متوازيين، أولهما تدور أحداثه فى “باريس” ويبدو بطله متحققًا قادرًا على تحقيق أحلامه وإقامة علاقات متعددة مع نساءٍ يدرن حوله، وفى العالم الآخر نجد ذلك البطل الواقعى فى “مصر” طالبا فى كلية الهندسة مأزوما يعانى فقد حبيبته بدايةً ويسعى إلى أن يوصل إليها رسالته من خلال “الكتابة” كمحاولة أخيرة للتخلص من همّه وسعيًا للنجاة!

المفارق أن هذين العالمين يتقاطعان فى السرد، ويبدو أحدهما قادرًا على سرد حكاية الآخر، والمقارنة بين شخصيته وشخصية البطل الآخر الذى يحكى عنه ذاك، ويعوَّض ما يجده من نقص فى شخصيته فيه، ويحكى عنه لبطلته الحبيبة الغائبة، وبين هذا وذاك يظهر تصوّر افتراضى عن كونه شخصا آخر يعيش فى ظروفٍ مغايرة ويستطيع أن يحقق ذاته وأحلامه ببساطة، لكن حياة ذلك الآخر لا تبدو هى الأخرى “وردية” على نحو مطلق إذ يعتريها بعض المنغصات، وكأن كلا المحاولتين محكومتين بفشلٍ يلاحقهما!

تبدأ الرواية بحكاية البطل الأول “فرديو” (من خلال تيار الوعي) يحكى حكايته بنفسه، يعيش فى “باريس” ويعد عرضًا مسرحيًا عن رواية (أليس فى بلاد العجائب) تشاركه فيه حبيبته “دورا”، ثم ينتقل السرد بسلاسة شديدة إلى البطل الثانى الذى يحكى حكايته كذلك بنفس الطريقة لكن بأبطال مختلفين، ويلحظ القارئ أن ثمّة إشارات فى الحكاية الثانية للحكاية الأولى، وثمة تقاطع بينهما، فى الجزء الثانى يبدأ الراوى بسرد حكايته مع “ليلى” حبيبته المسلمة ونعرف من التفاصل كونه مسيحيا يدرس فى جامعة خاصة فى كلية الهندسة، يعانى ذلك الألم بعد فراق حبيبته، ويعرض نفسه على طبيبة نفسية، لكى تساعده فى تجاوز حالة “الاكتئاب” التى يمر بها..

التفكير فى المستقبل لا يزيدنى إلا بؤسًا: يبدو أننا سوف نظل نعدو دومًا تجاه ما يتساقط من جنبات رؤوسنا، يقولون يا ليلى إن حكيمًا قد صمت مدة دهر، فلمّا أتاه أتباعه حزانى قائلين: قطع الله سر من أصمتك ونفاه فى جحيمٍ من سكونك، ترفّق بهم وقال: أراض الليل لا تحدثني، النوم موتٌ صغير والموت نومٌ بلا أجنحة. صفعةٌ على وجهكِ الصغير لكى تقبلى الحياة كما يجب. الحياة صفعةُ على شفاهكِ المليئة …

يستغرق البطل فى وصف حالته، وتقليب ذكرياته أملا فى التخلص منها، ويبدو فى المقاطع التى تنحو إلى أن تكون “اعترافًا” أكثر شاعرية من سواها:

لكن أن تكونى وحيدة هو ألا توجد رسائل مهمة تصل. أن تكونى وحيدة هو أن تحتفظى بشحن الهاتف لأيامٍ عديدة يمكن أن ينفخ الله فى صورتها وتصير أسبوعًا، أن تكونى وحيدة أقول لكِ هو العيش على الذكريات فى انتظار شيءٍ لا تعرفيه، شيء لا يفهم من خلال انتظاره، الأمر الماكر أن ما تنتظرينه جاء فى الماضي، لا آتيًا من المستقبل، وفى هذا كل الفرق، أنتِ لا تقتربين من شيءٍ غامض لا تعرفينه كهدف، بل تبتعدين من الخلف عن شيءٍ كعلامة محددة قسمت حياتك غلى نصفين.

ولا غرابة فى ذلك، فالكاتب شاعرٌ بالأساس، بل إن المطلع على ديوانه الثانى «أسبوع الآلام» يلمح ذلك الجزء الخاص من “التغنى بالألم” والاستغراق فى وصفه (تجدر الإشارة إلى أن الديوان منشور الكترونيًا فقط، لم تصدر له طبعة ورقية، وموجود على صفحة جودريدز) بل والقدرة العالية على “التنويع” فى الحديث عنه، وهو ما قد نجد منه بعض الملامح هنا، كون البطل يعانى تلك المشكلة من فراق حبيبة، ولا يرى العالم كله إلا سوادًا خالصا فى غيابها.

لا يغرق “مينا” فى وصف التباين فى الحالة بين الحبيبة المسلمة وحبيبها المسيحي، بل يبدو أن هذا الأمر لم يستوقف علاقتهما فى الأساس، كل ما فى الأمر أنها أرادت أن تتأكد من جدية علاقته، لم تبد ملتزمة أو “متحفظة” تجاه العلاقة بالكامل، وإن استطاعت أن تفرض شروطها، وأن تنسحب من العلاقة بصرامة شديدة فى النهاية، لتتركه صريع معاناته واكتئابه، فى المقابل نجد عالمًا واعدًا آخر يود “مينا ناجي” بطموحٍ واضح أن يقفز إليه، وذلك فى قصة ”فريدو ودورا” حيث العلاقة عكسية، فهنا نجد “فريدو” الناجح المتحقق غير عابئٍ بإلحاحات “دورا” للبقاء معه، بل هو يستمتع بإذلالها ويتعرف على فتياتٍ أخريات ويقودهن إلى سريره بسهولة، وإن كان ما يعرضه الكاتب  فى هذا الجزء من الرواية هو أطراف قليلة لحكاياتٍ لا تبدو مكتملة، ولكنها تشى بأن هناك الكثير الذى سيظل يدور فى “باريس” ويكشف لنا أكثر عن تلك الشخصية التى “تلعب” هناك بحريّة أكبر.

لم تقل لى “دورا” ماذا حدث بالضبط بعدها إلا فى اليوم الثالث. استيقظت فى اليوم التالى لطعنة الرجل الملثم بالسكين فى جانبى الأيمن فوجدت نفسى مزنرًا بضمادات على الفراش فى شقتنا، كانت ترسم لوحة يطغى عليها اللون الأحمر، حين تواجه “دورا” أمرًا يفوق قوة احتمالها تتوجه للرسم وتستخدم غالبًا اللون الأحمر، حين سمعتنى أتململ فى الفراش تركت اللوحة وجاءت واحتضنتنى دون أن تقول كلمة. هل فى تلك اللحظة كنت أعرف ما كان سيحدث لها؟!

يدور السرد بطريقة متوازية أحيانًا بين مقاطع “باريس” والمقاطع الأخرى، ويأتى متقاطعًا فى أحيانٍ أخرى (الفصول 7، 8، 10، 15) على شكل الحكاية التى يحكيها البطل لـ”ليلى” ويستأذنها فى عرضها أو يشرح لها ردود الأفعال ( اسمحى لى أن أتابع لكِ حكى ما يحدث داخل شقتهما) (دعينى أكمل لكِ قصة فريدو ودورا، قصة باريس، هل تتابعيني؟)

وهكذا نجد أنفسنا إزاى هاتين الحكايتين، التى يبدو ثمّة تقاطع أول بينهما كون “مينا” (إذا افترضنا أنه بطل الحكاية الثانية) يحكى عن “فريدو ودورا” أبطال الحكاية الأولى، حتى تأتى تلك الإشارة العابرة فى حكاية “فريدو” عن نفسه حينما يتحدث مع “تسنيم” عن أحلامه، ويقول لها انه كثيرًا ما يحلم بأنه (طالب جامعى مصرى سمين وحزين) وأنه شعر بهذا الشعور لأول مرة (حين سمع تسجيلا فى محل موسيقى لمطرب عربى يدعى “مهمد أبدوااب من مصر ..) وترد عليه بأنها (تعتقد أن لنا جميعًا روحًا واحدة تسير فى أبدان مختلفة..) هكذا يلفت الكاتب وعى القارئ إلى أن ثمّة دائرية ما تحكم النص، وأن أشياءً كثيرة ربما لم يُكشف عنها فى هذا الجزء الأول من الثلاثية، والذى ينتهى فجأة فيما أرى بعد حكاية “مينا” عن زواج حبيبته برجل آخر، واعتباره ذلك “إخصاء لذكوريته”!

8899

ولا يمكن فى النهاية قراءة النص على أنه مجرد قصة الحب العابرة الفاشلة التى يحكيها البطل عن حبيبته “ليلى” التى تركته وتزوجت غيره (يصفه بأنه مدعى ثقافة يقرأ لأحمد مراد ويوسف زيدان)، ولا يقتصر على “قصة فريدو ودورا” وكل ما فيها، ذلك أن ثمّة مفتتحا فى الرواية يشير إلى أن اختيار مسرحية “أليس فى بلاد العجائب” التى يعدها “فريدو” لم يأتِ عبثًا، فى المفتتح يأخذ مينا هذا المقطع من المسرحية ( سأنظر فقط إلى أعلى وأقول “من أنا إذن؟” قولوا لى أولا، وبعدها، لو أعجبنى كونى هذا الشخص، سوف أصعد، لو لا، سأبقى هنا حتى أكون شخصًا آخر..)

وهو ما يشير إلى أن ثمّة “شخصيتين” تسعى إحداهما إلى الاكتمال من خلال أخرى، وهكذا يمكننا استعادة قراءة الرواية وتجميع حكاياتها المتناثرة بين هاتين الشخصيتين “مينا” و”فريدو” البعيدتين كل البعد مكانيًا وزمانيًا لكن يبدو أن هناك ما يربطهما، أو يحرص السارد على أن يدفعنا إلى ملاحظة المقابلة بين الشخصيتين، رغم اختلاف عالميهما، وأعتقد أن الرؤية لم تكتمل حتى الآن، ولن تكتمل إلا بمتابعة قراءة الأجزاء التالية من الرواية، التى تبدو منذ أول صفحة، كما ذكرنا طموحة وواعدة.

تجدر الإشارة فى النهاية إلى أن مينا ناجى حاصل على هندسة الاتصالات صدر له ديوان “سحر حقيقي” عن دار العين عام 2011، وأسبوع الآلام (نسخة الكترونية) عام 2013، ومجموعة قصصية بعنوان “الجندب يلهو حرًا فى سماء القاهرة” عن دار الكلمة فى نفس العام 2013. يكتب مقالات فى موقعى “المدن” و”معازف”، ويترجم بشكل حر؛ كتب الفيلم القصير “بهدوء” الذى عُرض فى مهرجان “موسترا” فى برشلونة ومهرجان “شوتين وول” فى فيلادلفيا.