“رحلة يوسف” تجربة مثالية فى البحث عن التعافى من ألم الفقدان سعاد أبو غازي   “تكتشف فى النهاية إن ملاذك الوحيد أصبح تلك الكلمات التى تسطرها، بعد أيام من الكتابة

رحلة-يوسف-للكاتب-سامح-فايز

“رحلة يوسف” تجربة مثالية فى البحث عن التعافى من ألم الفقدان

سعاد أبو غازي

 

“تكتشف فى النهاية إن ملاذك الوحيد أصبح تلك الكلمات التى تسطرها، بعد أيام من الكتابة تنتظر تلك الساعة الذى تجلس فيها أمام الكيبورد لتداعب حروفها فتخرج من صدرك أثقال ذلك اليوم، فقط لكى تتمكن من النوم وتكون قادرا على مواجهة يوم آخر، وربما أيام آخرى فأنت لا تعرف متى تنتهى الحكاية التى تسطرها”، تلك العبارة الطويلة التى أوردها الصحفى سامح فايز فى كتابه الأخير “رحلة يوسف” الصادر عن دار “الكرمة” ربما تعطى تفسيرا لبعض دوافعه من كتابة فصل شديد القسوة من سيرته الذاتية، يوثق فيه لمحنة شخصية مر بها فايز قادته فيما بعد لرحلة عبر قرى محافظات الصعيد لكى يشاهد المرضى ويكتب عن معاناتهم مع منظومة الصحة المتهالكة فى مصر.

ينقسم الكتاب الذى يقترب من 200 صفحة إلى جزأين رئيسيين، الأول “كتاب يوسف” الذى يتضمن يوميات الكاتب عقب ولادة ابنه يوسف فى ابريل 2014 حتى وفاته فى يونيو من العام نفسه، أما الجزء الثانى “الرحلة إلى الجنوب” وهو الفصل الذى يسرد رحلته إلى بعض قرى ونجوع محافظات الصعيد بدءا من محافظة الفيوم، وهى الرحلة التى أتت عشوائية خلال 10 أيام، لم يكن واضحا أن هناك سببا خلف اختيار القرى أو رابط بينها، حتى إن الكاتب لم يستطع أن يشرح للأطباء ومقدمى الخدمات الطبية فى أى من الوحدات الصحية التى زارها السبب الذى دفعه للسفر كل هذه المسافة، وكانوا دائما ما يوجهون إليه سؤالا “إنت بتكتب إيه بالظبط؟”، لكن من يقرأ الفصل الأول والمقدمة التى سبقته يدرك ان فايز وإن كان بدأ رحلته كصحفى يبحث عن قصص، إلا انه فى حقيقة الأمر سافر كل هذه المسافة كأب مكلوم يعيش أزمة نفسية قاسية بسبب فقدان ابنه الرضيع وعمره 55 يوما فقط، فحاول أن يبحث عن العزاء فى قصص البسطاء الذين ينتمى اليهم، ويرى بعينه إن هناك غيره يعانون ويواجهون يوميا شبح فقدان احبائهم، كمحاولة للتخلص من احساس بالذنب إنه من تسبب فى وفاة ابنه كما قال هو نفسه مخاطبا “يوسف”:”بكيتك كثيرا يا يوسف، لماذا أشعر أننى قاتلك؟ بل أنا فعلا كذلك”!، ولذلك لم يكن لينجح أبدا فى أن يجيب عن سؤال ما الذى أتى به كل هذه المسافة لكى يرى وجه الألم، وإلا لأصبح هو “الحكاية” وليس مرضى الصعيد ضحايا الإهمال والفساد!

اللافت فى كتاب “رحلة يوسف” إن الفصل الأول “كتاب يوسف” أتى أقوى فصول الكتاب على الإطلاق، كان مشحونا بالمشاعر، خليطا من الحزن والأمل، الصبر والتحدي، رائحة المرض والموت تنبعث من بين سطوره، تستطيع أن تشعر بإحساس الأب بالإهانة لتعرضه لمواقف اضطر فيها أن يتوسل للجميع من أجل إنقاذ حياة طفله الذى يواجه الموت فى كل لحظة من لحظات عمره القصير، ورغم ذلك الانطباع النهائى الذى يمكن أن تخرج به وانت تخفى دموعك إنها رحلة انتهت بوفاة “يوسف” لكنها ميلاد جديد للأب، تلك الأيام الطويلة التى تشكل فيها من جديد واكتشف فى نفسه قدرات وطاقات لم يكن لتخرج وأيامه تسير بوتيرة عادية، رحلة اكتشف فيها الأب قيمة الحياة وفكر فى عذابات الآخرين هناك فى الجنوب حيث انين المرض يختفى وسط ضجيج الإهمال، فكان الفصل الثانى “الرحلة إلى الجنوب”، المرتبك نسبيا والذى لا يخفى تشويشا أصاب قلم الكاتب، فقد ارتفع صوته فى الوقت الذى كان يجب أن يفسح فيه المجال لأصوات الآخرين، لحكايتهم ومشاعرهم، وشغل القارئ بكيف انتقل من مكان لمكان، وتفاصيل لمحادثات كان يمكن حذفها ببساطة لصالح الحكايات نفسها، ورغم ذلك هناك مبرر لهذا الارتباك، وهو إنها رحلة “أب” يبحث عن العزاء وتحركه شحنة عاطفية، وصادف انه صحفى ويحمل كاميرا، وليست رحلة عمل.

على الرغم من ان الكتاب ينتمى إلى أدب السيرة الذاتية، ولا يمكن أن نقول إن هناك حكايات لا تصلح للسرد، فهذه قصة الكاتب على أى حال، لكن فى رأيى تلك الحكاية التى اختتم بها صفحات كتابه عن رحلة بحث عن “بار” فى الأقصر لكى يشرب الخمر لـ “ينسى”، كانت بمثابة جملة اعتراضية فى كتاب “رحلة يوسف”، الأمر لا يتعلق بأى حكم يستند إلى الدين أو تقاليد، بل لأن الموقف كان “اكلشيه قديم جدا”، فهو ليس إسماعيل ياسين فى فيلم يشكو فيه من حماته فيدخل على البارمان غاضبا ليقول له “ادينى واحد زفت علشان انسى”، فشرب البحر لو تحول لخمر حتى آخر قطرة لا يمكن أن يُنسى الإنسان احزان حُفرت فى وجدانه، بل ربما يطلق العنان لتلك الانفعالات التى سيطر عليها العقل فى وقت سابق، فإذا اراد الإنسان أن يبكى ومنعه العقل فى موقف ما، إذا شرب الخمر سيبكى وستخرج كل تلك الانفعالات المكبوتة بداخله، سيقول كل ما يحزنه، وعندما يفيق لن يتذكر إنه بكى وغضب وأخرج كل انفعالاته التى سجنها العقل لألف سبب وسبب. كان قرار إدراج هذه الموقف بهذا الشكل “غير موفق” على الإطلاق.

“رحلة يوسف” كتاب متميز للغاية، يحمل تجربة فى الألم ونموذجا مثاليا للبحث عن وسيلة للتعافى لا تتضمن الانسحاب من الحياة والعزلة بل الاندماج فى آلام الناس ومحاولة لإلقاء حجر فى مياه الاهمال فى المستشفيات والوحدات الصحية فى مصر، وجرس إنذار لانسحاب الرحمة والعطف فى مستشفيات مصر الباردة.