نورا أمين تكتُب “فى آخر أيام المدينة”   القاهرة ٢٠٠٩ و٢٠١٠ قبل الثورة وقبل النهوض وقبل الاندلاع. ومع ذلك فرائحة ٢٥ يناير هناك بقوة. هناك رائحة مصر. يمكنك أن

15385201633880

 

نورا أمين تكتُب

“فى آخر أيام المدينة”

 

القاهرة ٢٠٠٩ و٢٠١٠ قبل الثورة وقبل النهوض وقبل الاندلاع. ومع ذلك فرائحة ٢٥ يناير هناك بقوة. هناك رائحة مصر. يمكنك أن تجلس أمام الشاشة العملاقة وتتنفس تلك الرائحة. كيف يمكن لفيلم أن يشع رائحة وما تلك الرائحة هل هى رائحة الوطن؟ مصر؟ القاهرة؟ وسط البلد؟ رائحة الزحام والصراخ؟ رائحة العذاب والتعذيب والذل والقهر؟ رائحة الحب المشجوج نصفين لن يلتئما وسينزفان إلى الأبد؟..

خالد متبلد: لا تعبير على وجهه ولا عاطفة فى عينيه. أحيانا يبتسم أو يضحك لكن بنفس التبلد والغياب. خالد يريد أن يصنع فيلما كى يعيش بداخله ومن خلاله. هذه هى الحقيقة. الحقيقة التى يداريها هو نفسه عن نفسه. إنه يقتحم حيوات الآخرين، الأصدقاء الممثلين، ويضعها داخل الفيلم، فتصبح جزءًا من حياته. حياته سوف تكون هى الفيلم، ولابد أن يتأجل انتهاؤه بقدر الإمكان لأنه عندها سيكون ضائعا بلا حياة، إلا طبعا لو عرف كيف يصنع له حياة قادمة أثناء صناعته للفيلم، أو من خلاله.

يحيا خالد فى مدينة على حافة الانفجار، لكنه لا يحتك بذلك كله، فلا هو العائش وسط القنابل والموت اليومى كرفيقه فى بغداد، ولا هو المهاجر إلى برلين بحثا عن حياة أفضل كرفيقه العراقى الآخر. هو هنا لكنه داخل الفقاعة. وراء الزجاج العملاق. خلف عدسة الكاميرا. يصرخ فيه الرجل الذى التقطه بالعدسة وهو يضرب امرأة: “بتصور إيه؟!!” يفزع خالد، يختفى ويختبئ. لولا الكاميرا لما كان له وجود فى الواقع. فقط هى تداريه وتمرره إلى الحياة، وتمرر الحياة إليه.

8eee

كيف إذن استطاع خالد أن يصور المدينة فى آخر أيامها؟ كيف استطاع أن يثبت الكاميرا على احتضارها بينما يوزع ورودا بيضاء على الأم التى تحتضر فى مستشفاها، وعلى الحبيبة التى تهاجر احتضارا، وعلى القاهرة نفسها؟

تطوف امرأة عجوز شوارع وسط المدينة وهى تحمل حزمة ورود بيضاء. تلك العجوز هى أيضا خالد، وسوف يوزع تلك الورود بنفسه قبل أن تذبل، أو وهى على حافة الذبول. سوف يوزعها على مشاهد الفيلم، وعلى شخوصه وأصدقائه. إنها ورود مثالية للقبور. ورود يحملها شبح ويوزعها على أشباح مستقبليين. الرجل الواقف فى مكانه دوما، بائع الفقاقيع الملونة، هو أيضا شبح. هو لا يتحرك، لا يبرح مكانه. ينفخ فقاقيع ملونة فى الهواء، ولا يشتريها أحد. إنه أيضا مشارك فى كرنفال الأشباح، فى احتفالية القبور. إنه أيضا خالد.

كان خالد يصور نفسه. كان يصور هلعه. ذلك الهلع الحاضر طوال الفيلم والذى يتجسد بامتياز فى لحظة انهيار الأبنية. يسقط البناء، ينهار معه التاريخ والذكريات والهوية. ننهار مع البناية. نتداعى بشكل نهائي.

لو كانت القاهرة بناية رأسية لكان تداعيها هكذا بالضبط مثلما فى الفيلم، لكنها أفقية. تتداعى عبر قلوبنا وأرواحنا. تتداعى فينا. نحن موت القاهرة حيا يسير على قدمين وتبلد خالد هو ملمح موت أرواحنا. نحن هناك. فى كل لقطة وكل كادر حياتنا ودنيانا. أصدقاؤنا وأقرباؤنا وأمواتنا المحروقين، نحن هناك. هذه رائحتنا. لقد شممتها هناك فى أمستردام، فى مهرجان سينما العالم. وأنا أشاهد “فى آخر أيام المدينة” لتامر السعيد.

فتح تامر زجاج نافذته التى بعرض الحائط، لكنه لم يقفز. فقط قرر العبور إلى الواقع. أغلق فصلا من حياته وسمح للهواء بأن يمر. منحنا الفيلم أخيرا بعد تسع سنوات وترك كاميرته مؤقتا.