رجل عاش خارج المكان إدوارد سعيد.. مثقف فى مواجهة العالم محمود الغيطانى   تأتى ذكرى وفاة المفكر والمثقف الكبير إدوارد سعيد فى أتون انقلابات وثورات سياسية عربية أدت إلى تغيير

edward_said_1999_dpa_akg_1

رجل عاش خارج المكان

إدوارد سعيد.. مثقف فى مواجهة العالم

  • محمود الغيطانى

 

تأتى ذكرى وفاة المفكر والمثقف الكبير إدوارد سعيد فى أتون انقلابات وثورات سياسية عربية أدت إلى تغيير وجه خارطة السياسة العالمية بالكامل، ولعل إدوارد سعيد لو كان يعيش بيننا الآن لكان قد قال لنا: «هذا ما سبق أن أكدته لكم حينما تحدثت عن الاستشراق، واليوم تتحقق نبوءتى الاستشراقية التى هاجمنى عليها العالم ووقفوا فى وجهى بالمرصاد متهمين إياى بالتدليس، ومحاولة تشويه صورة الغرب فى مقابل الشرق».

يؤكد سعيد فى كتابه «الاستشراق» أن الدارسين الأوروبيين قاموا بوصف الشرقيين بأنهم غير عقلانيين وضعفاء ومخنثون، على عكس الشخصية الأوروبية العقلانية والقوية والرجولية، ويُعزى هذا التباين إلى الحاجة إلى خلق اختلاف بين الشرق والغرب، وهذا الاختلاق لا يمكن من تغيير جوهر الشرق، وبالتالى فالشرق دائما ثابت لا يمكن له التغير، أو القيام بالثورات حيث أنه حالم طول الوقت، وخاضع للطغيان والظلم، وعندما نشر إدوارد سعيد كتابه كانت لا تزال حرب أكتوبر وأزمة أوبك حديثتين ليشير إلى أن هذا الخلل فى النظرة إلى الشرق ما زال مستمرا فى وسائل الإعلام الحديثة، ولكن التغيرات السياسية التى حدثت فى الخريطة العربية فى السنوات الأخيرة، تُدلل على أن إدوارد إنما كان ينظر إلى الشرق نظرة استشرافية مستقبلية حينما أكد فى نظرية الاستشراق أن الغرب حاول تنميط العالم الشرقى وفقا لنظرته هو، وخلفيته الثقافية التى تطمح دائما فى الريادة على هذا الشرق الرومانسى اللاعقلانى الخاضع دائما فى مقابل العالم الغربي، إنه الشرق المتمتع فى نظر المستشرقين دائما بأنه مكان للرومانسية، والكائنات الغريبة، وذكريات الصيد، والمناظر الطبيعية، والتجارب الرائعة.

أثار كتاب الاستشراق وأعمال إدوارد سعيد الأخرى طائفة كبيرة من الجدل والنقد، فقد رأى «إرنست جيلنر» الفيلسوف البريطانى التشيكي، وعالم الإنسانيات والاجتماع أن: زعم إدوارد سعيد أن الغرب قد سيطر على الشرق لمدة أكثر من 2000 عام أمر مستحيل، فلقد كانت الإمبراطورية العثمانية حتى أواخر القرن السابع عشر تُشكل خطرا كبيرا على أوروبا، كما لاحظ «مارك برودمان» أن إدوارد قد ادعى بأن الإمبراطورية البريطانية قد امتدت من مصر إلى الهند فى 1880م، لكن الحقيقة أن هذه المنطقة كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية والفارسيين، فى حين ذهب آخرون، أنه حتى فى ذروة الإمبراطوريات الأوروبية، فإن السيطرة الأوروبية على الشرق لم تكن مُطلقة وظلت تعتمد بشكل كبير على المتعاونين المحليين الذين كانوا يخدمون الأهداف الإمبراطورية، وانتقد البعض منهجية إدوارد سعيد فى انتقاء الفكر الاستشراقى ضمن منطقة جغرافية ممتدة بين مصر وفلسطين وهى أمثلة فقيرة على نظريته عن الاستشراق؛ نظرا للفترة القصيرة نسبيا لخضوعها للسيطرة الأوروبية، ورأى هؤلاء أن سعيد أهمل مناطق أهم من ذلك مثل الهند عندما كانت تحت السيطرة البريطانية وأقساما من آسيا التى خضعت للسيطرة الروسية، وما كان تركيزه على الشرق الأوسط إلا تركيزا منه على أهداف سياسية.

لقد أصـر إدوارد سعيد على ترسيخ الـصـور الحقيقية للاستشراق دون تزويقها بألفاظ تُـحـسـن صـورتـهـا ومـفـاهـيـمـهـا تـجـاه الـعـرب والـمـسـلـمـيـن، بـعـد أن أثـبـت أن الاهـتـمـام يـصـب فى الشرق الأوسط دون غيره، لاعتبارات لها علاقة بالأديان والحضارات المتعاقبة، ومن ثم العامل الاقتصادى المتمثل فى اكتشاف البترول والوفرة المالية، وأوضـح أن للاستشراق دورا مؤثرا جدا فى الدراسات الثقافية والجغرافيا البشرية والتاريخ وغيرها من عناصر الأمـة المتوافرة، وهذه الـمـؤثـرات، الـتـى ربما نـراهـا الـيـوم بـوضـوح بعد رحـيـل إدوارد سعيد، قـد بناها من خـلال تحليل وتشخيص المعطيات فى أعمال جـاك دريـدا، وميشيل فـوكـو، واسـتـنـادا إلى نقاد الاسـتـشـراق كعبد اللطيف الصيباوي، وأنـور عبد الـمـلـك، ومكسيم رودنـسـون وغـيـرهـم، على سبيل المثال، يتوافق إدوارد سعيد بصورة لافتة للنظر مع ريتشارد ساوثرن حين يضع الـدراسـات الغربية للشرق فـى مـوضـع الـشـك مـؤكـدا عـدم الـضـلـوع بقبولها مطلقا معللا ذلك بقوله: إن كلا من التاريخ الاستعمارى للمنطقة والهيمنة السياسية على الشرق قد فعل فعلته بتشويه كتابات المستشرقين الذين عرفوا الشرق جيدا ودرسوا ثقافته ومعرفته وحضارته، وهذه نقطة مهمة لـدى إدوارد سعيد، لا بد من أن يفهمها منتقدوه من العرب أولا، وهـى أن إدوارد سعيد قد تمخضت لديه فكرة رفض الاستشراق الغربي، ليس من الناحية المعرفية القصدية، بل من ناحية ارتباط الاستشراق بالهيمنة الاستعمارية وسياقاتها السياسية التوصيفية لأبناء الشرق، فهو يرفض وصـف الشرق بالمتخلف وعـدم المعرفة وأن حضارته مكتسبة وغير لائـق للحكم، وهو ما يجعل الغرب وليا عليه وعلى ما يملك.

رأى بعض النقاد الأكاديميين أن إدوارد سعيد لم يميز فى عمله بين أنواع المستشرقين، فعلى سبيل المثال لم يميز بين الشاعر يوهان فون جوته الذى لم يسافر أبدا إلى الشرق، والروائى جوستاف فلوبير الذى أمضى فترة وجيزة فى مصر، كذلك كتابات إرنست رينان التى كانت نابعة من أساس عنصري، وبين بعض الأكاديميين مثل إدوارد وليم لين الذى كان مُتقنا للغة العربية، ووفقا لهذا النقد، فإن إدوارد سعيد قد تجاهل جنسية المستشرقين وخلفياتهم، وانتهج صورة نمطية واحدة للمستشرق الأوربي، كما يقول الناقد والروائى روبرت ايروين بأن سعيد تجاهل دراسات المستشرقين من ألمانيا والمجر فى القرن التاسع عشر، وهم لم تكن لدولهم هيمنة تذكر على الشرق الأوسط.

لكن هل كان هذا الهجوم على نظرية الاستشراق التى ابتدعها سعيد فى موضعه بالفعل؟ يرى مؤيدو سعيد أن مثل هذا النقد حتى لو كان صحيحا، فهو لا يُبطل الأطروحة الأساسية، وهذه الأطروحة صحيحة فى القرنين التاسع عشر والعشرين، وهى متمثلة خصوصا فى وسائل الإعلام الغربية والأدب والسينما، كما يرى مؤيدوه أن دراساته لم يتم تطبيقها على البعثات الألمانية، وهو ما صرح به فى النسخة الثانية لكتاب الاستشراق الصادر عام 1995م رافضا نقدهم حيث قال: « لكننى بدلا من ذلك أدركت بعض المشكلات والإجابات التى اقترحها بعض منتقدي، ولأنها تبدو لى مفيدة فى تركيز المحاججة؛ فإننى سأضعها فى اعتبارى خلال ما سيلى من تعليقات، مشكلات أخرى مثل استثنائى للاستشراق الألمانى حيث لم يقدم لى سببا واحدا يجعلنى أدرج ذلك الاستشراق الذى بدا لى بصراحة سطحيا وتافها وما من داع للتعامل معه».

القضية الفلسطينية والاتهام بمعاداة السامية

اهتم سعيد كثيرا بالقضية الفلسطينية من أجل إيجاد حل لهذا الكابوس الذى عاشه طوال فترة حياته، مما أثر عليه كثيرا حتى أنه قال: «نشأتُ كعربى ذى تعليم غربي، وقد شعرت أنّنى أنتمى لكلا العالمين دون أن أنتمى إلى أيّ منهما انتماء كاملا»، كما قال: «إنّنى قد عبرت الخطّ الفاصل بين الشرق والغرب، وولجت إلى حياة الغرب، إلا أنّنى احتفظت بصلة عضوية مع مكان نشأتي، وكانت هذه عملية عبور أكثر منها عملية إبقاء على الحواجز»، وربما كانت هاتين العبارتين وغيرهما الكثير ما جعل إدوارد مهتما أيما اهتمام بقضية فلسطين والتوطين فيها، فشارك طول حياته فى الجهد المبذول من أجل إقامة الدولة الفلسطينية، وكان عضوا مستقلا فى المجلس الوطنى الفلسطينى طول الفترة الممتدة ما بين 1977م إلى 1991م، ومن أوائل المؤيدين لحل الدولتين معا، وقد صوت سنة 1988م فى الجزائر لصالح إقامة دولة فلسطين ضمن المجلس الوطنى الفلسطيني، واستقال فى سنة 1991م من هذا المجلس؛ احتجاجا على توقيع اتفاقية أوسلو، وقد شعر بأن بنود وشروط الاتفاق غير مقبولة، وهو ما رُفض من قبل فى مؤتمر مدريد 1991م، وقد رأى أن اتفاقية أوسلو لن تقود إلى إقامة دولة فلسطينية حقيقية، لاسيما أن مثل هذ الخطة رُفضت سنة 1970م من قبل ياسر عرفات عندما عرضها إدوارد سعيد بنفسه على عرفات نيابةً عن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد علق على الاتفاقية بأن ياسر عرفات قد فرّط فى حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أراضى الـ 48 وتجاهل تنامى الاستيطان، وقد بلغت العلاقة بين إدوارد سعيد والسلطة الفلسطينية ذروة التوتر سنة 1995م عندما منعت السلطة الفلسطينية بيع كتب إدوارد سعيد فى أراضيها.

هذا الارتباط الوثيق بقضية وطنه، وحنينه إليه أوقعه فى مأزق اتهامه بمعاداة السامية والعدوان على الإسرائيليين فى عام 2000م، فقد التقطت فى الثالث من يوليو سنة 2000م صورة لإدوارد سعيد مع ابنه وهو يرمى حجرا عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية باتجاه إسرائيل، وما لبث أن بدأ النقد يُوجه له بصفته «متعاطفا مع الإرهاب»، وقد علق على هذا الأمر بأن وصفه بـ «رمزية الفرح» لانتهاء الاحتلال الإسرائيلى للبنان، وأضاف: «لم يكن هناك أحد، وأقرب مخفر كان على بُعد نصف ميل»، ورغم ادعائه بأنه لم يستهدف أحدا بحجارته، إلا أنه وفقا لشهود عيان لجريدة السفير فإنه كان بعيدا حوالى تسعة أمتار عن جنود إسرائيليين موجودين على برج مراقبة، وأن الحجر الذى ألقاه سعيد قد ارتطم بالأسلاك الشائكة المحيطة بهذا البرج، وقد أدت هذه الصورة إلى انتقادات واسعة ضمن هيئة التدريس فى جامعة كولومبيا وبعض الطلاب، ورابطة مكافحة التشهير؛ الأمر الذى دعا رئيس الجامعة لإصدار بيان من خمس صفحات للدفاع عنه مُعتبرا أن ما قام به هو نوع من أنواع حرية التعبير وقال فى دفاعه عنه: «على حد علمى ان الحجر لم يكن موجها لأحد، ولم يتم بهذا الفعل كسر أى قانون، ولم يتم توجيه أى اتهام ضده، ولم تتخذ أى دعوى جنائية أو مدنية بحق سعيد»، لكن كان لهذا الأمر العديد من التداعيات عليه، ففى فبراير 2001م أُلغيت محاضرة كان من المقرر أن يلقيها فى جمعية «فرويد» فى فينا، وقد علق رئيس الجمعية على ذلك بتعبيره أن الوضع السياسى فى الشرق الأوسط أصبح أكثر تعقيدا وأدى إلى زيادة معاداة السامية؛ لذلك قررت الجمعية إلغاء المحاضر تجنبا للصراعات الداخلية.

إدوارد سعيد فى دفاعه عن الإسلام

عام 1981م أصدر إدوارد سعيد كتابه المهم «تغطية الإسلام» وهو الكتاب الذى عده الجزء الثالث من نظرية الاستشراق التى ابتدعها لتتناول العلاقة بين الشرق والغرب، فبدأ نظريته بكتاب «الاستشراق»، ثم تلاه بكتاب «المسألة الفلسطينية»، ليكون هذا الكتاب هو الجزء الثالث الذى يوغل فيه من أجل تأمل العلاقة المتوترة بين الشرق الضعيف دائما، الأسطوري، المنقلب، المتفجر بالإرهابيين، وبين الغرب الأقوى، المتحضر، المتحقق، ذى العقلية المنظمة، وربما كانت هذه المفاهيم هى لب نظرية الاستشراق التى ذهب إليها سعيد، وهى التى تُعطى الغرب دائما الحق فى التدخل فى شئون الشرق الأسطورى الضعيف.

يقول سعيد فى كتابه: «سواء قرأت رواية حديثة هلل لها النقاد مثل رواية «منحنى فى النهر» التى كتبها ف. س. نايبول، ومثل رواية «الضربة الرابحة» التى كتبها جون أبدايك، أو كتب التاريخ المدرسية، أو القصص المرسومة بالكاريكاتير، أو مسلسلات التليفزيون، أو الأفلام أو الرسوم الكاريكاتيرية، فسوف تجد التصوير الذى لا يختلف أبدا للإسلام، وتحس وجوده دون تغيير فى كل مكان، وترى أنه يستمد مادته من نفس الصورة القديمة التى ثبتها الزمن للإسلام، ومن هنا جاءت الصورة الكاريكاتيرية المتواترة للمسلمين باعتبارهم موردين للنفط، وإرهابيين، وأخيرا باعتبارهم جماهير غوغائية متعطشة للدم، وعلى العكس، لم تُفسح الثقافة الأمريكية بصفة عامة، ولم يُفسح الحديث عن غير الغربيين بصفة خاصة، مساحة تُذكر للحديث أو التفكير، ناهيك عن رسم صورة للإسلام أو أى شيء إسلامى بتعاطف وود، ومن المحتمل أنك إذا سألت أحدا أن يذكر اسم كاتب إسلامى يعرفه، أن تلتقى معظم الإجابات حول خليل جبران- الذى لم يكن إسلاميا- وأما الخبراء الأكاديميون المتخصصون فى الإسلام فقد دأبوا على تناول هذا الدين وشتى ثقافاته فى إطار أيديولوجى اخترعوه، أو حددت الثقافة صورته، فامتلأ بالانفعال، وبالتعصب المعهود فى الدفاع النفسي، وأحيانا بالنفور، وهذا الإطار هو الذى يجعل تفهم الإسلام مهمة بالغة الصعوبة».

من خلال هذا المقطع الطويل نسبيا من كتاب «تغطية الإسلام» يؤكد سعيد أن الغرب يعمل دائما على تنميط المسلمين فى صورة الإرهابيين المتعطشين للدماء، وبالتالى سترى هذا فى كل وسائل إعلامهم، وفى أفلامهم، والكاريكاتير الساخر، ومن هنا يكون الغرب لاسيما أمريكا قد وضع كل وسائل الميديا الحديثة، ووسائل إعلامه من أجل تكريس مفهوم الإسلام العنيف؛ كى يكون هناك حالة دائمة من العداء تجاه المسلمين، ومن ثم الشرق الذى هو مهد هذا الدين الحسى الذى لا يعنيه سوى مضاجعة النساء، والمتعطش للدماء دون سبب – كما يراه الغرب – فى مقابل الغرب المثقف، المعتدل.

يستعرض لنا سعيد مثالا على هذا التشويه المتعمد للإسلام والمسلمين فى وسائل الإعلام الغربية فى مقال منشور فى باب «استعراض أنباء الأسبوع» من صحيفة «نيويورك تايمز» بتاريخ 14 سبتمبر 1980م، والمقال كتبه جون كيفنر وهو مراسل الصحيفة الكفء فى بيروت، وموضوع المقال هو مدى تغلغل الاتحاد السوفييتى فى العالم الإسلامي، وأما الفكرة التى يطرحها كيفنر فيدل عنوان المقال عليها بوضوح كاف، فالعنوان هو «لا يزال التنافر قائما بين ماركس والمسجد»، ولكن الجدير بالإشارة أنه يستخدم مصطلح «الإسلام» فى إقامة رابطة مباشرة ومُطلقة، وكان يمكن أن تكون مرفوضة فى سياقات أخرى، بين أحد المفهومات المجردة وبين حقائق الواقع البالغ التعقيد، وحتى إذا سلمنا بأن الإسلام يختلف عن سائر الأديان الأخرى فى أنه دين جامع لا يفصل بين الكنيسة والدولة، أو بين الدين والحياة اليومية، فإن الفقرات التالية من مقال كيفنر تتضمن ما يُعتبر دليلا على الجهل وداعيا للتضليل بصورة فريدة، وربما بصورة متعمدة، وإن كان كلاما تقليديا لا جديد فيه:

«إن سبب انحسار نفوذ موسكو يتسم ببساطة خادعة، ألا وهو أن ماركس والمسجد لا يتفقان (تُرى نفترض إذن أن ماركس أقرب إلى الاتفاق مع الكنيسة أم مع المعبد؟) وفيما يتعلق بالذهن الغربى (وهذا هو بيت القصيد كما هو واضح) فلقد تكيّف منذ حركة الإصلاح الدينى مع التطورات التاريخية والفكرية التى عملت بانتظام على تقليل الدور المنوط بالدين، وهكذا فهو يواجه صعوبة فى تفهم القوة التى يمارسها الإسلام (وإذن فالمفترض أنه لم يتكيف مع التطورات التاريخية أو الفكرية) ومع ذلك فلقد ظل الإسلام على امتداد قرون طويلة يمثل القوة الرئيسية فى حياة هذه المنطقة، ويبدو، ولو مؤقتا على الأقل، أن قوته فى ازدياد، لا يفصل الإسلام بين الدين والدولة، فهو نظام جامع لا يقتصر على العقيدة بل يشمل العمل كذلك، وبه قواعد ثابتة تحكم الحياة اليومية، ودافع روحى يدفع المسلم إلى مواجهة الكافر أو هدايته للإسلام، وفى نظر المتدينين، وخصوصا العلماء وفقهاء الدين منهم، بل فى نظر الجماهير أيضا (أى لا استثناء لأحد) تبدو الماركسية، بنظرتها الدنيوية المحضة للإنسان مذهبا غربيا بل مذهب تجديف كذلك»، ومن هنا يحاول سعيد فضح آليات الإعلام الغربى التى تعمل جاهدة على تشويه الإسلام وجعله فى صورة نمطية يراها الغرب دائما باعتبارها ضد الحياة الحرة.

دافع سعيد كثيرا عن هذه الصورة النمطية للإسلام محاولا فضح آليات الإعلام الغربى الذى يعمل على تشويهه ومن ثم تنميطه؛ ليكون الإسلام هو العدو الأول للغرب لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، لتكتسب الإدارة الأمريكية بذلك ميزة مُساندة أهلها من المواطنين الذين يرون فى منطقة الشرق الأوسط بالكامل مكانا للدمار والدموية من خلال إسلامهم الناشئ من أرضهم.

سيرة «خارج المكان»

ظلت حالة الشتات التى عاشها إدوارد سعيد بعيدا عن وطنه، فلسطين، متنقلا بين لبنان ومصر وأمريكا تُمثل بالنسبة له كابوسا لا يريد أن ينتهي، حتى أنه أوصى قبل موته أن يُنثر رماده فى لبنان، وفى هذا السياق كتب سيرته الذاتية تحت عنوان «خارج المكان» وهو الكتاب الذى روى فيه حياته كلها بخيباته الكثيرة، ونجاحاته المتعددة، ومعاناته، فينقلنا إلى عالمه الصغير حيث هو «كسول وشيطان»، وحيث يتوجّب عليه الانصياع للنظام الصارم والعادات، ولسوط أبيه وإهاناته المتكرّرة التى أشعرته بالخزى وغرست فيه عدم الثقة بالنفس.

رحم الله إدوارد سعيد الذى ظل مناضلا من أجل أفكاره التى اعتنقها حتى أخريات أيامه، رغم معاناته اثنى عشر عاما كاملة مع سرطان الدم «اللوكيميا»، وهو المرض الذى لم يمنعه من النضال، والتأليف، والمزيد من الصراع من أجل الدفاع عما يعتقده صحيحا.