إعادة تقديم الأغنيات القديمة فى زمن المهرجانات بينَ «حُوريّة حسن» و«جمال هارون» .. ماذا حدثَ للمصريين؟! محمد سالم عبادة   نبدأ بهذا المقال محورًا جديدًا لحديثِنا، هو الأغانى التى أُعيدَ

maxresdefault

إعادة تقديم الأغنيات القديمة فى زمن المهرجانات

بينَ «حُوريّة حسن» و«جمال هارون» .. ماذا حدثَ للمصريين؟!

محمد سالم عبادة

 

نبدأ بهذا المقال محورًا جديدًا لحديثِنا، هو الأغانى التى أُعيدَ غناؤُها عبرَ تاريخِنا الموسيقيّ الحديثِ بطرُقٍ مختلفة.

الاعتذارُ واجبٌ أوّلا لأستاذنا المفكّر الكبير أ.د.جلال أمين عن استعارتِنا عنوانَ كتابِهِ الأشهر فى هذا المقال، لكن عُذرنا أنّه أصبحَ مِلكًا للجميعِ منذُ ظهورِ الكتابِ الرائد. موضوعُنا هو أغنية «مِن حُبّى فيك يا جاري» التى شدَت بها «حورية حسن» فى فيلم «أحبّك يا حسن» من قصة وسيناريو وحِوار «زكريا الحجّاوي» و«حسين فوزي» وإخراج الأخير عام 1958. الأغنية من كلمات «مرسى جميل عزيز» ولَحن «محمد الموجي».

قدّم شاعرُنا كلماتٍ بسيطةً تتّفِقُ والسياقَ الدراميّ للفيلم الذى تدورُ أحداثُهُ فى شارع «محمد علي»، كما تتّفقُ وطبيعةَ الشخصية التى تجسّدُها «حورية حسن». والبساطةُ تعنى أنّ الصّوَرَ الشِّعريّة فى الأغنيةِ متواترةٌ على ألسنة الناس، فلا جِدّةَ فيها على الجُملة، ولا ينقُضُ هذا عبقريّةَ أستاذنا «مرسى عزيز»، فأصالتُهُ تكمُنُ فى تقمصِ الحالةِ التى يُجرى الأغنيةَ فيها، وفى المناسبةِ بين سطور الأغنية وتصاعُدِها الدراميّ نحوَ تحقُّقِ الأمَل فى كوبليه «يوم ما تخبّط على بابنا/ وتجينا يا اعزّ احبابنا/ أهلك حتكلّم أهلي/ وتفرّح عينى وقلبي/ والقى الدنيا بتندَه لي/ فى عينيك الحلوة حبايبي». ربّما يجرنا هذا إلى محاولة فهم مصطلح «الأغنية الشعبيّة». التعريفُ الذى يتمسّك به معظمُ باحثى موسيقى الشعوب يقولُ إنّها الأغنية التى لا يُعرَف مؤلّفُها ولا ملحّنها الأصلي، وترتبطُ بعاداتٍ وطقوسٍ معينةٍ عند شعبٍ ما، وقد توجدُ أكثرُ من نسخةٍ منها فى الذاكرة الجمعيّة، كأغانى السبوع والزفاف. لكنَّ بعض الباحثين الألمان يبسُطون المصطلح «الأغنية الشعبية volkslied» ليَشمَلَ كلَّ أغنيةٍ تلقّفَها الشعبُ وأصبحَت واسعةَ الانتشار. والواضحُ أنّ أغنيتَنا هنا هى أغنيةٌ شعبيّةٌ بالتعريف الثانى الأوسع. ويرتبطُ هذا بالبساطةِ المُشارِ إليها آنِفا.

جاءت الأغنيةُ فى بَحر الخَبَب ذى التفعيلةِ السريعةِ «فَعِلُنْ فَعِلُنْ» مناسِبًا للمضمون الشعبى البسيط.

أمّا لحن «الموجي» فقد بدأ بمقدمةٍ يعزفُها الأكورديون فى مقام النهاوند. رغمَ هذا، فإنّ اللقطةَ الافتتاحيّة لتصوير الأغنيةِ تصوّر «شكرى سرحان» جالسًا إلى البيانو يعزف. يستمرّ اللحن فى نفس المقامِ إلى نهايتِه، على إيقاع المصمودى الكبير «وميزانُه 8/4 أى ثمانية وحدات فى ميزان رُباعي»، كما تتسِعُ حالةُ الاحتفاء بالموسيقى فى تصوير الأغنية، فنرى الجيران يخرجون إلى شرفاتهم يعزفون على القانون والكونتراباص والناي، و«عبد المنعم إبراهيم» على الدَّرَبُكَّة!

يعمَدُ «الموجي» فى الكوبليه الأخير المذكور سابقًا إلى إفساح الساحة للموّال، حيث يتنحّى الإيقاعُ وتستطرِد «حورية حسن» فى التعبير عن فرحتِها دون قيودٍ يفرضُها ضابطُ إيقاع، وهو معادلٌ موسيقي موفَّقٌ للفرحةِ فى رأيي.

نأتى إلى أداء «حوريّة» البديع، بصوتِها الرخيم وإحساسِها الوافر. «حورية» تشبهُ آلةً موسيقيّةً مضبوطةً – كما يقول الموسيقيّون «مدوزنة» – تماما. يتّضِحُ هذا بالضرورةِ فى جُزء الموّال لأنّها تصبحُ فيه ضابطةَ إيقاعِ نفسِها، فلا يُفلِتُ منها إيقاعُها ولا تخرُجُ عن خطّها اللّحنى قيدَ شَعرة. صوت «على الشَّعرة» كما يُقال! وتتّضِحُ قدرتُها الفائقةُ فى أدائها «العُرَب»، لاسيّما فى جملةٍ مثل «وتفرّح عينى .. يا عينى .. وتفرّح عينى وقلبي». هنا تأتى مفردة «عين» لتدفعَها إلى الاستطراد والزخرفة باستحضار نصف التعبير الغنائى التقليدى «يا ليل يا عين» اللصيق بمحاولة المُطرِب إبرازَ قدرتِه الصوتية. ربما ينبغى هنا أن نُعَرِّفَ العُرْبَة، فنقول إنها – تبعًا لما جاءَ فى كتاب «الموسيقى الشرقي» للعظيم «كامل الخُلَعي» – نِصفُ المسافة بين درجتين من درجات السّلّم الموسيقي، أى «نصف تون». والمهم أنّ العُرَب فى اصطلاحات الغناء العربيّ تعنى حِلياتٍ صوتيّةً ليست أساسيّةً فى أداء الخطّ اللحنيّ، لكنّها تزخرِفُهُ وتُضفى عليه جَمالا خاصًّا متى أُدِّيَت على الوجهِ الأكمَل. ولهذا مُعادِلاتٌ فى الموسيقى الغربيّة، منها النغماتُ اللطيفة grace notes وهى نغماتٌ تزيدُ أو تقلُّ نصف درجةٍ أو درجةً عن النغمة الأصلية، تسبِقُها أو تلحقُها لزخرفة الخطّ اللحني. اسمحوا لى بالاستطرادِ لضرورةٍ هنا، لأتذكّرَ مقولةَ «جوته»: «العمارةُ موسيقى جامدةٌ، والموسيقى عمارةٌ سائلة»، مشيرًا إلى اتفاق الفنَّين فى انتشارِهما فى فضاءٍ ما «العمارة فى فضاءٍ مكانيٍّ والموسيقى فى فضاءٍ زمانيّ»، وفى أنهما تعبيران عن الفكر وعن الإرادةِ، وإن كانت الموسيقى – كما قال بعدَه شوبنهَوَرْ – هى التعبيرَ الأكثرُ تجريدًا عن الإرادةِ فكأنّها الإرادةُ نفسُها. ما يعنينا هنا أنّ هذه العُرَب – وهى من مظاهر عبقرية حورية حسن – ربما تكونُ أشبهَ فى فنّ العمارة العربيّة بالشّرّافاتِ التى تنتشرُ على أسطُح المساجد والمدارس، أو المُقَرنصات بما لها من أثَرٍ آسِرٍ للعين .. كلاهما غيرُ ضروريٍّ حقيقةً إذا تحدّثنا عن اتّزانِ البناءِ أو أمانِهِ أو تَحَمُّلِه، كما أنَّ العُرَبَ غيرُ أساسيّةٍ فى أداءِ الخطّ اللحني. لكنّ الإصرارَ على العُرَبِ من ناحيةٍ، والشرّافات والمقرنصاتِ من أُخرى هو انحيازٌ لقيمةِ الجَمال البَحت غير المرتبطِ بوظيفةٍ أخرى. إنها درجةٌ من الرُّقِيِّ الإنسانيِّ لا تتأتّى إلاّ مع اطمئنانِ الحضارة.

آسِفٌ لأنى نسيتُ إلى هنا أن أقدّم «جمال هارون»! «جمال» مغنٍّ شعبيٌّ معاصِرٌ انتشرَ أداؤه لـ«من حبى فيك يا جاري»، فلا يكادُ يخلو منه «ميكروباص»! وظاهرةُ إعادةِ أداءِ الأغانى الناجحةِ عالَميّةٌ ولا تعبّرُ عن فقرٍ إبداعيٍّ بقدر ما تعبّرُ عن تواصُلٍ طبيعيٍّ مع الأسلاف، ومحاولةٍ لإبراز تفرُّدِ المغنّى المعاصِر بأدائه أغانيَ ترسّخَت مكانتُها فى الوعى الجمعي. ويحاولُ «جمال» إبرازَ تفرُّدِه بتصرُّفاتٍ معيّنةٍ فى اللحن والكلمات مع الموزّع «أحمد ويشا»، أهمُّها ابتداءُ الأغنية بصولو كمان رائع فعلا فى ذاتِ مقامِ الأغنية «نهاوند»، على كلمات «جار الهنا كان هنا/ جار الهنا راح فين»، ثُمّ ينفذُ منها إلى الأغنية كما نعرفُها. لكنّه فى مقطع «وعيون تندَه وتشاور/ وتسلّم ويّا النسمة/ وعيون تفهم وتحاوِر/ وتدوّب شوقها ف بسمة»، يتحوّل إلى مقامٍ مِن جنس البياتي، من مقامات «ثلاثة أرباع التون»، يَسهُلُ فيه أن تفرغَ حمولةً من اللوعة والعتاب العائليّ! كما يردد كلمة «يا عيون» ليرُدّ عليه «الكورَس» الفقير «بتشاور»، وينادى «يا حاجّ عُمَر» بشكلٍ يبدو غير مبرَّر! والمُلاحَظُ أن «الحاجّ عُمَر» أصبحَ متواترًا فى الأغنية الشعبية المعاصِرة، كأنه منسّق حفلات ذويدين بيضاوين على المغنّين، أو وكيل الله فى أكل عيشهم! أيضًا يعمَد «جمال» إلى مواضع تألُّق العُرَب عند «حورية» فيُسوّيها بالأرض فتنمحى الخطوط الزخرفيّة الصاعدة والهابطة التى ازدانَ بها اللّحنُ منذُ أكثر من نصف قرن. بل إنّه يمُدُّ ما لا يُمَدّ من الحروف حين يقولُ مثَلا «لا يعراافوا الجيران» و»وتسلّم ويّا النّيييااسمة»، وتكونُ المحصّلةُ خرابًا يلحقُ بالخطّ اللحنى الأساسيّ بعد تجريفِه من جماليّاتِه!

فى مقطع «قلبى بيرقص مِ الفرحة» يكرر النقلة إلى البياتى ويردد «حنرقص» ليرد الكورَس «مِيى الفاارحة» ويقول «آااه» فيردّوا «ميى الفاارحة» وكأنه يرقصُ هنا رقصَ المذبوح بعد أن تعاطى جرعةً زائدةً من المخدِّر، ممّا يُذَكِّرُنا بالمشهد الختامى لفيلم «إبراهيم الأبيَض»!

فى نسخةٍ أخرى من الأغنية يصفُ «جمال» رؤيتَه «نانسى عجرَم» «بتغنى آه ونُصّ» و«هَيفا» وهى تفعلُ شيئًا لا أذكُرُه، ويُهيب بـ«الحاجّ عُمَر» أن «يلمّ جيرانه»!

تذكّرُنى تصرّفات «جمال» فى الأغنية بالموسيقى السايكِدِلِية psychedelic التى ظهرَت فى الغَرب فى ستينات القرن الماضى وسطَ ثقافةِ تعاطى عقارات الهلوسة كالمِسكالين و«إل إس دى LSD». تتميزُ مثلَها بتجنُّب الزخرفة، ونقلاتُها المقامية تذكّرُنا بتغيرات الإيقاع والنغمات المفاجئة فى السايكِدِلِية، والكلماتُ الأقربُ إلى الهلوسة مِثلُها كذلك. لكنّها بالتأكيد تفتقرُ إلى نمط الوعى الموسيقيّ والفنّيّ المُعَقَّد فى ستيناتِ الغرب، حيثُ الإحالةُ إلى مصادر أدبيةٍ للكلماتِ فى بعض الأحيان!

ليسَ الجديرُ بالالتفاتِ قرارَ مُغَنٍّ صاعدٍ وموزِّعِه أن يتصرَفا هكذا مع أغنيةٍ كهذه. إنما اللافتُ حَقًّا هو انتشارُ نسختِهما من الأغنية بهذا القَدر! ظاهرةٌ اجتماعيّةٌ موسيقيّةٌ ربّما يكونُ من أسبابِها المحتمَلَةِ انتشارُ القُبح فى مصرَ فى حلقةٍ مُفرَغَة. كيف يمكنُ لسائقِ الميكروباص الذى يَقودُ فى طرُقٍ مزدحمةٍ بالقمامةِ والفوضى المروريّةِ وعلاماتِ التلوثِ بأنواعِهِ أن يتحرّى جمالا كالّذى تقدَمه «حوريّة»؟ كيف يمكنُ لمن يتعرَض للإهانةِ على أيدى رجال المرور وزملائه والركّاب، ويُهينُ الجميعَ كذلك بشكلٍ يوميٍّ حتى تتبلّدَ مشاعِرُهُ أن يَطرَبَ لسماعِ عُرَبٍ لامعةٍ مُرهَفَةٍ فى لَحنٍ جميلٍ أو لِمَرأى شرّافاتِ المساجد ومقرنصاتِها إن مرّ بجوارِها، وما أكثرَها فى شوارعِ مصر؟! كيف له – وهو الذى يتعاطى ما يتعاطاه ليستطيعَ تحمُّلَ كلِّ شيءٍ – ألاّ يُفَضِّلَ نسخةَ «جمال» و«ويشا»؟ كيف لـ«جمال» و«ويشا» أن يُفلِتا من قبضةِ لوعة «البياتي» المُقحَمَة على اللحن، والنغمةُ الأساسيةُ فى حياتنا الاجتماعيّة هى المبالغةُ فى الشكوى وإلقاءُ اللوم على الآخَرين؟ وكيف لهما أخيرًا ألاّ يُهَلوِسا بهيفاء ونانسى ويتلصّصا على ما تفعلانِه والانشغالُ بما يفعلُ الآخرون سمةٌ غالبةٌ فى المجتمع المصري، والكبتُ والسُّعارُ الجنسيّان ضاربان فى أصلِ بِنيتِه الحاليّة؟

وكيف عزفَ الجمهورُ المعاصرُ عن سماعِ أغنيةٍ تنتظرُ فيها «حورية» عريسَها المحتملَ، إلى نسخةٍ شائهةٍ بصوتِ رجُلٍ ما، لولا أنّ صوتَ المرأةِ يحتلُّ المكانةَ الثانيةَ فى هذا المجتمَعِ وإن كان عبقريَّ الجَمال؟!