المصريون وآل البيت فى «زيارة أخيرة لضريح الحسين» بقلم : محمد عبد الحافظ ناصف   «الحسين».. اسم حين يذكر يستدعى المحبة الغامرة من المصريين جميعا لأهل البيت النبوى الكريم، الذين

Egyptian Muslims pray at a tomb in al-Hussein mosque, where according to belief the head of Imam Hussein, the grandson of prophet Mohammed, is buried, in the old city of Cairo on December 4, 2011. AFP PHOTO/MAHMUD HAMS        (Photo credit should read MAHMUD HAMS/AFP/Getty Images)

المصريون وآل البيت فى «زيارة أخيرة لضريح الحسين»

بقلم : محمد عبد الحافظ ناصف

 

«الحسين».. اسم حين يذكر يستدعى المحبة الغامرة من المصريين جميعا لأهل البيت النبوى الكريم، الذين اختاروا مصر ليعيشوا فيها بعد مذبحة كربلاء ولم لا؟ ولهم فيها نسب وصهر كما قال الرسول الكريم، جميعا نحب آل البيت النبوى دون تشيع مذهبى وفى اعتدال يدهش الجميع، ويستدعى اسمه الشريف أيضا الظلم الذى تعرض له حفيد رسول الله من الموالين له قبل المناوئين، تناولت سيرته إبداعيا من قبل الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوى فى مسرحيتيه؛ «الحسين شهيدا» و«الحسين ثائرا»، وظلت لحظة كربلاء مادة خصبة لكثيرين ممن يغصون فى لحظات التراجيديا الانسانية والتاريخية. يتناوله حديثا الشاعر والمسرحى محمد زيدان فى ديوانه الجديد «زيارة أخيرة لقبر الحسين» والذى يعتبر الديوان الخامس له بعد دواوين؛ «من أحوال الرائى»، «فتوحات» و«المريد» و«السماء الأولى»، بالاضافة إلى عملين مسرحيين هما؛ «اعترافات مبدئية» و«بلدة طيبة» ومن خلال قراءة عناوين الدواوين الشعرية نجد ارتباطا وتشابكا كبيرا بينها جميعا، فاللغة الصوفية التى تحاول الصعود للسماء هى التى تربط بينها جميعا، وديوان «زيارة أخيرة لقبر الحسين» عبارة عن قصيدة واحدة فى أربعة أجزاء، كل جزء منها يمثل مرحلة مهمة للقصيدة الطويلة، بدلالات مهمة. وأطلق الشاعر محمد زيدان على الديوان – القصيدة الطويلة – أربعة عناوين فقط؛ فيسمى الجزء الأول « ما الذى يجعلنى وحيدا فى الحزن» ويسمى الجزء الثانى «قبر الحسين» والجزء الثالث «البحث عن قبر الحسين» والرابع «الحسين فى شوارع بغداد»

وتبدأ القصيدة/ الديوان بخروج الحسين من المدينة ويصور الشاعر الخروج تصويرا روائيا حين تبكى الحسين كل الأشياء التى فى المدينة حتى الطرقات التى كان يسير فيها ونرى أن الشاعر اعتمد فى بداية أبياته على تصوير المشهد من الكاميرا التى ترصد هذا الخروج وكأنه سيناريست يصف مشهد البداية رغم الصور الشعرية الكثيرة فيه ولكن القارئ يستطيع أن يستشعر صعوبة الخروج من مدينة رسول الله إلى القيظ والصخور والصحراء والقتل مع عدد كبير من أهل بيت النبى… «الحسين يخرج من براح المدينة، شاهرا شمس النبوة، يرتقى فى منازل البلاد، مدائنها وأنهارها» ويطرح الشاعر محمد زيدان تساؤلا مهما… ما الذى يجعل الحسين يمتطى صهوة الوقت، يرحل صوب قاطرة الموت «فيرحل معه كل شىء، كوكبة الموت فيحمل معه ليالى المدينة السابحة فى خيال الحسين ويرحل معه الورد الصحراوى والجبال والشعراء المكابدون الوجع وآل النبى، صور لنا زيدان أن الحياة كلها قد رحلت مع الحسين بحجرها وبشرها وكل شىء جميل بها، ويعتمد الشاعر على أنسنة الأشياء فى القصيدة حتى أن القارئ يشعر بها «يسأل رجل يعبر الطريق إلى الحرم النبوى طرقات المدينة الحزينة، تسأل، لماذا يرحل الحسين، لماذا الفراق ؟» ويبدأ زيدان الجزء الثانى «قبر الحسين» بدعوة الجميع لقراءة الفاتحة على روح الحسين وروح البلاد وهنا يربط الشاعر بين أزمة الحسين ومقتله وأزمة البلاد الآن والعراق بصفة خاصة والوطن العربى بصفة عامة ويستخدم زيدان التناص مع فاتحة القرآن الكريم ويبدأ كل مجموعة أبيات تحمل فكرة واحدة بآية من آيات الفاتحة مثل «الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب الطارات الحبيبة، التى تفح باليورانيوم المخصب من كرم الأمريكان» وهنا يربط الشاعر بين قتلة الحسين والأمريكان الذين قاتلوا أبناء العراق، كما أنه استخدم الرقم تسعة وتسعين مرابيا ويهوديا وشبحا ورديا وقبلة خلال الجزء الثانى والسؤال الذى يطرح نفسه ما دلالة الرقم الذى يرتبط بأسماء الله الحسنى وكأن الشاعر يريد أن يؤكد أن هؤلاء اليهود والأمريكان ينازعون أسماء الله الحسنى بقوتهم وجبروتهم وهى أسماء خاصة به جل شأنه ويربط بين يوم القيامة – يوم الدين – ويوم الهجوم على العراق وتدميرها وضربها بالطائرات والصواريخ واشعال الفتن بين أبنائها من السنة والشيعة حتى الآن «مالك يوم الدين، مالك يوم أن قصفت بغداد مرة واحدة، بسبعين ألف قنبلة ويوم أن أشعلوا فتنة السنى والشيعى والدرزى والعربى، فى فنجان قهواتهم المعتمة».

واستطاع الشاعر محمد زيدان أن يربط جيدا مستخدما ما حدث فى العراق وبين ما حدث للإمام الحسين ووظف فاتحة القرآن واستفاد منها ومن آياتها جيدا كنص مقدس لتساعده فى تقديم الرؤية التى يريدها.

وفى الجزء الثالث من القصيدة «البحث عن قبر الحسين – الجسد» نجد الشاعر يربط بين مصر والعراق، يربط بين اختيار آل بيت النبوة الذهاب لمصر بعدما حدث ما حدث لهم فى كربلاء، نجد الشاعر يؤسس لحب المصريين الكبير فى هذا الجزء لآل البيت وحبب آل البيت لهم واختيارهم النيل وقدم لنا الشاعر صورة من البسطاء فى مصر الذين يحبون آل البيت حبا ضخما رغم قلة حيلتهم وقتها «سبعون من آل بيت النبى، يطيرون إلى صفحة النيل الأغر، التى تنام المياه فيه على كتف الفقراء، المريدون فى مصر يخرجون مثل الفراش، يحملون خبزهم اليومى، والماء الذى يجمعون من قطرات الشتاء»، كما صور مشهد الخداع التاريخى الكبير الذى انتهى بخلع الحسين وتثبيت معاوية بعد أن خالف عمرو بن العاص ما اتفق عليه مع أبى موسى الأشعرى بخلع الحسين ومعاوية «هناك فى جبال أذرح، كان صوت أبى موسى الأشعرى يقول هأنا خلعت صاحبى وعمرو يرفع المصحف فى كبد سماء معان وأنا أثبت صاحبى» وهنا نجد قمة السياسة من عمرو بن العاص التى لا تقابلها أداء مماثل من أبى موسى الأشعرى وفى تصورى يسقط الوقار الدينى فى هذه اللحظة من عيون المتابعين عبر الأزمان وترتفع السياسة فقط ويبدأ الشاعر بنداء موفق منه بدرجة كبيرة حين قال: «من يدلنا على جسد قانت يرتدى من عباءة الشجر تسعة تسعين سماء» ويوفق الشاعر فى تصوير المشهد الأول لدخول الشاعر للجزء الثالث من القصيدة، فنجد النداء منه لأهل مصر الذين استقبلوا بعين من آل بيت النبى بقلوب محبة ومفتوحة.

وفى الجزء الرابع من القصيدة «الحسين فى شوارع بغداد» يستدعى الشاعر الحسين لشوارع بغداد بعد أصابها ما أصابها من دمار فيقول الشاعر «ما الذى يجعل الحسين يمشى فى شوارع بغداد يلوح للذين يقرءون سيرة البلاد العربية» ويشير الشاعر لحال بغداد الذى ترتدى سكرة الموت كما يؤكد.. «لم يكن الحسين وقتها سوى الرمز الذى يلون طهر بغداد بالدم المر».

متوالية شعرية

قدم لنا الشاعر محمد زيدان متوالية شعرية عن خلال أربع قصائد طويلة، شكلت معا متوالية شعرية شملت نفس السمات التى بها جميعا، فبطل النصوص الأربعة الإمام الحسين منذ لحظة خروجه من المدينة مع آل البيت مرورا بلحظة المذبحة التى تعرض لها فى كربلاء وقتاله بشجاعة وبسالة وتحرك آل البيت لمصر وعودة ظهور الحسين فى الوقت الحاضر فى شوارع بغداد والربط بين قتلة الحسين وقتلة الشعب العربى فى بغداد وفلسطين وسوريا ومصر وليبيا واليمن وكل شبر عربى يئن من النفوذ والاحتلال الغربى والصهيونى وتواجدت شخصيات المتوالية فى اللوحات الأربع وشكلت شخصياتها سردا حكائيا ساهم فى رسم المشاهد ونقل الأحداث ورسم الشخصيات رغم الشعرية العالية التى تحملها القصيدة والتى حفلت بالصور الشعرية الجديدة والطازجة والتى تناسب اللحظة الموجعة التى مرت بها الأمة الإسلامية فى تاريخها الأول وتلك اللحظة التى قسمت الأمة فى أول خلاف صار دمويا بعد أن ارتفع صوت السياسة والحكم رغم أن كل فريق كان يحاول أن يقنع نفسه ومن معه أن الأمر كله لله وهذا ما رفضته الأجيال التالية حين قرأت التاريخ بحيادية وبعيدا عن التعصب، فكان الشجن والحزن الذى سيطر على لحظات كثيرة من صفحات الديوان.

وختاما قدم الشاعر محمد عبد الباسط زيدان ديوانا محبا للحسين ومتفاعلا معه بعين حيادية تتماس مع الواقع الحالى ولا تنسى اللحظة التاريخية السوداء التى فرقت الأمة بسبب الحكم والسياسة.